ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم عطف على الضعفاء أو على المحسنين، قال : ابن عباس سألوه أن يحملهم على الدواب وقيل : سألوه أن يحملهم الخفاف المرقوعة والنعال المحضوفة ليفروا معه قلت لا أجد ما أحملكم عليه حال من الكاف في أتوك بإضمار قد تولوا جواب إذا وأعينهم تفيض أي : تسهيل من الدمع أي : دمعها ومن البيان، وهي مع مجرورها في محل النصب على التميز وهو أبلغ من تفيض دمعها لأنه يدل على أن العين صارت دمعا فياضا حزنا نصب على العلة أو الحال أو المصدر لفعل دل عليه ما قبل، ألا يجدوا أي : لئلا يجدوا متعلق بحزنا أو بتفيض ما ينفقون في غزوتهم، روى ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وابن إسحاق وابن المنذر وأبوا الشيخ عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن بكر وعاصم بن محمد بن عمر وقتادة وغيرهم رحمهم الله أن عصابة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاؤوه يستحملونه وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون " قال : محمد بن يوسف الصالحي : واختلوا في أسمائهم فالذي اتفقوا عليه سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف الأوسي وعلية بن زيد أبو ليلى بن عبد الرحمان بن كعب وهرمي بن عبد الله والذي اتفق عليه القرضي وابن إسحاق والوا قدي وتبعهم ابن سعد وابن حزم وأبو عمرو السهيلي ولم يذكرا لأخير عرباض بن سارية جزم بذلك ابن حزم وأبو عمرو، ورواه أبو نعيم عن ابن عباس والذي اتفق عليه القرظي وابن إسحاق عمرو بن حمام بن الجموح، والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة وابن إسحاق عبد الله بن مغفل.
روى ابن سعد ويعقوب بن سفيان وابن أبي حاتم عن ابن مغفل قال : إني لأجد الرهط الذين ذكر الله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم، وفي حديث ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين معه فجاءت عصابة من أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عبد الله بن مغفل المزني قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم احملنا فقال : والله ما أجد ما أحملكم عليه فيتولوا وهم بكاء وعز عليه أن يحبسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا فأنزل الله تعالى عذرهم " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم }الآية، والذي اتفق عليه القرظي وابن صخر ولفظ القرظي سلمان والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة عمرو بن عنمة بن عدي وعبد الله بن عمرو والمزني حكاه ابن إسحاق قولا بدلا عن ابن مغفل، وانفرد القرظي بذكر عبد الرحمان بن زيد أبو علية من بني حارثة وبذكر حرمي بن عمرو من بني مازن، وقال محمد بن عمرو ويقال إن عمرو بن عوف منهم قال : ابن سعد وفي بعض الروايات من يقول فيهم معقل بن يسار، وذكر فيهم الحاكم حرمي بن مبارك بن النجار وذكر ابن عابد فيهم مهدي بن عبد الرحمان وذكر فيهم محمد بن كعب سالم بن عمرو الواقفي، قال : ابن سعد وبعضهم يقول : البكاؤون بنو مقرن السبعة وهم من مزينة انتهى.
وهم النعمان وسويد ومغفل وعقيل وسنان. ذكر ابن إسحاق في رواية يونس وابن عمر أن علية بن زيد لما فقد ما يحمله ولم يجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحمله خرج من الليل فصلى من ليلة ما شاء الله تعالى ثم بكى وقال : اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أين المتصدق هذه الليلة ؟فلم يقم إليه أحد فقام إليه نخبره فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة " قال : ابن إسحاق ومحمد بن عمر : لما خرج البكاؤون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعلمهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه بقي مامين بن عمرو النضري أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال : ما يبكيكما ؟فلا : جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نقوى به على الخروج ونحن نكره أن يفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهما ناضحا له وزود كل واحد منهما صاعين من تمر، زاد محمد بن عمرو حمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة نفر بعد الذي كان جهز من الجيش، قلت : لعله لما سقط السبعة من الستة العشر المذكورين وسقط اثنان منهم لأجل شك الراوي فبقي من لم يخرج إلى الغزو لفقد ما يحمله سبعة وهم الذين قال : الله تعالى فيهم أنه لا سبيل عليهم بالمعاتبة والله أعلم.
روى الشيخان في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال :" أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من الأشعريين ليحملنا وفي رواية أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان فقلت : يا رسول الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم فقال :" والله لا أحملكم على شيء وما عندي ما أحملكم عليه ووافقته وهو غضبان ولا أشعر فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس فأجبته فقال : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيته قال : هذين القرينين وهذين القرينين لستة أبعرة أتباعهن حينئذ من سعد فانطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء فاركبوهن، قال أبو موسى فانطلقت إلى أصحابي فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أودعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألته لكم ومنعه في أول مرة ثم إعطاءه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله فقالوا : لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت، قال : فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه إياهم ثم إعطاءه بعد ذلك فحدثوهم بمثل ما حدثهم أبو موسى، ثم قلنا : والله لا يبارك لنا فرجعنا فقلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" أنا ما حملتكم ولكن الله حملكم "، ثم قال والله إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منهما إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " ١
التفسير المظهري
المظهري