ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

ففي ترددهم دلالة على أنهم لا يريدون الخروج للجهاد ؛ ولو كانوا عازمين بالفعل على ذلك لأعدوا ما يلزمهم للحرب من الزاد والراحة والسلاح، ولكنهم لم يفعلوا من هذا قط ؛ لأنهم افتقدوا النية الصادقة للجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
ولقائل أن يقول : ألم يكن من الجائز أن يعدوا كل شيء للقتال في آخر لحظة ؟ نقول : لا، فالذاهب إلى القتال لا يمكن أن يستعد في آخر لحظة. بل لا بد أن يشغل نفسه بمقدمات الحرب من سلاح وزاد وراحة وغير ذلك، ولو لم يشغل نفسه بهذه المسائل قبل الخروج بفترة وتأكد من صلاحية سلاحه للقتال ؛ ووجود الطعام الذي سيحمله معه ؛ وغير ذلك، لما استطاع أن يخرج مقاتلا. فليست المسألة بنت اللحظة، بل كان عدم استعدادهم للقتال يعدّ كشفا للخميرة المبيّتة في أعماقهم بألا يخرجه، وسبحانه قد اطلع على نواياهم، وما تخفى صدورهم، وقد جازاهم بما أخفوا في أنفسهم. لذلك يقول :
ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين وسبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أحد من خلقه، الخلق هم الذين في اجتياح دائم إليه سبحانه ؛ لذلك ثبط هؤلاء عن الخروج، وكره سبحانه خروجهم للقتال، و " ثبطهم " أي جعلهم في مكانهم، ولم يقبل منهم أن يعدوا العدة للقتال كراهية منه سبحانه أن يخرجوا بنشاط إلى القتال. والكره : عملية وجدانية. والتثبيط : عملية نزوعية.
وأضرب هذا المثل دائما-ولله المثل الأعلى- أنت ترى الوردة، فتدر ك بعينك جمالها، فإن مددت إليها لتقطفها، هنا يتدخل الشرع ليقول لك، لا ؛ لأن هذا نزوع إلى ما لا تملك. وإن أردت أن تحوز وردة مثلها، فإما أن تشتريها وإما أن تزرع مثلها، إذن : فالمشروع يتدخل-فقط- في الأعمال النزوعية.
وكراهية الله لنزوعهم تجلت في تثبيطهم وخذلهم وردّهم عن الفعل، وزين لهم في نفسوهم ألا يخرجوا للقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لحكمة أرادها الحق سبحانه، فوافقت ما أذن فيه رسول الله في التخلف، وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال : وقيل اقعدوا مع القاعدين وإذا كان التثبيط من الله، فكأنه أوضح لهم : اقعدوا بإذن الله من الإرادة الإلهية. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم بالقعود والتخلف لمّا استشفّ تراخيهم، أو أن الشياطين أوحت لهم بالقعود، فالحق هو القائل سبحانه :
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ( الأنعام : ١١٢ ).
وهكذا نجد أن كلمة : قيل قد بنيت لما لم يسمّ فاعله لإمكان أمن يتعدد القائلون، فالله بتثبيطه لهم كأنه قال لهم : اقعدوا، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم : اقعدوا، والشياطين حينما زينوا لهم القعود ؛ كأنهم قالوا لهم : اقعدوا. وقولهم لبعض زيّن لهم القعود، وهكذا أعطتنا كلمة واحدة عطاءات متعددة.
وهل ينفي عطاء عطاء ؟. لا، بل كلها عطاءات تتناسب مع الموقف.
ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا معه القاعدين والمقصود بالقاعدين هنا : هم الذين لا يجب عليهم الجهاد من النساء والأطفال والعجائز، فكأنهم قد تخلوا بعدم خروجهم عن رجولتهم التي تفرض عليهم الجهاد. وهذه مسألة ما كان يصح أن يرتضوها لأنفسهم. وفي موقع آخر من نفس السورة قال الحق سبحانه :
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم ( التوبة : ٨٧ ) وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال، ولكنهم ارتضوا لأنفسهم ضعف النساء والأطفال. ونجحد الشاعر العربي عندما أراد أن يستفز أفراد قبيلته الذين تكاسلوا عن القتال معه، فقال :

وما أدري ولست أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء١
والقوم تطلق على الرجال دون النساء٢.
١ البيت من قول زهير بن أبي سلمى.
٢ ويقوي هذا قوله تعالى:لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خير منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن (الحجرات: ١١) فلو كانت النساء من القوم لم يقل:ولا نساء من نساء..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير