وأراد الحق سبحانه أن يعطي رخصة للذين لا يقدرون على القتال ولهم العذر في أن يتخلفوا عنه، فقال :
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم( ٩١ ) .
ونحن نعلم أن الضعيف هو من لا يقدر على العمل، لا بسبب المرض، بل لكبر سنه، أو هو صغير السن لا يقدر على الحرب، وكذلك يعفي الحق المرضى عن القتال ؛ وهم من أصيبوا بعاهة طارئة تجعلهم غير قادرين على القتال. وكذلك أعفى الله الذين لا يجدون ما ينفقون ؛ لأنهم من شدة فقرهم لا يستطيعون شراء دابة تحملهم أو معدات قتال يقاتلون بها.
والنفقة-كما نعلم- هي أن تقدر أن تعول نفسك في الذهاب والإقامة مدة الحرب والعودة. وكان على كل مجاهد أن يعدّ مطلوبات الحرب.
فالله سبحانه قد رفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقونه، وجعل لهم وظيفة أخرى تخدم الجهاد، فقال سبحانه وتعالى :
إذا نصحوا لله ورسوله أي : ينصحون ويشجعون أولئك القادرين على الجهاد ؛ ليحمّسوهم على القتال، ثم يكونون في عون أهل المجاهدين١، ويواجهون الإشاعات والأكاذيب التي يطلقها المنافقون في المدينة ؛ للنيل من الروح المعنوية للمسلمين فيردون عليها ليخرسوا ألسنة السوء.
ثم يقول الحق : ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم والسبيل : هو الطريق، ومعناها : ما عليهم من إثم أو لوح أو توبيخ أو تعنيف. وكل هذا لا يجد سبيلا على المحسنين، ولم يقل الحق : " ما على المحسنين من سبيل " ؛ لأن السبيل يمر عليهم ولا ينتهي إليهم بلوم ؛ لأن هناك فارقا بين أن يمر عليهم وأن ينتهي إليهم ؛ فالمرور أمر عادي، وليس هو الغاية ؛ لذلك يوضح الحق أنه لا يوجد سبيل إليهم ولا إلى عتابهم ؛ لأنهم أدوا كل ما تطلّبه الجهاد منهم، ولكنهم لم يذهبوا إلى ميدان القتال ؛ لأسباب خارجة عن إرادتهم، وفعلوا كل ما يتطلبه الإيمان.
أما إذا كان المجاهد لديه ما ينفقه، ولكنه لا يملك راحة يركبها، فعليه أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلب منهم راحلة، فإذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أجد ما أحملكم عليه فهذا إذن بالقعود، وفي هذا يقول الحق سبحانه :
ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون( ٩٢ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي