{ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين( ٤٩ )إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون( ٥٠ ) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون( ٥١ ) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون( ٥٢ )
هذا شروع في بيان حال أناس من أولئك المنافقين بأقوال قالوها فيما بينهم جهرا، وأمور أكنوها في أنفسهم سراً، وأقوال سيقولونها، وأقسام سيقسمونها، وأعذار سيعتذرونها غير ما سبق منهم. وشؤون عامة فيهم ـ أكثرها من أنباء الغيب ـ مع ما يتعلق بذلك ويناسبه من الحكم والأحكام، والعقائد والآداب.
إن تصبك حسنة تسؤهم المتبادر أن هذا إخبار عن شأنهم في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، والحسنة كل ما يحسن وقعه ويسر من غنيمة ونصرة ونعمة، أي أنه يسوءهم كل ما يسرك، كما ساءهم النصر في بدر وغير بدر من الغزوات.
وإن تصبك مصيبة أي نكبة وشدة كالذي وقع في غزوة أحد.
يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل أي قد أخذنا أمرنا بالحزم والحذر الذي هو دأبنا من قبل وقوعها إذ تخلفنا عن القتال، ولم نلق بأيدينا إلى الهلاك.
ويتولوا وهم فرحون أي وينصرفوا عن الموضع الذي يقولون فيه هذا القول عند بلوغهم خبر المصيبة إلى أهليهم، أو يعرضوا عنك بجانبهم وهم فرحون فرح البطر والشماتة. وتقدم في معنى الآية قوله : إن تمسسكم حسنة تسؤهم [ آل عمران : ١٢٠ ] وهي في سياق غزوة أحد.
وقد ورد في التفسير المأثور ما يدل على أن الآية خبر عن مستقبل الأمر في غزوة تبوك. روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن تصبك في سفرك هذا لغزوة تبوك حسنة تسؤهم، قال : الجد وأصحابه.
وروى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار السوء، يقولون : إن محمداً وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب خبرهم وعافية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فساءهم ذلك، فأنزل الله تعالى : إن تصبك حسنة تسؤهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : إن أظفرك الله وردك سالماً ساءهم ذلك، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا في القعود قبل أن تصيبهم.
والأول أبلغ وهو يشمل هذا وغيره.
تفسير المنار
رشيد رضا