قلت : جواب " إذا " يحتمل أن يكون ( تولوا )، وجملة ( قُلتَ ) : حال من الكاف في ( أتوك )، أي : أتوك قائلاً لا أجد... الخ، ويحتمل أن يكون الجوابُ :" قلتَ "، و( تولوا ) استئناف لبيان حالهم حينئذٍ، و( من الدمع ) : للبيان، وهي مع المجرور، في محل نصب على التمييز، فهو أبلغ من تفيض دمعُها ؛ لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً، و( حزناً ) : علة، أو حال، أو مصدر لفعل دل عليه ما قبله، و( ألا يجدوا ) : متعلق به، أي : حزناً على ألاّ يجدوا ما ينفقون، و( إنما السبيل ) راجع لقوله :( ما على المحسنين من سبيل ).
يقول الحق جل جلاله : ليس على الضعفاءِ ؛ كالهرْمى، ولا على المرضى ؛ كالزّمْنَى ومن أضناه المرض، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون في الغزو حَرَجٌ أي : لا حَرج على هؤلاء في التخلف عن الغزو، إذا نَصَحوا الله ورسوله بالإيمان والطاعة في السر والعلانية. قيل : نزلت في بني مُقرن، وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل في عبد الله بن مُغفل.
ما على المحسنين من سبيل أي : ليس عليهم جناح، ولا إلى معاتبتهم سبيل، وإنما وضع المحسنين موضع المضمر ؛ للدلالة على أنهم منخرطون في سلك المحسنين، غير معاتبين في ذلك، والله غفور رحيم بالمسيء فكيف بالمحسنين ؟
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : من لم يتغلغل في عملنا هذا، مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر. وقال الغزالي : دواء القلوب واجب عيناً على كل مسلم، فكل من قصر في ذلك عُوقب يوم القيامة، إلا من حبسه عذر صحيح : من مرض مزمن، أو كبر سن، أو فقر مدْلق. قال تعالى : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ، فإن أحبوا أولياء الله، وصدقوهم وعظموهم، ودلّوا الناس على صحبتهم، فهؤلاء محسنون، ما على المحسنين من سبيل والله غفور لضعفهم، رحيم بهم.
وقال الورتجبي :( إذا نصحوا لله ورسوله ) أي : إذا عرّفوا عباد الله طريق الله، والأسوة بسنة رسول الله. هـ. وقد قال الحواريون : يا روح الله، ما النصيحة لله ؟ قال : تقديم حق الله على حق الناس. هـ. ولا حرج أيضاً على من لم يجد ما ينفق على الأشياخ من الأموال، فإن من أعطى نفسه كفته عَن إعطاء المال. قال تعالى : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم إلى الحضرة قلت لا أجد ما أحملكم عليه ؛ فإن بذل الأموال مع المهج أنهض من أحدهما، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ؛ ليتحببوا به في قلوب المشايخ. قال بعض المشايخ : أردنا أن نجعل من يسوق مع من لا يسوق على حد سواء، فلم يعتدلوا. هـ.
وقوله تعالى : حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ، ليس حزنهم على فوات الدنيا، وإنما حزنهم على تخلفهم عن رسول الله، وعن صحبة أهل الكمال. وقال القشيري : شقَّ عليهم أن يكون على قلب الرسول ـ عليه الصلاة السلام ـ منهم، أو بسببهم، شُغْلٌ، فَتَمنَّوا أن لو أزيحت علتهم، لا ميلاً إلى الدنيا ؛ ولكن لئلا يعود إلى قلب الرسول من فعلهم كراهةٌ، ولقد قيل١ :مَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديق لِقاؤه وأخو الحوائج وجهه مَمْلولُ. هـ.
قلت : جواب " إذا " يحتمل أن يكون ( تولوا )، وجملة ( قُلتَ ) : حال من الكاف في ( أتوك )، أي : أتوك قائلاً لا أجد... الخ، ويحتمل أن يكون الجوابُ :" قلتَ "، و( تولوا ) استئناف لبيان حالهم حينئذٍ، و( من الدمع ) : للبيان، وهي مع المجرور، في محل نصب على التمييز، فهو أبلغ من تفيض دمعُها ؛ لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً، و( حزناً ) : علة، أو حال، أو مصدر لفعل دل عليه ما قبله، و( ألا يجدوا ) : متعلق به، أي : حزناً على ألاّ يجدوا ما ينفقون، و( إنما السبيل ) راجع لقوله :( ما على المحسنين من سبيل ).
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي