ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

قال تعالى : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة : ٩١ ].
وفيها اثنتان وعشرون مسألة :
المسألة الأولى : من الذي يحق له الفرار من الصف ؟
المسألة الثانية : هل يجب القضاء على من أخر الواجب الموسع ثم لم يستطع من أداءه لمانع ؟
المسألة الثالثة : ما حكم تارك الوتر ؟
المسألة الرابعة : من كبر قبل الإمام لعذر، فهل يدخل مع الإمام، ويبني على تكبيرته ؟
المسألة الخامسة : ما حكم صلاة من غسل دما وقع على ثوبه في صلاته ؟
المسألة السادسة : حكم إمامة الألكن والألثغ واللحان.
المسألة السابعة : من وقف بعرفة، حاملا لمال حرام، فما حكم حجه ؟
المسألة الثامنة : من قتل حيوانا صال عليه، فهل يضمن ؟
المسألة التاسعة : إذا هال البحر، وخافوا العطب، فألقوا الأثقل، فهل يضمنوه ؟
المسألة العاشرة : هل تضمن الوديعة ؟
المسألة الحادية عشرة : هل تضمن العارية ؟
المسألة الثانية عشرة : إذا اشترى جارية، فوجدها معيبة بعد وطئها، فهل له الرد ؟
المسألة الثالثة عشرة : من داوى أخاه، فهلك، فهل يضمنه ؟
المسألة الرابعة عشرة : من استعمل صبيا بغير إذن أهله فتلف فهل يضمن ؟
المسألة الخامسة عشرة : هل يضمن المقتص، إذا هلك المقتص منه ؟
المسألة السادسة عشرة : من ضرب ليتوب، فمات، فهل يضمن ؟
المسألة السابعة عشرة : هل يمنع الاعتكاف الأمر الواجب ؟
المسألة الثامنة عشرة : من عمل في شيء، فأتلفه، فهل يجب عليه ضمانه ؟
المسألة التاسعة عشرة : من باع مالا لغيره، فهل له شراؤه ؟
المسألة العشرون : إذا تلف صداق المرأة بعد قبضها ثم طلقها الزوج قبل الدخول، فهل تضمن النصف ؟
المسألة الحادية والعشرون : إذا طلق المولي ثم راجع، فهل يسقط حكم الإيلاء ؟
المسألة الثانية والعشرون : إذا قتل المصلى من مر بين يديه، فهل يضمنه ؟
المسألة الأولى :
[ ٧١ ] من الذي يحق له الفرار من الصف ؟
قال ابن حزم :
( وأما بعد اللقاء فلا يحل لواحد منا أن يولي دبره جميع من على وجه الأرض من المشركين، إلا متحرفا لقتال، أو متحيزا إلى فئة – على ما نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى – أو من كان مريضا، أو زمنا بقوله تعالى :
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله [ التوبة : ٩١ ].
فإن قالوا : إن الضعيف القلب معذور لأنه دخل في جملة الضعفاء. قيل لهم : هذا خطأ، لأن من رضي أن يكون مع الخوالف لضعف قلبه، ملوم بالنص غير معذور. وأيضا، فإن ضعف القلب قد نهينا عنه بقوله تعالى : ولا تهنوا [ آل عمران : ١٣٩ ] ولا يجوز أن يكون تعالى أراد وهن البدن ؛ لأنه لا يستطاع دفعه أصلا، والله تعالى لا يكلف إلا ما نطيق، وضعف القلب مقدور على دفعه.
ولو أراد الجبان أن يثبت لثبت، ولكنه آثر هواه والفرار على ما لا بد له من دراكه من الموت الذي لا يعدو وقعه، ولا يتقدم، ولا يتأخر، وهذا بين. وبالله تعالى التوفيق )١.
المسألة الثانية :
[ ٧٢ ] هل يجب القضاء على من أخر الواجب الموسع إلى آخر وقته، ثم لم يستطع أداءه لمانع ؟
يقول ابن حزم :
( وأما العمل المأمور به في وقت محدود الطرفين، قد ورد النص بالفسحة في تأخيره، فإنه يجب بأول الوقت، إلا أنه قد أذن له في تأخيره، وكان مخيرا في ذلك، وفي تعجيله، فأي ذلك أدى، فقد أدى فرضه. إلا أنه يؤجر على التعجيل لتحصيله العمل، واهتمامه به، ولا يأثم على التأخير ؛ لأنه فعل ما أبيح له، وذلك مثل : تأخير المرء الصلاة إلى آخر وقتها الواسع. ولذلك أسقطنا الملامة والقضاء عن المرأة تؤخر الصلاة عن أول وقتها، فتحيض، فعلت ما أبيح لها، ومن فعل ما أبيح له، فقد أحسن.
وقال تعالى : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ]، فسقطت الملامة.
وقد أخر عليه السلام الصلاة إلى آخر وقتها ؛ فصح بذلك : أن ذلك جائز مباح حسن، وإن كان التعجيل أحسن. وسقط القضاء عنها ؛ لخروج الوقت ؛ لأنه [ لا ] يؤدى عمل إلا في وقته المأمور به، كما أسقط خصومنا موافقين لنا القضاء عن المغمى عليه أكثر من خمس صلوات، وبعضهم أسقطها عن المغمى عليه صلاة فما فوقها )٢.
المسألة الثالثة :
[ ٧٣ ] ما حكم تارك الوتر ؟
قال ابن حزم :
( وقال مالك : ليس فرضا، ولكن من تركه أدب، وكانت جرحة في شهادته٣.
قال أبو محمد : وهذا خطأ بين ؛ لأنه لا يخلو تاركه أن يكون عاصيا لله عز وجل أو غير عاص ؛ فإن كان عاصيا لله تعالى، فلا يعصي أحد بترك ما لا يلزمه وليس فرضا ؛ فالوتر إذن فرض، وهو لا يقول بهذا، وإن قال : بل هو غير عاص لله تعالى. قيل : فمن الباطل أن يؤدب من لم يعص الله تعالى، أو أن تجرح شهادة من ليس عاصيا لله عز وجل ؛ لأن من لم يعص الله عز وجل فقد أحسن، والله تعالى يقول : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ] )٤.
المسألة الرابعة :
[ ٧٤ ] من سبق إمامه بالتكبير لعذر، فهل تصح صلاته ؟
( ومن دخل في مسجد فظن أن أهله قد صلوا صلاة الفرض التي هو في وقتها، أو كان ممن لا يلزمه فرض الجماعة، فابتدأ، فأقيمت الصلاة : فالواجب أن يبني على تكبيره، ويدخل معهم في الصلاة، فإن كان قد صلى منها ركعة فأكثر فكذلك ؛ فإذا أتم هو صلاته جلس، وانتظر سلام الإمام فسلم معه. برهان ذلك : أنه ابتدأ الصلاة كما أمر، ومن فعل ما أمر فقد أحسن، وقد قال عز وجل : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ] فإذ هو كذلك ثم وجد إماما، ففرض عليه أن يأتم به ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الإمام ليؤتم به )٥، ولإنكاره عليه السلام على من صلى لنفسه، والإمام يصلي بالناس )٦ ؛ فهذا لا يجوز إلا حيث أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط. وليس ذلك إلا لمن عذر فطول عليه الإمام فقط، على ما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى.
ولا يضره أن يضره أن يكبر قبل إمامه إذا كان تكبيره بحق، ومخالفنا يجيز لمن كبر، ثم استخلف الإمام من كبر بعده أن يأتم بهذا المستخلف الذي كبر مأمومه قبله.
وروينا من طريق عبد الرزاق : عن سفيان الثوري، عن المغيرة بن مقسم، والأعمش، كلاهما عن إبراهيم النخعي، أنه قال في رجل دخل في مسجد يرى أنهم قد صلوا، فصلى ركعتين من المكتوبة، ثم أقيمت الصلاة، قال إبراهيم : يدخل مع الإمام، فيصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يجعل الباقيتين تطوعا. فقيل لإبراهيم : ما شعرت أن أحدا يفعل ذلك ؟ فقال إبراهيم : إن هذا كان يفعله من كان قبلكم٧.
قال علي : هذا خبر عن الصحابة رضي الله عنهم وعن أكابر التابعين رحمة الله عليهم )٨.
المسألة الخامسة :
[ ٧٥ ] ما حكم صلاة من غسل دما وقع على ثوبه في صلاته ؟
يقول ابن حزم رحمه الله :
( فإن رعف أحد ممن ذكرنا في صلاة كما ذكرن فإن أمكنه أن يسد أنفه وأن يدع الدم يقطر على ما بين يديه، بحيث لا يمس له ثوبا ولا شيئا من ظاهر جسده، فعل وتمادى على صلاته، ولا شيء عليه.
برهان ذلك : أن الرعاف ليس حدثا على ما ذكرنا قبل، فإذ ليس حدثا، ولا مس له الدم ثوبا، ولا ظاهر جسد فلم يعرض في طهارته، ولا في صلاته شيء.
فإن مس الدم من جسده أو ثوبه، فأمكنه غسل ذلك غير مستدبر القبلة، فليغسله وهو متمادي في صلاته، وصلاته تامة، وسواء مشى إلى الماء كثيرا أو قليلا.
برهان ذلك : أن غسل النجاسة واجتناب المحرمات فرض بلا خلاف، فهو في مشية لذلك وفي عمله لذلك مؤدي فرض، ولا تبطل الصلاة بأن يؤدي فيها ما أمر بأدائه، لأنه لم يخالف، بل صلى كما أمر، ومن فعل ما أمر به فهو محسن، وقد قال تعالى : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ] )٩.
المسألة السادسة :
[ ٧٦ ] حكم إمامة الألكن والألثغ واللحان.
يقول ابن حزم رحمه الله :
( وأما الألثغ، والألكن، والأعجمي اللسان، واللحان : فصلاة من آئتم بهم جائزة ؛ لقول الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : ٢٨٦ ].
فلم يكلفوا إلا ما يقدرون عليه، لا ما لا يقدرون عليه، فقد أدوا صلاتهم كما أمروا، ومن أدى صلاته كما أمر فهو محسن. قال تعالى : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ].
والعجب كل العجب ممن يجيز صلاة الألثغ، واللحان، والألكن لنفسه، ويبطل صلاة من ائتم بهم في الصلاة، وهم – مع ذلك – يبطلون صلاة من صلى وهو جنب ناسيا، ويجيزون صلاة من ائتم به وهو لا صلاة له. وبالله تعالى التوفيق )١٠.
المسألة السابعة :
[ ٧٧ ] حكم حج من وقف بعرفه حاملا لمال حرام.
قال ابن حزم :
( فمن وقف بها – عرفة – حاملا لمال حرام، فلم يقف كما أمر بل وقف عاصيا، فإن لم يعلم بذلك فقد قال تعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم [ الأحزاب : ٥ ] ومن لم يتعمد للحرام عالما به فليس عاصيا، وإذا لم يكن عاصيا، فهو محسن قال – تعالى - : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ] فقد وقف كما أمر، وعفا الله تعالى له عما لم يعلمه )١١.
المسألة الثامنة :
[ ٧٨ ] من قتل حيوانا صال عليه، فهل يضمن ؟
يقول ابن حزم :
( وكل من عدا عليه حيوان متملك من بعير، أو فرس، أو بغل، أو فيل، أو غير ذلك، فلم يقدر على دفعه عن نفسه إلا بقتله فقتله فلا ضمان عليه فيه.
وهو قول مالك، والشافعي، وأبي سليمان.
قال علي : لا يخلو من عدت البهيمة عليه فخشي أن تقتله، أو أن تجرحه، أو أن تكسر له عضوا، أو أن تفسد ثيابه من : أن يكون مأمورا بإباحة ذلك لها، منهيا عن الامتناع منها ودفعها، وهذا مما لا يقولونه، ولو قالوه لكان زائدا في ضلالهم، لأن الله تعالى يقول : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [ البقرة : ١٩٥ ] وهذا على عمومه، أو يكون مأمورا بدفعها عن نفسه منهيا عن إمكانها من روحه، أو جسمه، أو ماله، أو أخيه المسلم، وهذا هو الحق لما ذكرنا.
فإذا هو مأمور بذلك ولم يقدر على النجاة منها إلا بقتلها فهو مأمور بقتلها، لأن قتلها هو الدفع الذي أمر به، ومن فعل ما أمر به، فهو محسن، وإذ هو محسن، فقد قال تعالى : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ] )١٢.
المسألة التاسعة :
[ ٧٩ ] إذا هال البحر، وخافوا العطب، فألقوا الأثقل فالأثقل، فهل يضمنوه ؟
قال الإمام ابن حزم :
( فإن هال البحر وخافوا العطب فليخففوا الأثقل فالأثقل، ولا ضمان فيه على أهل المركب لأنهم مأمورون بتخليص أنفسهم. قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم [ النساء : ٢٩ ] وقال تعالى : ولا تلقوا بأيديكن إلى التهلكة [ البقرة : ١٩٥ ].
فمن فعل ما أمر به فهو محسن، قال الله تعالى : ما على المحسنين من سبيل [ التوبة : ٩١ ] وقال مالك : يضمن ما كان للتجارة، ولا يضمن ما سيق للأكل والقنية، ولا يضمن شيئا من ذلك من لا مال له في المركب. وهذا كله تخليط لا يعضده دليل أصلا، وقول لا نعلم أحدا تقدمه قبله. وبالله تعالى التوفيق )١٣.
المسألة العاشرة :
[ ٨٠ ] هل تضمن الوديعة ؟
يقول الإمام ابن حزم :
( فإن تلفت من غير تعد منه ولا تضييع لها فلا ضمان عليه فيها ؛ لأنه إذا حفظها ولم يتعد ولا ضيع فقد أحسن، والله تعالى يقول :{ ما على المحسن

١ (أصول الأحكام) (م ١/٤٨٨-٤٨٩)..
٢ (أصول الأحكام) (١/٣٢٣)..
٣ وعزاه كذلك ابن حجر في (الفتح) (٢/٥٦٨)..
٤ (المحلى) (٢/٦)..
٥ جاء من حديث أنس وعائشة وأبي هريرة.
أما حديث أنس رضي الله عنه: فأخرجه البخاري (٣٧٨) في كتاب الصلاة: باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب. ومسلم (٤١١) في كتاب الصلاة: باب ائتمام المأموم بالإمام.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها: فأخرجه مالك (١/١٣٥)، والبخاري (٦٨٨) في كتاب الأذان: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، ومسلم (٤١٢) في كتاب الصلاة: باب ائتمام المأموم بالإمام.
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه: فأخرجه البخاري (٧٢٢) في الأذان: باب إقامة الصف من تمام الصلاة، (٧٢٤) في باب إيجاب التكبير من باب الأذان. ومسلم (٤١٤) في الصلاة: باب ائتمام المأمور بالإمام..

٦ إنكاره صلى الله عليه وسلم من صلى لنفسه والإمام يصلي: أخرجه البخاري (٦٦٣) في كتاب الأذان: إذا أيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. ومسلم (٧١١) في كتاب صلاة المسافرين: باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة. من حديث ابن بحينة. قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي، والمؤذن يقيم، فقال: (أتصلي الصبح أربعا) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (الصبح أربعا، الصبح أربعا).
وأخرجه أحمد (١/٢٣٨)، وابن حبان (٦/٢٢١)، من حديث ابن عباس، وفيه أن المصلي ابن عباس، وإسناده حسن إن شاء الله تعالى.
وصححه ابن خزيمة (٢/١٦٩-١٧٠)، والحاكم (١/٣٠٧). وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)..

٧ أخرجه عبد الرزاق (٢/٤٣٨)..
٨ (المحلى) (٢/١٥٦-١٥٧)..
٩ (المحلى) (٣/٦٩-٧٠)..
١٠ (المحلى) (٣/١٣٤)..
١١ انظر : (المحلى) (٥/١٩٨)..
١٢ (المحلى) (٦/٤٤٢-٤٤٤)..
١٣ (المحلى) (٧/٢٧)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير