ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

وأما المعتذر بحق فيقبل عذره، وهم ذوو الأعذار في ترك الجهاد الذين أعفاهم الله، وتتحدث عنهم الآية التالية: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ....
أصحاب الأعذار المقبولة لعدم الجهاد
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٩١ الى ٩٢]
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)
الإعراب:
تَوَلَّوْا جواب إِذا قُلْتَ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ حال من كاف أَتَوْكَ بإضمار: وقد. وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الجملة في موضع نصب على الحال.
مِنَ الدَّمْعِ من للبيان، وهي مع المجرور في محل نصب على التمييز، وهو أبلغ من يفيض دمعها لأنه يدل على أن العين صارت دمعا فياضا حَزَناً نصب على أنه مفعول لأجله، أو على الحال، أو المصدر لفعل دل عليه ما قبله. أَلَّا يَجِدُوا أي لئلا يجدوا، متعلق ب حَزَناً أو ب تَفِيضُ.
البلاغة:
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ عطف على الضُّعَفاءِ، أو على الْمُحْسِنِينَ.
وهو من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنهم. وهو مبتدأ معطوف على ما قبله بغير واو.
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وضع الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أنهم من جملة المحسنين غير المعاتبين بالتخلف.

صفحة رقم 347

المفردات اللغوية:
الضُّعَفاءِ كالشيوخ أو الهرمى جمع ضعيف وهو غير القوي، والمرضى جمع مريض، كالزمنى والعمي ما يُنْفِقُونَ في الجهاد حَرَجٌ ذنب أو إثم في التخلف عن الجهاد إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ في حال قعودهم بعدم الإرجاف والتثبيط، وبالطاعة ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ما عليهم بذلك من طريق بالمؤاخذة غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم في التوسعة عليهم حَزَناً الحزن والحزن: ضد السرور. والحزن: الصعب وما غلظ من الأرض، وفيها حزونة.
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ معك إلى الجهاد وهم البكاؤون سبعة من الأنصار:
معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عتمة، وعبد الله بن مغفل، وعلية بن زيد، أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا: نذرنا الخروج، فاحملنا على الخفاف المرفوعة، والنعال المخصوفة، نغز معك،
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا أجد ما أحملكم، فتولوا
وهم يبكون.
وقيل: هم بنو مقرن من مزينة: معقل وسويد والنعمان وعقيل وسنان، وسابع لم يسم، وعلى هذا جمهور المفسرين. وقيل: أبو موسى وأصحابه.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب براءة فإني لواضع القلم في أذني، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاءه أعمى، فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟ فنزلت:
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ الآية.
وأما آية: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ فذكر في سبب نزولها ثلاث روايات:
الأولى-
أخرج ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله، احملنا، فقال: والله ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدوا نفقة ولا محملا،

صفحة رقم 348

فأنزل الله عذرهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ الآية.
وقد ذكرت أسماؤهم في المبهمات، وكانوا يسمون البكائين.
الثانية: قال مجاهد: هم ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بن مقرن، سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، والنعال المخصوفة، فقال: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ وهذا رأي الجمهور.
والثالثة:
قال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبا، فقال: «والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه».
المناسبة:
هناك ارتباط واضح بين هذه الآيات وما قبلها، فبعد أن ذكر تعالى الوعيد لمن يوهم العذر أو ينتحل الأعذار، مع أنه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وبين إسقاط فريضة الجهاد عنهم.
التفسير والبيان:
أبان الله تعالى في هذه الآيات الأعذار التي يقبل بها القعود عن القتال، وذكر أصنافا ثلاثة من ذوي الأعذار المقبولة: وهم الضعفاء، والمرضى، والفقراء.
فقال: ليس على الضعفاء والمرضى والفقراء العاجزين عن الإنفاق في الجهاد إثم أو ذنب أو عتاب في عدم الجهاد إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، بأن أخلصوا الإيمان لله، وللرسول في الطاعة في السر والعلن، وعرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه، وللأمة بالحفاظ على مصلحتها العامة العليا من كتمان السر، والحث على البر، وعدم الإرجاف والتثبيط والقضاء على الإشاعات الكاذبة أو المغرضة،
روى مسلم عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الدين النصيحة، قالوا لمن

صفحة رقم 349

يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
والنصيحة لله وللرسول: إخلاص الإيمان بهما وطاعتهما والحب والبغض فيهما، والنصيحة لكتابه: تلاوته وتدبر معانيه والعمل بما فيه، والنصيحة لأئمة المسلمين: مؤازرتهم وترك الخروج عليهم، وإرشادهم إن أخطئوا، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى طريق الحق، والعمل على تقويتهم. والنصح:
إخلاص العمل من الغش.
والضعفاء: كل من لا قدرة لهم على القتال كالشيوخ والعجزة والنساء والصبيان.
والمرضى: من طرأ لهم مرض مزمن أو مؤقت لا يتمكنون معه من الجهاد، كالزمنى والعمي والعرج، والمحمومين.
والفقراء: الذين عدموا النفقة على أنفسهم في أثناء الجهاد، وعلى عيالهم.
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي ليس عليهم جناح ولا مؤاخذة، ولا إلى معاتبتهم طريق، ولا إثم عليهم بسبب القعود عن الجهاد.
وهذا نص عام يشمل كل من أحسن عملا من أعمال البر والخير، وهو أصل معتبر في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة الذمة أو البراءة الأصلية، وعدم مطالبة الغير له في نفسه وماله، فالأصل في نفسه حرمة القتل، والأصل في ماله حرمة الأخذ إلا لدليل ثابت، والأصل عدم مطالبته بشيء من التكاليف إلا بدليل مستقل.
فما دام هؤلاء المعذرون عذرا شرعيا ناصحين لله ورسوله، مخلصين أعمالهم لله، فلا مؤاخذة عليهم.
والله غفور، كثير المغفرة لهم ولأمثالهم، رحيم بهم، فلا يكلفهم ما لا طاقة

صفحة رقم 350

لهم به. أما العصاة والمنافقون فلا يغفر لهم إلا إذا تابوا وأقلعوا عن العصيان والنفاق الذي كان سببا في الإثم.
وكذلك لا حرج ولا إثم على من استعد للقتال بنفسه، ولكنه لا يجد مركبا أو نفقة ينفقها في أثناء الجهاد على نفسه وعياله، بسبب فقره، ومن أخصهم أولئك النفر من الأنصار البكاؤون، أو من بني مقرن من مزينة الذين جاؤوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليحملهم على الرواحل، أو ليمدهم بالزاد والماء والنفقة في غزوهم، فيخرجوا معه، فلم يجد ما يحملهم عليه، فانصرفوا من مجلسه، وهم يبكون بكاء شديدا بسبب حزنهم على ما فاتهم من شرف المشاركة في الجهاد، وبسبب فقدهم النفقة التي تساعدهم على الجهاد.
والتعبير بقوله: لِتَحْمِلَهُمْ يفيد عموم سائر وسائل النقل والحرب والقتال القديمة والحديثة. قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب.
قال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلي بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني. وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ.
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة أقواما، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا، ولا نلتم من عدو نيلا

صفحة رقم 351

إلا وقد شركوكم في الأجر» ثم قرأ: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ الآية.
وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: نعم، حبسهم العذر»
وفي رواية أحمد: «حبسهم المرض».
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات إسقاط فرضية الجهاد بسبب العذر عن أصناف ثلاثة من ذوي الأعذار وهم الضعفاء والمرضى والفقراء، وأنه لا حرج ولا إثم على المعذورين بسبب القعود عن الجهاد، وهم قوم عرف عذرهم، كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون.
والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوة: لا يجب عليه الجهاد. وقال المالكية: إذا كانت عادته المسألة، لزمه كالحج، وخرج على العادة لأن حاله إذا لم تتغير، يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد المليء.
ودلت الآيات على أصلين عظيمين من أصول الشريعة وهما:
الأصل الأول- سقوط التكليف عن العاجز، لقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة البدنية، أو العجز من جهة المال. ونظير هذه الآية قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة ٢/ ٢٨٦] وقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور ٢٤/ ٦١].
الأصل الثاني- الأصل في الإنسان براءة الذمة، أو براءة المتهم حتى تثبت

صفحة رقم 352

إدانته، ويعبر عنه بعبارة: الأصل براءة الذمة، وهذا مبدأ البراءة الأصلية.
وذلك لقوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ فالأصل في النفس حرمة القتل، والأصل في المال حرمة الأخذ، إلا لدليل ثابت أو لدليل منفصل مستقل.
ولا تكرار بين هؤلاء وبين قوله تعالى سابقا: وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ لأن الذين لا يجدون ما ينفقون: هم الفقراء الذين ليس معهم نفقة، وهؤلاء في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة، إلا أنهم لا يجدون المركوب.

صفحة رقم 353

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية