ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ( ٩١ ) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ( ٩٢ )*إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( ٩٣ )
بين الله تعالى في هذه الآيات الأعذار الشرعية المقبولة عنده وعند رسوله بالتفصيل فعلم منه بطلان ما عداها وخص بالذكر شر ما عداها وهو استئذان الأغنياء.
فقال : ليس على الضعفاء الضعفاء جمع ضعيف وهو ضد القوي أي من لا قوة لهم في أبدانهم تمكنهم من الجهاد، قال ابن عباس : يعني الزمنى والشيوخ والعجزة، وقيل هم الصبيان وقيل النسوان ذكره البغوي. والزمنى بوزن المرضى وبالتحريك جمع زمين كمريض، ويقال زمن ( ككتف ) وزمنون، وهم من أصابتهم الزمانة وهي العاهة التي لا تزول بل تبقى على الزمان، ومنها الكساح ( بالضم ) والعمى والعرج، وقدم ذكر هؤلاء لأن عذرهم دائم لا يزول.
ولا على المرضى جمع مريض وهم الذين عرضت لهم أمراض لا يتمكنون معها من الجهاد كالحميات وعذرهم ينتهي بالشفاء منها.
ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون وهم الفقراء الذين لا يجدون مالاً ينفقون منه على أنفسهم إذا خرجوا للجهاد ويتركون لعيالهم ما يكفيهم، وكان المؤمنون يجهزون أنفسهم للقتال، فالفقير ينفق على نفسه، والغني ينفق على نفسه وعلى غيره بقدر سعته، كما فعلوا في غزوة تبوك، إذا لم يكن للمسلمين بيت مال غني ينفق منه النبي صلى الله عليه وسلم على الغزاة، وهذا العذر خاص بالمال، ويزول إذا كان للأمة في بيت المال ما ينفقون منه، أي ليس على هذه الأصناف الثلاثة حرج أي ضيق في حكم الشرع يعدون به مذنبين ولا إثم في القعود عن الجهاد الواجب.
إذا نصحوا لله ورسوله في حال قعودهم لعجزهم، أي إذا أخلصوا لله تعالى في الإيمان وللرسول صلى الله عليه وسلم في الطاعة وأداء الأمانة بالقول والعمل، ولا سيما الذي تقتضيه حالة الحرب فالنصيحة والنصح ( بالضم ) تحري ما يصلح به الشيء ويكون خالياً من الغش والخلل والفساد، من قولهم : نصح العسل ونصع إذا كان خالصاً مصفى، «ونصح الخياط الثوب إذا أنعم خياطته ولم يترك فيه فتقاً ولا خللاً » ذكره في مجاز الأساس، وقال :«شبه ذلك بالنصح » على طريقته في جعل المعاني الحسية من المجاز والمعنوية من الحقيقة، ونحن نرى عكس هذا، أعني أن نصح العسل والخياط حقيقة، والنصح في التوبة والطاعة هو المأخوذ منه، والأجدر بأن يكون مجازاً، إلا إن يكثر استعماله فيعد من الحقيقة، ومنه يعلم أن من النصح لله ورسوله في هذه الحالة كل ما فيه مصلحة للأمة ولا سيما المجاهدين منها، من كتمان سر، وحث على بر، ومقاومة خيانة الخائنين في سر أو جهر، فالنصح العام ركن من الأركان المعنوية للإسلام به عز السلف وبزوا، وبتركه ذل الخلف وابتزوا.
روى مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الدين النصيحة. قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )(١).
وروى البخاري ومسلم والترمذي عن جابر قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم(٢).
ما على المحسنين من سبيل السبيل الطريق السهل يطلق على الحسي منه والمعنوي، في الخير وفي الشر، كما تقدم في تفسير ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [ الأنعام : ١٥٣ ]، و«من » لتأكيد النفي العام، وهو أبلغ من قولك :« ما عليه سبيل » وإن كان عاما، فقولك ما على فلان من سبيل معناه ليس لأحد أدنى طريق يسلكها لمؤاخذته أو النيل منه، فكل السبل مسدودة دون الوصول إليه، وهذا الاستعمال مكرر في القرآن. والمحسنون ضد المسيئين، وهو عام في كل من أحسن عملا من أعمال البر والتقوى : بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه [ البقرة : ١١٢ ] الآية. والشرع الإلهي يجزي المحسن بأضعاف إحسانه، ولا يؤاخذ ولا يعاقب المسيء إلا بقدر إساءته. فإذا كان أولئك المعذورون في القعود عن الجهاد محسنين في سائر أعمالهم بالنصح المذكور انقطعت طرق المؤاخذة دونهم، والإحسان أعم من النصح المذكور، فالجملة تتضمن تعليل رفع الحرج عنهم بما ينتظمون به في سلك المحسنين، فيكون رفعه عنهم مقروناً بالدليل. فكل ناصح لله ورسوله محسن، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج، وهذه المبالغة في أعلى مكانة من أساليب البلاغة.
ولما ذكر رفع المؤاخذة عنهم بإحسانهم السلوك فيما هم معذورون فيه من القعود عن الجهاد وهو الذي اقتضاه المقام، قفى عليه بالستر عليهم والصفح والإحسان إليهم فيما عداه، على قاعدة« هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ فقال : والله غفور رحيم أي وهو تعالى كثير المغفرة واسع الرحمة، فهو يستر على المقصرين ما لا يخلوا منه البشر من ضعف في أداء الواجبات لا ينافي الإخلاص والنصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ويدخلهم في رحمته في عباده الصالحين. وأما المنافقون المسيئون عملاً ونية فإنما يغفر لهم ويرحمهم إذا تابوا من نفاقهم الباعث لهم على إساءتهم.
٢ - أخرجه البخاري في الإيمان باب ٤٢، ومواقيت الصلاة باب ٣، والزكاة باب ٢، ومسلم في الإيمان حديث ٩٧، ٩٩، والترمذي في البر باب ١٧..
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ( ٩١ ) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ( ٩٢ )*إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( ٩٣ )
بين الله تعالى في هذه الآيات الأعذار الشرعية المقبولة عنده وعند رسوله بالتفصيل فعلم منه بطلان ما عداها وخص بالذكر شر ما عداها وهو استئذان الأغنياء.
تفسير المنار
رشيد رضا