(إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) أي إن ينزل بكم أمر هو حسن في ذاته، وعندكم، ويملأ نفوسكم بالسرور يكون هذا سببا لآلامهم، فسروركم مسيء لهم؛ لأنهم يريدون أن تدور عليكم الدوائر، فنصركم يوم بدر ساءهم، وكذلك يوم الأحزاب، ويوم مؤتة، إذ رضيتم من الغنيمة بالإياب أمام مائتي ألف، وأنتم ثلاثة آلاف، وقتلتم منهم مقتلة عظيمة مع قلة عددكم، وإن لم تغنموا شيئا منهم. (وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ).
المصيبة مؤنث مصيب أي نازلة وشدة كارثة، وأصلها كما ترى من أصاب، ولكنها بالتاء غلبت في الشدائد والكوارث والنكبات، فماذا أصاب المؤمنين نكبة أو قرح، كما أصابهم يوم أحد، قالوا: أخذنا أمرنا، أي أننا استولينا على أمرنا من قبل فلم نعرض أنفسنا لمخاطر الحروب ونوازلها فنجونا من أن نقع فيما وقعوا فيه،
وكأنَّهم يشمتون في المؤمنين، وقد وقع ما يتمنون، ويصفون أنفسهم بأنهم أهل الحذر، ليثيروا غضب من أطاعوا الرسول.
(وَيَتَوَلَّوْا) معطوف على يقولوا، أي وينصرفون إلى أهليهم وأصحابهم يتحدثون في أمر هذه النكبة وهم في فرح بها؛ لأنها أصابت هوى في نفوسهم، ولذا قال تعالى: " وهم فرحون " أي والحال أنهم فرحون فرحا غمرهم، ويصح أن يكون تولوا بمعنى أعرضوا عن الرسول غير مقبلين عليه مظهرين خبيئة نفوسهم، وفى هذا ما يفيد أنهم جرءوا عليه، وحسبوا أن الغد لهم، وما هي إلا جولة، حتى يكون الغلب لهم، ولكن هيهات أن يكون ذلك، فالهزيمة في معركة بعدها الظفر والنصر.
ولكن المؤمنين مطمئنون لما يقضي به الله تعالى لَا يستطيرهم نصر، ولا يخذلهم قرح، بل إنهم يقدمون متوكلين عليه سبحانه، إن أصابتهم حسنة لم يستطيروا بها، بل يستعدون لما بعدها، وإن أصابتهم نكبة رضوا، وعلموا أن الله تعالى قد قدر لهم ما فيه خير. ولذلك قال تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة