ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ( ٩١ ) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ( ٩٢ )*إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( ٩٣ )
بين الله تعالى في هذه الآيات الأعذار الشرعية المقبولة عنده وعند رسوله بالتفصيل فعلم منه بطلان ما عداها وخص بالذكر شر ما عداها وهو استئذان الأغنياء.
ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه هذا معطوف على نفي الحرج عن الضعفاء والمرضى والفقراء ونفي السبيل عن المحسنين، أي لا حرج على من ذكر بشرطه، ولا سبيل على المحسن منهم في قعوده، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل فيخرجوا معك فلم تجد ما تحملهم عليه الخ، وهؤلاء جماعة من الفقراء يدخلون في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد في سفر طويل كغزوة تبوك وهو فقدهم الرواحل التي تحملهم، فهو من عطف الخاص على العام. يقال : حمله على البعير أو غيره أي أركبه إياه أو أعطاه إياه ليركبه، وكان الطالب لظهر يركبه يقول لمن يطلبه منه : احملني.
ثم بين حال هؤلاء بعد جواب الرسول لهم بياناً مستأنفاً فقال :
تولوا وأعينهم تفيض من الدمع أي انصرفوا من مجلسك وهم في حال بكاء شديد، هاجه حزن عميق. فكانت أعينهم تمتلئ دمعاً، فيتدفق فائضا من جوانبها تدفقاً، حتى كأنها ذابت فصارت دمعاً، فسالت همعاً حزنا منهم وأسفاً.
ألا يجدوا ما ينفقون أي على عدم وجدانهم عندك ولا عندهم ما ينفقون ولا ما يركبون في خروجهم معك جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين. فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل المزني فقالوا : يا رسول الله احملنا، فقال :( والله لا أجد ما أحملكم عليه )، فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملاً. فأنزل الله عذرهم : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الآية.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال : جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال :( لا أجد ما أحملكم عليه )، فأنزل الله ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الآية. وذكر البطون التي ينسبون إليها، وهنالك روايات أخرى في عددهم وبطونهم عند ابن إسحاق وغيره. وأنهم كانوا يسمون البكائين.
وهنالك رواية أخرى أنهم ما سألوه صلى الله عليه وسلم إلا الحملان على النعال، ورواية أخرى أنهم سألوه الزاد والماء، ولا مانع من وقوع كل ذلك في هذه الغزوة الكبيرة، ولكن الآية خاصة بطلاب الرواحل ؛ لأنه هو المتبادر من اللفظ.
والحكمة في التعبير بالإتيان لأجل الحمل والاعتذار عنه بعدم وجدان ما يحمل عليه دونه ذكر جنسه من راحلة ودابة هي إفادة العموم فيما يحمل عليه مريد السير، فتدخل فيه مراكب هذا الزمان من مراكب النقل البرية والهوائية والبحرية، ويتحقق العذر بفقد ما يحتاج إليه منها في كل سفر بحسبه، وفقد العذر بوجوده، فوجود الخيل والجمال والبغال لا ينفي العذر في السفر الذي يقطع في القطارات الحديدية أو السيارات أو المناطيد أو الطيارات.
تفسير المنار
رشيد رضا