تفسير سورة سورة السجدة

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

مفاتيح الغيب

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي (ت 606 هـ)

الناشر

دار إحياء التراث العربي - بيروت

الطبعة

الثالثة

مقدمة التفسير
سورة السجدة
سُورَةُ السَّجْدَةِ
وَتُسَمَّى سُورَةَ الْمَضَاجِعِ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ وَهِيَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً وَقِيلَ ثَلَاثُونَ آية بسم الله الرحمن الرحيم
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)
لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ دَلِيلَ الْوَحْدَانِيَّةِ وَذَكَرَ الْأَصْلَ وَهُوَ الْحَشْرُ وَخَتَمَ السُّورَةَ بِهِمَا بَدَأَ بِبَيَانِ الرِّسَالَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَقَالَ: الم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَقَدْ عُلِمَ مَا فِي قَوْلِهِ: الم وَفِي قَوْلِهِ: لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وغيرها غير أن هاهنا قَالَ: مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وَقَالَ مِنْ قَبْلُ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لُقْمَانَ: ٣] وَقَالَ فِي الْبَقَرَةِ [٢] : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَرَى كِتَابًا عِنْدَ غَيْرِهِ، فَأَوَّلُ مَا تَصِيرُ النَّفْسُ طَالِبَةً تَطْلُبُ مَا فِي الْكِتَابِ فَيَقُولُ مَا هَذَا الْكِتَابُ؟ فَإِذَا قِيلَ هَذَا فِقْهٌ أَوْ تَفْسِيرٌ فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ تَصْنِيفُ مَنْ هُوَ؟ وَلَا يُقَالُ أَوَّلًا: هَذَا الْكِتَابُ تَصْنِيفُ مَنْ؟ ثُمَّ يقول في ماذا هُوَ؟ إِذَا عَلِمَ هَذَا فَقَالَ أَوَّلًا هَذَا الكتاب هدى ورحمة، ثم قال هاهنا هُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّ كِتَابَ مَنْ يَكُونُ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَكُونُ فِيهِ عَجَائِبُ الْعَالَمِينَ فَتَدْعُو النَّفْسُ إِلَى مطالعته. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ٣]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)
يَعْنِي أَتَعْتَرِفُونَ بِهِ أَمْ تَقُولُونَ هُوَ مُفْتَرًى، ثُمَّ أَجَابَ وَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ رَبِّهِ ثُمَّ بَيَّنَ فَائِدَةَ التَّنْزِيلِ وَهُوَ الْإِنْذَارُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: كَيْفَ قَالَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مَعَ أَنَّ النُّذُرَ سَبَقُوهُ الْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: مَعْقُولٌ وَالْآخَرُ مَنْقُولٌ، أَمَّا الْمَنْقُولُ فَهُوَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ أُمَّةً أمية لم يأتيهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ وَجَمِيعُ/ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَوْلَادِ أَعْمَامِهِمْ وَكَيْفَ كَانَ اللَّهُ يَتْرُكُ قَوْمًا مِنْ وَقْتِ آدَمَ إِلَى زَمَانِ مُحَمَّدٍ بِلَا دِينٍ وَلَا شَرْعٍ؟ وَإِنْ كُنْتَ تَقُولُ بِأَنَّهُمْ مَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِخُصُوصِهِمْ يَعْنِي ذَلِكَ الْقَرْنَ
فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْعَرَبِ بَلْ أَهْلُ الْكِتَابِ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَرْنُ قَدْ أَتَاهُمْ رَسُولٌ وَإِنَّمَا أَتَى الرُّسُلُ آبَاءَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْعَرَبُ أَتَى الرُّسُلُ آبَاءَهُمْ كَيْفَ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ آبَاءَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا كُفَّارًا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ أَوْعَدَهُمْ وَأَوْعَدَ آبَاءَهُمْ بِالْعَذَابِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الْإِسْرَاءِ:
١٥] وَأَمَّا الْمَعْقُولُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ عَصْرٍ إِذَا ضَلُّوا بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَنْ يَهْدِيهِمْ يَلْطُفُ بِعِبَادِهِ وَيُرْسِلُ رَسُولًا، ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ طُهْرَهُمْ بِإِزَالَةِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِنْ أَرَادَ طُهْرَ وَجْهِ الْأَرْضِ بِإِهْلَاكِهِمْ، ثُمَّ أَهْلُ الْعَصْرِ ضَلُّوا بَعْدَ الرُّسُلِ حتى لم يبق على وجه الأرض عالم هاد ينتفع بهدايته قوم وبقوا على ذلك سنين متطاولة فَلَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ أَيْ بَعْدَ الضَّلَالِ الَّذِي كَانَ بَعْدَ الْهِدَايَةِ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ فَقَوْلُهُ: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِنْذَارُهُ مُخْتَصًّا بِمَنْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ لَكِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ أَتَاهُمْ نَذِيرٌ فَلَا يَكُونُ الْكِتَابُ مُنْزَلًا إِلَى الرَّسُولِ لِيُنْذِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ فَلَا يَكُونُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ نَقُولُ هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ مَا عَدَاهُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ لَكِنَّهُ وَافَقَ غَيْرَهُ فِي أَنَّ التَّخْصِيصَ إِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ نَفْيِ مَا عَدَاهُ لَا يُوجِبُ نَفْيَ مَا عَدَاهُ، وَهَاهُنَا وُجِدَ ذَلِكَ لِأَنَّ إِنْذَارَهُمْ كَانَ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشُّعَرَاءِ: ٢١٤] وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُنْذِرُ غَيْرَهُمْ أَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِنْذَارِ غَيْرِهِمْ وَإِنْذَارُ الْمُشْرِكِينَ كَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ إِنْذَارَهُمْ كَانَ بِالتَّوْحِيدِ وَالْحَشْرِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يُنْذَرُوا إِلَّا بِسَبَبِ إِنْكَارِهِمُ الرِّسَالَةَ فَكَانُوا أَوْلَى بِالذِّكْرِ فَوَقَعَ التَّخْصِيصُ لِأَجْلِ ذَلِكَ الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا يُرَدُّ مَا ذَكَرَهُ أَصْلًا، لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا قَدْ ضَلُّوا وَلَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ضَلَالِهِمْ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إِلَى الْكُلِّ عَلَى دَرَجَةٍ سَوَاءٍ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ حُسْنُ مَا اخْتَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يَعْنِي تُنْذِرُهُمْ رَاجِيًا أنت اهتداءهم. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ٤]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ] لَمَّا ذَكَرَ الرِّسَالَةَ بَيَّنَ مَا عَلَى الرَّسُولِ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ، فَقَالَ: اللَّهُ الَّذِي/ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ الَّذِي خَلَقَ، يَعْنِي اللَّهُ هُوَ الَّذِي خلق السموات وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَخْلُقْهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ فَلَا إِلَهَ إِلَّا وَاحِدٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إِشَارَةٌ إِلَى سِتَّةِ أَحْوَالٍ في نظر الناظرين وذلك لأن السموات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ذَاتٌ وَصِفَةٌ فَنَظَرًا إِلَى خَلْقِهِ ذَاتَ السموات حَالَةٌ وَنَظَرًا إِلَى خَلْقِهِ صِفَاتِهَا أُخْرَى وَنَظَرًا إِلَى ذَاتِ الْأَرْضِ وَإِلَى صِفَاتِهَا كَذَلِكَ وَنَظَرًا إِلَى ذَوَاتِ مَا بَيْنَهُمَا وَإِلَى صِفَاتِهَا كَذَلِكَ فَهِيَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ عَلَى سِتَّةِ أَحْوَالٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَيَّامَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْخَلْقِ رَآهُ فِعْلًا وَالْفِعْلُ ظَرْفُهُ الزَّمَانُ وَالْأَيَّامُ أشهر الأزمنة، وإلا فقبل السموات لَمْ يَكُنْ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ وَهَذَا مِثْلُ مَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ:
إِنَّ يَوْمًا وُلِدْتَ فِيهِ كَانَ يَوْمًا مُبَارَكًا
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وُلِدَ لَيْلًا وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مُرَادِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الزَّمَانُ الَّذِي هُوَ ظَرْفُ وِلَادَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ
— 136 —
أَحَدُهُمَا: تَرْكُ التَّعَرُّضِ إِلَى بَيَانِ الْمُرَادِ وَثَانِيهُمَا: التَّعَرُّضُ إِلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَسْلَمُ وَإِلَى الْحِكْمَةِ أَقْرَبُ، أَمَّا أَنَّهُ أَسْلَمُ فَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ أَنَا لَا أَتَعَرَّضُ إِلَى بَيَانِ هَذَا وَلَا أَعْرِفُ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا، لَا يَكُونُ حَالُهُ إِلَّا حَالَ مَنْ يَتَكَلَّمُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ الْكَلَامِ أَوْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُصُولَ ثَلَاثَةٌ التَّوْحِيدُ وَالْقَوْلُ بِالْحَشْرِ وَالِاعْتِرَافُ بِالرُّسُلِ لَكِنَّ الْحَشْرَ أَجْمَعْنَا وَاتَّفَقْنَا أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ وَاجِبٌ وَالْعِلْمُ بِتَفْصِيلِهِ أَنَّهُ مَتَى يَكُونُ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لُقْمَانَ: ٣٤] فَكَذَلِكَ اللَّهُ يَجِبُ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَنُعُوتِ الْكَمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ وَتَعَالِيهِ عَنْ وَصَمَاتِ الْإِمْكَانِ وَصِفَاتِ النُّقْصَانِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ جَمِيعَ صِفَاتِهِ كَمَا هِيَ، وَصِفَةُ الِاسْتِوَاءِ مِمَّا لَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِهَا فَمَنْ تَرَكَ التَّعَرُّضَ إِلَيْهِ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا، وَأَمَّا مَنْ يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِ فَقَدْ يُخْطِئُ فِيهِ فَيَعْتَقِدُ خِلَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَالْأَوَّلُ غَايَةُ مَا يَلْزَمُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَالثَّانِي يَكَادُ أَنْ يَقَعَ فِي أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا مُرَكَّبًا وَعَدَمُ الْعِلْمِ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ كَالسُّكُوتِ وَالْكَذِبِ وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ السُّكُوتَ خَيْرٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَأَمَّا إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحِكْمَةِ فَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يُطَالِعُ كِتَابًا صَنَّفَهُ إِنْسَانٌ وَكَتَبَ لَهُ شَرْحًا وَالشَّارِحُ دُونَ الْمُصَنِّفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ مَا أَتَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَلِهَذَا كَثِيرًا مَا نَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُورِدُ الْإِشْكَالَاتِ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ يَجِيءُ مَنْ يَنْصُرُ كَلَامَهُ وَيَقُولُ لَمْ يُرِدِ الْمُصَنِّفُ هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادَ كَذَا وَكَذَا وَإِذَا كَانَ حَالُ الْكُتُبِ الْحَادِثَةِ الَّتِي تُكْتَبُ عَنْ عِلْمٍ قَاصِرٍ كَذَلِكَ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ حِكْمَةٍ يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ جَاهِلٌ أَنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَكَيْفَ وَلَوِ ادَّعَى عَالِمٌ أَنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ وَكُلَّ فَائِدَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْفُلَانِيُّ يُسْتَقْبَحُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلِمَ كُلَّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ ثُمَّ لَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ كُلَّ مَا أَنْزَلَهُ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِلَى/ وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ وَلَعَلَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ نَبِيِّهِ فَبَيَّنَ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يُعْلَمُ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى ذَلِكَ الَّذِي لَا يُعْلَمُ، لِلتَّشَابُهِ الْبَالِغِ الَّذِي فِيهِ، لَكِنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ لَهُ شَرْطٌ وَهُوَ أَنْ يَنْفِيَ بَعْضَ مَا يَعْلَمُهُ قَطْعًا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَهَذَا لِأَنَّ قَائِلًا إِذَا قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ قُرْءِ فُلَانَةَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ مَوْتِ فُلَانَةَ وَلَا يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ سَفَرِ فُلَانَةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مُنْحَصِرٌ في الطهر أو الحيض فكذلك هاهنا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ مَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي ذَاتِهِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ، وَالْجُلُوسُ وَالِاسْتِقْرَارُ الْمَكَانِيُّ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ وَالتَّوَقُّفُ فِيمَا يَجُوزُ بَعْدَهُ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: خَطَرٌ وَمَنْ يَذْهَبُ إِلَيْهِ فَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: مَنْ يَقُولُ الْمُرَادُ ظَاهِرُهُ وَهُوَ الْقِيَامُ وَالِانْتِصَابُ أَوِ الِاسْتِقْرَارُ الْمَكَانِيُّ وَثَانِيهِمَا: مَنْ يَقُولُ الْمُرَادُ الِاسْتِيلَاءُ وَالْأَوَّلُ جَهْلٌ مَحْضٌ وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَهْلًا وَالْأَوَّلُ مَعَ كَوْنِهِ جَهْلًا هُوَ بِدْعَةٌ وَكَادَ يَكُونُ كُفْرًا، وَالثَّانِي وَإِنْ كَانَ جَهْلًا فَلَيْسَ بِجَهْلٍ يُورِثُ بِدْعَةً، وَهَذَا كَمَا أَنَّ وَاحِدًا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ الْكُفَّارَ وَلَا يُعَاقِبُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَكُونُ جَهْلًا وَبِدْعَةً وَكُفْرًا، وَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَرْحَمُ زَيْدًا الَّذِي هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ لَا يَكُونُ بِدْعَةً، غَايَةُ مَا يَكُونُ أَنَّهُ اعْتِقَادٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ، وَمِمَّا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتَوَى عَلَى مُلْكِهِ، وَالْعَرْشُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمُلْكِ، يُقَالُ الْمَلِكُ قَعَدَ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ بِالْبَلْدَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] إِشَارَةٌ إِلَى الْبُخْلِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِأَنَّ عَلَى يَدِ اللَّهِ غُلًّا عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُ اللَّهِ ذَلِكَ لَكَانَ كَذِبًا جَلَّ كَلَامُ اللَّهِ عَنْهُ، ثُمَّ لِهَذَا فَضْلُ تَقْرِيرٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُلُوكَ عَلَى دَرَجَاتٍ، فَمَنْ يَمْلِكُ مَدِينَةً صَغِيرَةً أَوْ بِلَادًا يَسِيرَةً مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَجْلِسَ أَوَّلَ مَا يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ، وَمَنْ يَكُونُ سُلْطَانًا يَمْلِكُ الْبِلَادَ الشَّاسِعَةَ وَالدِّيَارَ الْوَاسِعَةَ وَتَكُونُ الْمُلُوكُ فِي خِدْمَتِهِ يَكُونُ لَهُ سَرِيرٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَقُدَّامَهُ كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَزِيرُهُ، فَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ
فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ
— 137 —
عظمة المملكة، فلما كان ملك السموات وَالْأَرْضِ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ، عَبَّرَ بِمَا يُنْبِئُ فِي الْعُرْفِ عَنِ الْعَظَمَةِ، وَمِمَّا يُنَبِّهُكَ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنَّا خَلَقْنا [الْإِنْسَانِ: ٢] إِنَّا زَيَّنَّا [الصَّافَّاتِ: ٦] نَحْنُ أَقْرَبُ [ق: ١٦] نَحْنُ نَزَّلْنَا [الْحِجْرِ: ٩] أَيَظُنُّ أَوْ يَشُكُّ مُسْلِمٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ ظَاهِرُهُ مِنَ الشَّرِيكِ وَهَلْ يَجِدُ لَهُ مَحْمَلًا، غَيْرَ أَنَّ الْعَظِيمَ فِي الْعُرْفِ لَا يَكُونُ وَاحِدًا وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ فِي الْعُرْفِ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَا سَرِيرٍ يَسْتَوِي عَلَيْهِ فَاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ مُرِيدًا لِلْعَظَمَةِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْمَقْهُورَ الْمَغْلُوبَ الْمَهْزُومَ يُقَالُ لَهُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكَانٌ، أَيَظُنُّ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ صَارَ لَا مَكَانَ لَهُ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْجِسْمُ بِلَا مَكَانٍ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ إِلَهَهُ فِي مَكَانٍ كَيْفَ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنِ الْمَكَانِ؟ فَكَمَا يُقَالُ لِلْمَقْهُورِ الْهَارِبِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكَانٌ مَعَ أَنَّ الْمَكَانَ وَاجِبٌ لَهُ، يُقَالُ لِلْقَادِرِ الْقَاهِرِ هُوَ مُتَمَكِّنٌ وَلَهُ عَرْشٌ، وَإِنْ كَانَ التَّنَزُّهُ عَنِ الْمَكَانِ وَاجِبًا لَهُ، وَعَلَى هَذَا كَلِمَةُ ثُمَّ مَعْنَاهَا خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ، ثُمَّ الْقِصَّةُ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْمُلْكِ، وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: فُلَانٌ أَكْرَمَنِي وَأَنْعَمَ عَلَيَّ مِرَارًا، وَيَحْكِي عَنْهُ أَشْيَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ إِنَّهُ مَا كَانَ يَعْرِفُنِي وَلَا كُنْتُ فَعَلْتُ مَعَهُ مَا يُجَازِينِي/ بِهَذَا، فَنَقُولُ ثُمَّ لِلْحِكَايَةِ لَا لِلْمَحْكِيِّ الْوَجْهُ الْآخَرُ: قِيلَ اسْتَوَى جَاءَ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى عَلَى الْعَرْشِ، وَاسْتَوَى جَاءَ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى نَقْلًا وَاسْتِعْمَالًا. أَمَّا النَّقْلُ فَكَثِيرٌ مَذْكُورٌ في «كتاب اللُّغَةِ» مِنْهَا دِيوَانُ الْأَدَبِ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُعْتَبَرُ النَّقْلُ عَنْهُ. وَأَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَقَوْلُ الْقَائِلِ:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ
وَعَلَى هَذَا فَكَلِمَةُ ثُمَّ، مَعْنَاهَا ما ذكرنا كأنه قال خلق السموات والأرض، ثم هاهنا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فإنه أعظم من الكرسي والكرسي وسع السموات وَالْأَرْضَ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِقْرَارُ وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرٌ وَلَا يُفِيدُ أَنَّهُ فِي مَكَانٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ اسْتَقَرَّ رَأْيُ فُلَانٍ عَلَى الْخُرُوجِ وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنَّ الرَّأْيَ فِي مَكَانٍ وَهُوَ الْخُرُوجُ، لِمَا أَنَّ الرَّأْيَ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ أَوْ هُوَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَكَانٍ إِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ فَهْمُ التَّمَكُّنِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ الِاسْتِقْرَارِ مَشْرُوطٌ بِجَوَازِ التَّمَكُّنِ، حَتَّى إِذَا قَالَ قَائِلٌ اسْتَقَرَّ زَيْدٌ عَلَى الْفُلْكِ أَوْ عَلَى التَّخْتِ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّمَكُّنُ وَكَوْنُهُ فِي مَكَانٍ، وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ اسْتَقَرَّ الْمُلْكُ عَلَى فُلَانٍ لَا يُفْهَمُ أَنَّ الْمُلْكَ فِي فُلَانٍ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ اللَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَى الْعَرْشِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ كَوْنُهُ فِي مَكَانٍ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ أَوْ لَا يَجُوزُ، فَإِذَنْ فَهْمُ كَوْنِهِ فِي مَكَانٍ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَشْرُوطٌ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ، فَجَوَازُ كَوْنِهِ فِي مَكَانٍ إِنِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى كَوْنِ الْعَرْشِ مَكَانًا لَهُ وُجُوهٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ [الْحَجِّ: ٦٤] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَكُلُّ مَا هُوَ فِي مَكَانٍ فَهُوَ فِي بَقَائِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى مَكَانٍ، لِأَنَّ بَدِيهَةَ الْعَقْلِ حَاكِمَةٌ بِأَنَّ الْحَيِّزَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَكُونُ الْمُتَحَيِّزُ بَاقِيًا، فَالْمُتَحَيِّزُ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَيِّزِ، وَكُلُّ مَا يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ غَيْرِهِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي اسْتِمْرَارِهِ، فَالْقَوْلُ بِاسْتِقْرَارِهِ يُوجِبُ احْتِيَاجَهُ فِي اسْتِمْرَارِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ بِالنَّصِّ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: ٨٨] فَالْعَرْشُ يَهْلِكُ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَكَانٍ فَلَا يَبْقَى وَهُوَ يَبْقَى، فَإِذَنْ لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي مَكَانٍ، فَجَازَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَمَا جَازَ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَجَبَ لَهُ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَكَانٍ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ مَعَكُمْ [الْحَدِيدِ: ٤] وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ هُوَ أَنَّ عَلَى إِذَا اسْتُعْمِلَ فِي الْمَكَانِ يُفْهَمُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ بِالذَّاتِ كَقَوْلِنَا فُلَانٌ عَلَى
— 138 —
السَّطْحِ وَكَلِمَةُ مَعَ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي مُتَمَكِّنَيْنِ يُفْهَمُ مِنْهَا اقْتِرَانُهُمَا بِالذَّاتِ كَقَوْلِنَا زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو إِذَا اسْتُعْمِلَ هَذَا فَإِنْ كَانَ اللَّهُ فِي مَكَانٍ وَنَحْنُ مُتَمَكِّنُونَ، فَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مَعَكُمْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلِاقْتِرَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ كَلِمَةُ مَعَ تُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ مَيْلِهِ إِلَيْهِ وَعِلْمِهِ مَعَهُ أَوْ نُصْرَتِهِ يُقَالُ الْمَلِكُ الْفُلَانِيُّ مَعَ الْمَلِكِ الْفُلَانِيِّ، أَيْ بِالْإِعَانَةِ وَالنَّصْرِ، فَنَقُولُ كَلِمَةُ عَلَى تُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ حُكْمِهِ عَلَى الْغَيْرِ، يَقُولُ الْقَائِلُ لَوْلَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ لَأَشْرَفَ فِي الْهَلَاكِ وَلَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لَوْلَا فُلَانٌ عَلَى أَمْلَاكِ فُلَانٍ أَوْ عَلَى أَرْضِهِ لَمَا حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَا أَكَلَ/ حَاصِلَهَا بِمَعْنَى الْإِشْرَافِ وَالنَّظَرِ، فَكَيْفَ لَا نَقُولُ فِي اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ إِنَّهُ اسْتَوَى عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ كَمَا نَقُولُ هُوَ مَعْنَاهُ بِعِلْمِهِ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الْأَنْعَامِ: ١٠٣] وَلَوْ كَانَ فِي مَكَانٍ لَأَحَاطَ بِهِ الْمَكَانُ وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ يُرَى وَإِمَّا أَنْ لَا يُرَى، لَا سَبِيلَ إِلَى الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ فِي مَكَانٍ وَلَا يُرَى بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ يُرَى فَيُرَى فِي مَكَانٍ أَحَاطَ بِهِ فَتُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَكَانٍ فَسَوَاءٌ يُرَى أَوْ لَا يُرَى لَا يَلْزَمُ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ. أَمَّا إِذَا لَمْ يُرَ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا إذا رؤي فَلِأَنَّ الْبَصَرَ لَا يُحِيطُ بِهِ فَلَا يُدْرِكُهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْبَصَرَ لَا يُحِيطُ بِهِ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَحَاطَ بِهِ الْبَصَرُ فَلَهُ مَكَانٌ يَكُونُ فِيهِ وَقَدْ فَرَضْنَا عَدَمَ الْمَكَانِ، وَلَوْ تَدَبَّرَ الْإِنْسَانُ الْقُرْآنَ لَوَجَدَهَ مَمْلُوءًا مِنْ عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِهِ فِي مَكَانٍ، كَيْفَ وَهَذَا الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى كَوْنِهِ فِي الْمَكَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى الْمَكَانِ لَكَانَ قَدْ حَصَلَ عليه بعد ما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَقَبْلَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ مُحَالَانِ أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الْمَكَانِ أَزَلِيًّا، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَدَّعِي مُضَادَّةَ الْفَلْسَفِيِّ فَيَصِيرُ فَلْسَفِيًّا يَقُولُ بِقِدَمِ سَمَاءٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالثَّانِي: جَوَازُ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يُفْضِي إِلَى حُدُوثِ الْبَارِي أَوْ يُبْطِلُ دَلَائِلَ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكَانٌ وَمَا حَصَلَ فِي مَكَانٍ يُحِيلُ الْعَقْلُ وَجُودَهُ بِلَا مَكَانٍ، وَلَوْ جَازَ لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْجِسْمَ لَوْ كَانَ أَزَلِيًّا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَزَلِ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا لِأَنَّهُمَا فَرَّعَا الْحُصُولَ فِي مَكَانٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ اللَّهِ أَوْ عَدَمُ الْقَوْلِ بِحُدُوثِ الْعَالِمِ، لِأَنَّهُ إِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ قَبْلَ الْمَكَانِ لَا يَكُونُ فَهُوَ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجِسْمُ فِي الْأَزَلِ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَانٍ ثُمَّ حَصَلَ فِي مَكَانٍ فَلَا يَتِمُّ دَلِيلُهُ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَقُولَ بِحُدُوثِهِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ إِنَّكَ تُشَبِّهُ اللَّهَ بِالْمَعْدُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي مَكَانٍ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ جَعَلَهُ مَعْدُومًا حَيْثُ أَحْوَجَهُ إِلَى مَكَانٍ، وَكُلُّ مُحْتَاجٍ نَظَرًا إِلَى عَدَمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَعْدُومٌ وَلَوْ كَتَبْنَا مَا فِيهَا لَطَالَ الْكَلَامُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السموات وَالْأَرْضِ، قَالَ بَعْضُهُمْ نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ خَالِقَ السموات والأرض واحد هو إله السموات، وَهَذِهِ الْأَصْنَامُ صُوَرُ الْكَوَاكِبِ مِنْهَا نُصْرَتُنَا وَقُوَّتُنَا، وَقَالَ آخَرُونَ هَذِهِ صُوَرُ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ شُفَعَاؤُنَا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا إِلَهَ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَا نُصْرَةَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ وَلَا شَفَاعَةَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَعِبَادَتُكُمْ لَهُمْ لِهَذِهِ الْأَصْنَامِ بَاطِلَةٌ ضَائِعَةٌ لَا هُمْ خَالِقُوكُمْ وَلَا نَاصِرُوكُمْ وَلَا شُفَعَاؤُكُمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ مَا عَلِمْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُ خَالِقُ السموات وَالْأَرْضِ وَخَلْقُ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْعِظَامِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَصْنَامِ حَتَّى تَنْصُرَكُمْ وَالْمَلِكُ الْعَظِيمُ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ احترام وعظمة حتى تكون لها شفاعة. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٥ الى ٧]
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧)
— 139 —
لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ بَيَّنَ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَالْعَظَمَةُ تَتَبَيَّنُ بِهِمَا فَإِنَّ مَنْ يَمْلِكُ مَمَالِيكَ كَثِيرِينَ عُظَمَاءَ تَكُونُ لَهُ عَظَمَةٌ، ثُمَّ إِذَا كَانَ أَمْرُهُ نَافِذًا فِيهِمْ يَزْدَادُ فِي أَعْيُنِ الْخَلْقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَاذُ أَمْرٍ يَنْقُصُ مِنْ عَظَمَتِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَمْرَهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى عِبَادِهِ وَتَعْرُجُ إِلَيْهِ أَعْمَالُهُمُ الصَّالِحَةُ الصَّادِرَةُ عَلَى مُوَافَقَةِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ أَثَرُ الْأَمْرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ نُزُولَ الْأَمْرِ وَعُرُوجَ الْعَمَلِ فِي مَسَافَةِ أَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وَهُوَ فِي يَوْمٍ فَإِنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ فَيَنْزِلُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَيَعْرُجُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَهُوَ مِقْدَارُ أَلْفِ سَنَةٍ ثَانِيهَا: هُوَ أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى امْتِدَادِ نَفَاذِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ نَفَذَ أَمْرُهُ غَايَةَ النَّفَاذِ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَانْقَطَعَ لَا يَكُونُ مِثْلَ مَنْ يَنْفُذُ أَمْرُهُ فِي سِنِينَ مُتَطَاوِلَةٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ يَعْنِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فِي زَمَانٍ يَوْمٌ مِنْهُ أَلْفُ سَنَةٍ، فَكَمْ يَكُونُ شَهْرٌ مِنْهُ، وَكَمْ تَكُونُ سَنَةٌ مِنْهُ، وَكَمْ يَكُونُ دَهْرٌ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قوله مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤] لِأَنَّ تِلْكَ إِذَا كَانَتْ إِشَارَةً إِلَى دَوَامِ نَفَاذِ الْأَمْرِ، فَسَوَاءٌ يُعَبَّرُ بِالْأَلْفِ أَوْ بِالْخَمْسِينَ أَلْفًا لَا يَتَفَاوَتُ إِلَّا أَنَّ الْمُبَالَغَةَ تَكُونُ في الخمسين أكثر وتبين فَائِدَتَهَا فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَفِي هَذِهِ لَطِيفَةٌ) وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَالَمَ الْأَجْسَامِ وَالْخَلْقِ، وَأَشَارَ إِلَى عَظَمَةِ الْمَلِكِ، وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَالَمَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ وَالرُّوحُ من عالم الأمر كما قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[الْإِسْرَاءِ: ٨٥] وَأَشَارَ إِلَى دَوَامِهِ بِلَفْظٍ يُوهِمُ الزَّمَانَ وَالْمُرَادُ دَوَامُ الْبَقَاءِ كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ طَالَ زَمَانُ فُلَانٍ وَالزَّمَانُ لَا يَطُولُ، وَإِنَّمَا الْوَاقِعُ فِي الزَّمَانِ يَمْتَدُّ فَيُوجَدُ فِي أَزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ فَيَطُولُ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ أَزْمِنَةً كَثِيرَةً، فَأَشَارَ هُنَاكَ إِلَى عَظَمَةِ الْمُلْكِ بِالْمَكَانِ وَأَشَارَ إِلَى دوامه هاهنا بِالزَّمَانِ فَالْمَكَانُ مِنْ خَلْقِهِ وَمُلْكِهِ وَالزَّمَانُ بِحُكْمِهِ وَأَمْرِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ:
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فِي يَوْمٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ فِي يَوْمٍ وَالْيَوْمُ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ فَيَكُونُ أَمْرُهُ فِي زَمَانٍ حَادِثٍ فَيَكُونُ حَادِثًا وَبَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى يَقُولُ بِأَنَّ أَمْرَهُ قَدِيمٌ حَتَّى الْحُرُوفِ، وَكَلِمَةِ كُنْ فَكَيْفَ فُهِمَ مِنْ كَلِمَةِ عَلَى كَوْنُهُ فِي مَكَانٍ، وَلَمْ يُفْهَمُ مِنْ كَلِمَةٍ فِي كَوْنُ أَمْرِهِ فِي زَمَانٍ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْمَلِكَ الْعَظِيمَ النَّافِذَ الْأَمْرِ غَيْرُ غَافِلٍ، فَإِنَّ الْمَلِكَ إِذَا كَانَ آمِرًا نَاهِيًا يُطَاعُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَلَكِنْ يَكُونُ/ غَافِلًا لَا يَكُونُ مَهِيبًا عَظِيمًا كَمَا يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ خَبِيرًا يَقِظًا لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أُمُورُ الْمَمَالِكِ وَالْمَمَالِيكِ فَقَالَ: ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَلَمَّا ذَكَرَ مِنْ قَبْلُ عَالَمَ الْأَشْبَاحِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَ السَّماواتِ [السجدة: ٤] وَعَالَمَ الْأَرْوَاحِ بِقَوْلِهِ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: عالِمُ الْغَيْبِ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْوَاحِ وَالشَّهادَةِ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَجْسَامِ أَوْ نَقُولُ قَالَ: عالِمُ الْغَيْبِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وَالشَّهادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وُجِدَ وَكَانَ وَقَدَّمَ الْعِلْمَ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ أَقْوَى وَأَشَدُّ إِنْبَاءٍ عَنْ كَمَالِ الْعِلْمِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ عَالِمٌ ذَكَرَ أَنَّهُ عَزِيزٌ قَادِرٌ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنَ الْكَفَرَةِ رَحِيمٌ وَاسِعُ الرَّحْمَةُ عَلَى الْبَرَرَةِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ لَمَّا بَيَّنَ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ مِنَ الْآفَاقِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما وَأَتَمَّهُ بِتَوَابِعِهِ وَمُكَمِّلَاتِهِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْفُسِ بِقَوْلِهِ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ يَعْنِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ
— 140 —
وبين أن الذي بين السموات وَالْأَرْضِ خَلَقَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى الْأَشْيَاءِ رَأَيْتَهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي صَلَابَةُ الْأَرْضِ لِلنَّبَاتِ وَسَلَاسَةُ «١» الْهَوَاءِ لِلِاسْتِنْشَاقِ وَقَبُولُ الِانْشِقَاقِ لِسُهُولَةِ الِاسْتِطْرَاقِ وَسَيَلَانُ الْمَاءِ لِنَقْدِرَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَحَرَكَةُ النَّارِ إِلَى فَوْقُ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِثْلَ الْمَاءِ تَتَحَرَّكُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً لَاحْتَرَقَ الْعَالَمُ فَخُلِقَتْ طَالِبَةً لِجِهَةِ فَوْقٍ حَيْثُ لَا شَيْءَ هُنَاكَ يَقْبَلُ الِاحْتِرَاقَ وَقَوْلُهُ: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ قِيلَ الْمُرَادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ خُلِقَ مَنْ طِينٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الطِّينَ مَاءٌ وَتُرَابٌ مُجْتَمِعَانِ وَالْآدَمِيُّ أَصْلُهُ مَنِيٌّ وَالْمَنِيُّ أَصْلُهُ غِذَاءٌ، وَالْأَغْذِيَةُ إِمَّا حَيَوَانِيَّةٌ، وَإِمَّا نَبَاتِيَّةٌ، وَالْحَيَوَانِيَّةُ بِالْآخِرَةِ تَرْجِعُ إِلَى النَّبَاتِيَّةِ وَالنَّبَاتُ وُجُودُهُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ الَّذِي هو طين.
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٨ الى ٩]
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (٩)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ آدَمَ كَانَ مِنْ طِينٍ وَنَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ هُوَ النُّطْفَةُ، وَعَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي هُوَ أَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ سُلَالَةٌ هي من ما مَهِينٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ التَّفْسِيرُ الثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ: بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ... ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَعْلَ النَّسْلِ بَعْدَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ فَنَقُولُ لَا بَلِ التَّفْسِيرُ الثَّانِي أَقْرَبُ إِلَى التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ فَإِنَّهُ تَعَالَى بَدَأَ بِذِكْرِ الْأَمْرِ مِنَ الِابْتِدَاءِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَقَالَ بَدَأَهُ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَهُ سُلَالَةً ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ/ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ عَائِدٌ إِلَى آدَمَ أَيْضًا لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ جَعْلِ النَّسْلِ مِنْ سُلَالَةٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، وَاعْلَمْ أَنَّ دَلَائِلَ الْآفَاقِ أَدَلُّ عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ [غَافِرٍ: ٥٧] وَدَلَائِلُ الْأَنْفُسِ أَدَلُّ عَلَى نَفَاذِ الْإِرَادَةِ فَإِنَّ التَّغَيُّرَاتِ فِيهَا كَثِيرَةٌ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ... ثُمَّ سَوَّاهُ أَيْ كَانَ طِينًا فَجَعَلَهُ مَنِيًّا ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ إِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَى نَفْسِهِ كَإِضَافَةِ الْبَيْتِ إِلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصَارَى يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَقُولُونَ بِأَنَّ عِيسَى كَانَ رُوحَ اللَّهِ فَهُوَ ابْنٌ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ رُوحُهُ رُوحُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أَيِ الرُّوحِ الَّتِي هِيَ مِلْكُهُ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ دَارِي وَعَبْدِي، وَلَمْ يَقُلْ أَعْطَاهُ مِنْ جِسْمِهِ لِأَنَّ الشَّرَفَ بِالرُّوحِ فَأَضَافَ الرُّوحَ دُونَ الْجِسْمِ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى نَفْخِ الرُّوحِ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ فَقَالَ تَعَالَى:
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ وَجَعَلَ لَكُمُ مُخَاطِبًا وَلَمْ يُخَاطِبْ مِنْ قَبْلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَكُونُ مَعَ الْحَيِّ فَلَمَّا قَالَ: وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ خَاطَبَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَقَالَ جَعَلَ لَكُمُ، فَإِنْ قِيلَ الْخِطَابُ وَاقِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [الرُّومِ: ٢٠] فَنَقُولُ هُنَاكَ لَمْ يَذْكُرِ الْأُمُورَ الْمُرَتَّبَةَ وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى تَمَامِ الْخَلْقِ، وَهَاهُنَا ذَكَرَ الْأُمُورَ الْمُرَتَّبَةَ وَهِيَ كَوْنُ الْإِنْسَانِ طِينًا ثُمَّ مَاءً مَهِينًا ثُمَّ خَلْقًا مُسَوًّى بِأَنْوَاعِ الْقُوَى مُقَوًّى فَخَاطَبَ فِي بَعْضِ الْمَرَاتِبِ دُونَ الْبَعْضِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: التَّرْتِيبُ فِي السَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَذَلِكَ لأن الإنسان يسمع
(١) في الطبعة الأميرية «وسلالة الهواء»، وهي فيما أظن محرفة عما أثبته لأن السلاسة للهواء أنسب.
أَوَّلًا مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوِ النَّاسِ أُمُورًا فَيَفْهَمُهَا ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَصِيرَةٌ فَيُبْصِرُ الأمور ويجريها ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إِدْرَاكٌ تَامٌّ وَذِهْنٌ كَامِلٌ فَيَسْتَخْرِجُ الْأَشْيَاءَ مِنْ قِبَلِهِ وَمِثَالُهُ شَخْصٌ يَسْمَعُ مِنْ أُسْتَاذٍ شَيْئًا ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أَهْلِيَّةُ مُطَالَعَةِ الْكُتُبِ وَفَهْمِ مَعَانِيهَا، ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّصْنِيفِ فَيَكْتُبُ مِنْ قَلْبِهِ كِتَابًا، فَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ يَسْمَعُ ثُمَّ يُطَالِعُ صَحَائِفَ الْمَوْجُودَاتِ ثُمَّ يَعْلَمُ الْأُمُورَ الْخَفِيَّةَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ذَكَرَ فِي السَّمْعِ الْمَصْدَرَ وَفِي الْبَصَرِ وَالْفُؤَادِ الِاسْمَ، وَلِهَذَا جَمَعَ الْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ وَلَمْ يَجْمَعِ السَّمْعَ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُجْمَعُ وَذَلِكَ لِحِكْمَةٍ وَهُوَ أَنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَهَا فِعْلٌ/ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضْبِطُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ كَلَامَيْنِ، وَالْأُذُنُ مَحَلُّهُ وَلَا اخْتِيَارَ لَهَا فِيهِ فَإِنَّ الصَّوْتَ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ يَصِلُ إِلَيْهِ وَلَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى تَخْصِيصِ الْقُوَّةِ بِإِدْرَاكِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَأَمَّا الْإِبْصَارُ فَمَحَلُّهُ الْعَيْنُ وَلَهَا فِيهِ شِبْهُ اخْتِيَارٍ فَإِنَّهَا تَتَحَرَّكُ إِلَى جَانِبٍ مَرْئِيٍّ دُونَ آخَرَ وَكَذَلِكَ الْفُؤَادُ مَحَلُّ الْإِدْرَاكِ وَلَهُ نَوْعُ اخْتِيَارٍ يَلْتَفِتُ إِلَى مَا يُرِيدُ دُونَ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحَلِّ فِي السَّمْعِ تَأْثِيرٌ وَالْقُوَّةُ مُسْتَبِدَّةٌ، فَذَكَرَ الْقُوَّةَ فِي الْأُذُنِ وَفِي الْعَيْنِ وَالْفُؤَادُ لِلْمَحَلِّ نَوْعُ اخْتِيَارٍ، فَذَكَرَ الْمَحَلَّ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُسْنَدُ إِلَى الْمُخْتَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَمِعَ زَيْدٌ وَرَأَى عَمْرٌو وَلَا تَقُولُ سَمِعَ أُذُنُ زَيْدٍ وَلَا رَأَى عَيْنُ عَمْرٍو إِلَّا نَادِرًا، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ الْأَصْلُ وَغَيْرُهُ آلَتُهُ، فَالسَّمْعُ أَصْلٌ دُونَ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ لَهُ، وَالْعَيْنُ كَالْأَصْلِ وَقُوَّةُ الْإِبْصَارِ آلَتُهَا وَالْفُؤَادُ كَذَلِكَ وَقُوَّةُ الْفَهْمِ آلَتُهُ، فَذَكَرَ فِي السَّمْعِ الْمَصْدَرَ الَّذِي هُوَ الْقُوَّةُ وَفِي الْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ الِاسْمَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْقُوَّةِ وَلِأَنَّ السَّمْعَ لَهُ قُوَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَهَا فِعْلٌ وَاحِدٌ وَلِهَذَا لَا يَسْمَعُ الْإِنْسَانُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ كَلَامَيْنِ عَلَى وَجْهٍ يَضْبِطُهُمَا وَيُدْرِكُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ صُورَتَيْنِ وَأَكْثَرَ وَيَسْتَبِينُهُمَا.
الْمَسْأَلَةُ الرابعة: لم قدم السمع هاهنا وَالْقَلْبَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [الْبَقَرَةِ: ٧] فَنَقُولُ ذَلِكَ يُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ ذَكَرَ الْأَدْنَى وَارْتَقَى إِلَى الْأَعْلَى فَقَالَ أَعْطَاكُمُ السَّمْعَ ثُمَّ أَعْطَاكُمْ مَا هُوَ أَشْرَفُ مِنْهُ وَهُوَ الْقَلْبُ وَعِنْدَ السَّلْبِ قَالَ لَيْسَ لَهُمْ قَلْبٌ يُدْرِكُونَ بِهِ وَلَا مَا هُوَ دُونَهُ وَهُوَ السَّمْعُ الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَفْهَمُ الْحَقَائِقَ وَيَسْتَخْرِجُهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ مَا هُوَ السَّبَبُ فِي تَأْخِيرِ الْأَبْصَارِ مَعَ أَنَّهَا فِي الْوَسَطِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّرْتِيبِ وَهُوَ أَنَّ الْقَلْبَ وَالسَّمْعَ سَلَبَ قُوَّتَهُمَا بِالطَّبْعِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَسَلَبَ قُوَّةَ الْبَصَرِ بِجَعْلِ الْغِشَاوَةِ عَلَيْهِ فذكرها متأخرة.
[سورة السجده (٣٢) : آية ١٠]
وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠)
لما قال: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [السجدة: ٩] بَيَّنَ عَدَمَ شُكْرِهِمْ بِإِتْيَانِهِمْ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَإِنْكَارُ قُدْرَتِهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، فِي كَلَامِهِ الْقَدِيمِ، كُلَّمَا ذَكَرَ أَصْلَيْنِ مِنَ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَتْرُكِ الْأَصْلَ الثَّالِثَ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الرِّسَالَةَ بقوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ إِلَى قَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [السجدة: ٢، ٣] الوحدانية بقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ إلى قوله: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [السجدة: ٤، ٩] ذَكَرَ الْأَصْلَ الثَّالِثَ وَهُوَ الْحَشْرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ وَاللَّهُ لَيْسَ بِوَاحِدٍ وَقَالُوا الْحَشْرُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ فِي الرِّسَالَةِ أَمْ يَقُولُونَ [يونس: ٣٨] بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ وَقَالَ فِي تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ فِي الْحَشْرِ، وَقالُوا بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَكْذِيبَهُمْ إِيَّاهُ فِي رِسَالَتِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ
وُجُودِهِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَالَةَ وُجُودِهِ فَقَالَ يَقُولُونَ يَعْنِي هُمْ فِيهِ، وَأَمَّا إِنْكَارُهُمْ لِلْحَشْرِ كَانَ سَابِقًا صَادِرًا مِنْهُمْ وَمِنْ آبَائِهِمْ فَقَالَ وَقالُوا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ حَيْثُ قَالَ: أَمْ يَقُولُونَ وفي الحشر حيث قال:
وَقالُوا أَإِذا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُصِرِّينَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى إِنْكَارِ الْحَشْرِ وَالرَّسُولِ، وَأَمَّا الْوَحْدَانِيَّةُ فَكَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِهَا فِي الْمَعْنَى، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ: ٢٥] فَلَمْ يَقُلْ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِوَاحِدٍ وَإِنْ كَانُوا قَالُوهُ فِي الظَّاهِرِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَمَّا ذَكَرَ الرِّسَالَةَ ذَكَرَ مِنْ قَبْلُ دَلِيلَهَا وَهُوَ التَّنْزِيلُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَمَّا ذكر الوحدانية ذكر دليلها وهو خلق السموات وَالْأَرْضِ وَخَلْقُ الْإِنْسَانِ مَنْ طِينٍ، وَلَمَّا ذَكَرَ إِنْكَارَهُمُ الْحَشْرَ لَمْ يَذْكُرِ الدَّلِيلَ، نَقُولُ فِي الْجَوَابِ: ذَكَرَ دَلِيلَهُ أَيْضًا وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ ابْتِدَاءً دَلِيلٌ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَتِهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلَى إِمْكَانِ الْحَشْرِ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ: ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الرُّومِ: ٢٧] وَقَوْلُهُ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩] وكذلك خلق السموات كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى [يس: ٨١، ٨٢].
وقوله تعالى: أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي أإنا كَائِنُونَ فِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَوْ وَاقِعُونَ فِيهِ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ إِضْرَابٌ عَنِ الْأَوَّلِ يَعْنِي لَيْسَ إِنْكَارُهُمْ لِمُجَرَّدِ الْخَلْقِ ثَانِيًا بَلْ يَكْفُرُونَ بِجَمِيعِ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ حَتَّى لَوْ صَدَّقُوا بِالْخَلْقِ الثَّانِي لَمَّا اعْتَرَفُوا بِالْعَذَابِ وَالثَّوَابِ، أَوْ نَقُولُ مَعْنَاهُ لَمْ يُنْكِرُوا الْبَعْثَ لِنَفْسِهِ بَلْ لِكُفْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ فَأَنْكَرُوا الْمُفْضِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْمَوْتِ إلى العذاب. فقال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ١١]
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)
يَعْنِي لَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ مِنَ الْحَيَاةِ بَعْدَهُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَقَوْلُهُ: الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَغْفُلُ عَنْكُمْ وَإِذَا جَاءَ أَجَلُكُمْ لَا يُؤَخِّرُكُمْ إِذْ لَا شُغْلَ لَهُ إِلَّا هَذَا وَقَوْلُهُ: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ يُنْبِئُ عَنْ بَقَاءِ الْأَرْوَاحِ فَإِنَّ التَّوَفِّيَ الِاسْتِيفَاءُ وَالْقَبْضَ هُوَ الْأَخْذُ وَالْإِعْدَامُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِأَخْذٍ، ثُمَّ إِنَّ الرُّوحَ الزَّكِيَّ الطَّاهِرَ يَبْقَى عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ مِثْلَ الشَّخْصِ بَيْنَ أَهْلِهِ/ الْمُنَاسِبِينَ لَهُ وَالْخَبِيثَ الْفَاجِرَ يَبْقَى عِنْدَهُمْ كَأَسِيرٍ بَيْنَ قَوْمٍ لَا يَعْرِفُهُمْ وَلَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمْ، وَالْأَوَّلُ يَنْمُو وَيَزِيدُ وَيَزْدَادُ صَفَاؤُهُ وَقُوَّتُهُ وَالْآخَرُ يَذْبُلُ وَيَضْعُفُ وَيَزْدَادُ شَقَاؤُهُ وَكُدُورَتُهُ، وَالْحُكَمَاءُ يَقُولُونَ إِنَّ الْأَرْوَاحَ الطَّاهِرَةَ تَتَعَلَّقُ بِجِسْمٍ سَمَاوِيٍّ خَيْرٌ مِنْ بَدَنِهَا وَتَكْمُلُ بِهِ، وَالْأَرْوَاحَ الْفَاجِرَةَ لَا كَمَالَ لَهَا بَعْدَ التَّعَلُّقِ الثَّانِي فَإِنْ أَرَادُوا مَا ذُكِرَ بِهَا فَقَدْ وَافَقُونَا وَإِلَّا فَيُغَيَّرُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِمْ فَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُمْ حَقًّا وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ حَقٍّ، فَإِنْ قِيلَ هُمْ أَنْكَرُوا الْإِحْيَاءَ وَاللَّهُ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَبَيْنَهُمَا مُبَايَنَةٌ نَقُولُ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْإِحْيَاءِ وَدَفَعَ اسْتِبْعَادَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: مَا عُدِمَ بِالْكُلِّيَّةِ كَيْفَ يَكُونُ الْمَوْجُودُ عَيْنَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: الْمَلَكُ يَقْبِضُ الرُّوحَ وَالْأَجْزَاءُ تَتَفَرَّقُ فَجَمْعُ الْأَجْزَاءِ لَا بُعْدَ فِيهِ، وَأَمْرُ الْمَلَكِ بِرَدِّ مَا قَبَضَهُ لَا صُعُوبَةَ فِيهِ أَيْضًا، فَقَوْلُهُ: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ أَيِ الْأَرْوَاحُ مَعْلُومَةٌ فترد إلى أجسادها. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ١٢]
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُرْجَعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ بَيَّنَ مَا يَكُونُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ بقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ يَعْنِي لَوْ تَرَى حَالَهُمْ وَتُشَاهِدُ اسْتِخْجَالَهُمْ لَتَرَى عَجَبًا، وَقَوْلُهُ: تَرى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مع الرسول صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ تَشَفِّيًا لِصَدْرِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْذُونَهُ بِالتَّكْذِيبِ، ويحتمل أن يكون عاما مع كل أحدكما يَقُولُ الْقَائِلُ إِنَّ فُلَانًا كَرِيمٌ إِنْ خَدَمْتَهُ وَلَوْ لَحْظَةً يُحْسِنُ إِلَيْكَ طُولَ عُمُرِكَ وَلَا يُرِيدُ بِهِ خَاصًّا، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ لِبَيَانِ شِدَّةِ الْخَجَالَةِ لِأَنَّ الرَّبَّ إِذَا أَسَاءَ إِلَيْهِ الْمَرْبُوبُ، ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَكُونُ فِي غَايَةِ الْخَجَالَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا يَعْنِي يَقُولُونَ أَوْ قَائِلِينَ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَحَذَفَ يَقُولُونَ إِشَارَةً إِلَى غَايَةِ خَجَالَتِهِمْ لِأَنَّ الْخَجِلَ الْعَظِيمَ الْخَجَالَةِ لَا يَتَكَلَّمُ، وَقَوْلُهُ: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أَيْ أَبْصَرْنَا الْحَشْرَ وَسَمِعْنَا قَوْلَ الرَّسُولِ فَارْجِعْنَا إِلَى دَارِ الدُّنْيَا لِنَعْمَلَ صَالِحًا، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّا مُوقِنُونَ مَعْنَاهُ إِنَّا فِي الْحَالِ آمَنَّا وَلَكِنَّ النَّافِعَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ التَّكْلِيفِ بِهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا فَارْجِعْنَا لِلْعَمَلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْإِيمَانَ لَا يُقْبَلُ فِي الْآخِرَةِ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَوْ نَقُولُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الشِّرْكَ كَمَا قَالُوا:
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الَّذِي جَرَى عَلَيْنَا مَا جَرَى إِلَّا بِسَبَبِ تَرْكِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَأَمَّا الإيمان فإنا موقنون وما أشركنا.
ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ١٣]
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)
جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا [السجدة: ١٢] وَبَيَانُهُ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنِّي لَوْ أَرْجَعْتُكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ لَهَدَيْتُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَمَّا لَمْ أَهْدِكُمْ تَبَيَّنَ أَنِّي مَا أَرَدْتُ وَمَا شِئْتُ إِيمَانَكُمْ فَلَا أَرُدُّكُمْ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَذْهَبَنَا صَحِيحٌ حَيْثُ نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ مَا أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنَ الْكَافِرِ وَمَا شَاءَ مِنْهُ إِلَّا الْكُفْرَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ أَيْ وَقَعَ الْقَوْلُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ [ص: ٨٥] هَذَا مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ وَلَهُ وَجْهٌ فِي الْعَقْلِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا خَالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ قَصَدَ الْفِعْلَ لِلْحِكْمَةِ أَوْ فَعَلَ الْفِعْلَ وَلَزِمَتْهُ الْحِكْمَةُ لَا بِحَيْثُ تَحْمِلُهُ تِلْكَ الْحِكْمَةُ عَلَى الْفِعْلِ؟ وَإِذَا عُلِمَ أَنْ فِعْلَهُ لَا يَخْلُو عَنِ الْحِكْمَةِ فَقَالَ الْحُكَمَاءُ حِكْمَةُ أَفْعَالِهِ بِأَمْرِهَا لَا تُدْرَكُ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ لَكِنْ تُدْرِكُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، فَكُلُّ ضَرْبٍ يَكُونُ فِي الْعَالَمِ وَفَسَادٍ فَحِكْمَتُهُ تَخْرُجُ مِنْ تَقْسِيمٍ عَقْلِيٍّ وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مَحْضًا أَوْ شَرًّا مَحْضًا أَوْ خَيْرًا مَشُوبًا بِشَرٍّ وَهَذَا الْقِسْمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ خَيْرُهُ غَالِبٌ وَقِسْمٌ شَرُّهُ غَالِبٌ وَقِسْمٌ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِثْلَانِ، إِذَا عُلِمَ هَذَا فَخَلَقَ اللَّهُ عَالَمًا فِيهِ الْخَيْرُ الْمَحْضُ وَهُوَ عَالَمُ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ وَخَلَقَ عَالَمًا فِيهِ خَيْرٌ وَشَرٌّ وَهُوَ عَالَمُنَا وَهُوَ الْعَالَمُ السُّفْلِيُّ وَلَمْ يَخْلُقْ عَالَمًا فِيهِ شَرٌّ مَحْضٌ، ثُمَّ إِنَّ الْعَالَمَ السُّفْلِيَّ الَّذِي هُوَ عَالَمُنَا، وَإِنْ كَانَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَوْجُودَيْنِ فِيهِ لَكِنَّهُ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي خَيْرُهُ غَالِبٌ، فَإِنَّكَ إِذَا قَابَلْتَ الْمَنَافِعَ بِالْمَضَارِّ وَالنَّافِعَ بِالضَّارِّ، تَجِدُ الْمَنَافِعَ أَكْثَرَ، وَإِذَا قَابَلْتَ الشِّرِّيرَ بِالْخَيِّرِ تَجِدُ الْخَيِّرَ أَكْثَرَ، وَكَيْفَ لَا وَالْمُؤْمِنُ يُقَابِلُهُ الْكَافِرُ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهِ شَرٌّ أَصْلًا مِنْ أَوَّلِ عُمُرِهِ إِلَى آخِرِهِ كَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَالْأَوْلِيَاءُ، وَالْكَافِرُ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ
أَصْلًا غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْكُفْرَ يُحْبِطُ خَيْرَهُ وَلَا يَنْفَعُهُ، إِنَّمَا يَسْتَحِيلُ نَظَرًا إِلَى الْعَادَةِ أَنْ يُوجَدَ كَافِرٌ لَا يَسْقِي الْعَطْشَانَ شَرْبَةَ مَاءٍ وَلَا يُطْعِمُ الْجَائِعَ لُقْمَةَ خُبْزٍ وَلَا يَذْكُرُ رَبَّهُ فِي عُمُرِهِ، وَكَيْفَ لَا وَهُوَ فِي زَمَنِ صِبَاهُ كَانَ مَخْلُوقًا عَلَى الْفِطْرَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْخَيْرَاتِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ قَالُوا: لَوْلَا الشَّرُّ فِي هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَتْ مَخْلُوقَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مُنْحَصِرَةً فِي الْخَيْرِ الْمَحْضِ وَلَا يَكُونُ قَدْ خَلَقَ الْقِسْمَ الَّذِي فِيهِ الْخَيْرُ الْغَالِبُ وَالشَّرُّ الْقَلِيلُ ثُمَّ إِنَّ تَرْكَ خَلْقِ هَذَا الْقِسْمِ إِنْ كَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرِّ فَتَرْكُ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِأَجْلِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ لَا يُنَاسِبُ الْحِكْمَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّاجِرَ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ دِرْهَمٌ بِدِينَارٍ، فَلَوِ امْتَنَعَ وَقَالَ فِي هَذَا شَرٌّ وَهُوَ زَوَالُ الدِّرْهَمِ عَنْ مِلْكِي فَيُقَالُ لَهُ لَكِنَّ فِي مُقَابَلَتِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَهُوَ حُصُولُ الدِّينَارِ فِي مِلْكِكَ وَكَذَلِكَ/ الْإِنْسَانُ لَوْ تَرَكَ الْحَرَكَةَ الْيَسِيرَةَ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ رَاحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ يُنْسَبُ إِلَى مُخَالَفَةِ الْحِكْمَةِ فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْحِكْمَةِ كَانَ وُقُوعُ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ الْمَشُوبِ بِالشَّرِّ الْقَلِيلِ مِنَ اللُّطْفِ فَخَلَقَ الْعَالَمَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الشَّرُّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَوَابِهِمْ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] أَيْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ يُنَاسِبُ الْحِكْمَةَ لِأَنَّ الْخَيْرَ فِيهِ كَثِيرٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ خَيْرَهُ بِالتَّعْلِيمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [الْبَقَرَةِ: ٣١] يَعْنِي أَيُّهَا الْمَلَائِكَةُ خَلْقُ الشَّرِّ الْمَحْضِ وَالشَّرِّ الْغَالِبِ وَالشَّرِّ الْمُسَاوِي لَا يُنَاسِبُ الْحِكْمَةَ. وَأَمَّا الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الْمَشُوبُ بِالشَّرِّ الْقَلِيلِ مُنَاسِبٌ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها إِشَارَةٌ إِلَى الشَّرِّ، وَأَجَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ بِقَوْلِهِ:
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى تَخْلِيصِ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ الشَّرِّ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ شَرٌّ فَيُقَالُ لَهُ مَا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها يَعْنِي لَوْ شِئْنَا لَخَلَّصْنَا الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، لَكِنَّ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ الْمَشُوبَ بِالشَّرِّ الْقَلِيلِ وَهُوَ قِسْمٌ مَعْقُولٌ، فَمَا كَانَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِلشَّرِّ الْقَلِيلِ وَهُوَ لَا يُنَاسِبُ الْحِكْمَةَ، لِأَنَّ تَرْكَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِلشَّرِّ الْقَلِيلِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْحِكْمَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا كَذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مَنْ خَلْقِهِ فَيَخْلُقُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ، وَهَذَا الْكَلَامُ يُعَبِّرُ عَنْهُ مَنْ يَقُولُ بِرِعَايَةِ الْمَصَالِحِ إِنَّ الْخَيْرَ فِي الْقَضَاءِ وَالشَّرَّ فِي الْقَدَرِ، فَاللَّهُ قَضَى بِالْخَيْرِ وَوَقَعَ الشَّرُّ فِي الْقَدَرِ بِفِعْلِهِ الْمُنَزَّهِ عَنِ الْقُبْحِ وَالْجَهْلِ، وَقَوْلُهُ: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِإِبْلِيسَ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ [ص: ٨٥] وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّارَ لِمَنْ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَالَّذِينَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ مُبَرَّءُونَ عَنْ دُخُولِ النَّارِ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَوْلُهُ: أَجْمَعِينَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا، أَيْ مَجْمُوعِينَ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَعَلَ جَمِيعَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِمَّا يَمْلَأُ بِهِمُ النَّارَ؟ نَقُولُ هَذَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيْ جَهَنَّمُ تُمْلَأُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَا غَيْرَ أَمْنًا لِلْمَلَائِكَةِ، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ دُخُولُ الْكُلِّ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ مَلَأْتُ الْكِيسَ مِنَ الدَّرَاهِمِ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَبْقَى دِرْهَمٌ خَارِجَ الْكِيسِ، فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ ضَيِّقَةً تَمْتَلِئُ بِبَعْضِ الْخَلْقِ نَقُولُ هُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْوَاسِعُ الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا أَنَّهُمْ لَا رُجُوعَ لَهُمْ قَالَ لَهُمْ إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا رُجُوعَ لكم.
[سورة السجده (٣٢) : آية ١٤]
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ لقاء يحتمل أن يكون منصوبا بذوقوا، أَيْ ذُوقُوا لِقَاءَ يَوْمِكُمْ بِمَا نَسِيتُمْ، وَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ هُوَ الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] أَوْ بِمَا فِي الْفِطْرَةِ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ فَيُنْسَى بِالْإِقْبَالِ عَلَى الدُّنْيَا وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِقَوْلِهِ: نَسِيتُمْ أَيْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ هَذَا الْيَوْمِ ذُوقُوا، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ النِّسْيَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَعْلُومِ أَوَّلًا إِذَا جُهِلَ آخِرًا نَقُولُ لَمَّا ظَهَرَتْ بَرَاهِينُهُ فَكَأَنَّهُ ظَهَرَ وَعُلِمَ، وَلَمَّا تَرَكُوهُ بَعْدَ الظُّهُورِ ذُكِرَ بِلَفْظِ النِّسْيَانِ إِشَارَةً إِلَى كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَمَنْ يُنْكِرُ أَمْرًا كَانَ قَدْ عَلِمَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: هَذَا يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى الْيَوْمِ، أَيْ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ هَذَا الْيَوْمِ وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى لِقَاءِ الْيَوْمِ، أَيْ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ هَذَا اللِّقَاءَ وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى الْعَذَابِ، أَيْ فَذُوقُوا هَذَا الْعَذَابَ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ، ثُمَّ قَالَ إِنَّا نَسِينَاكُمْ، أَيْ تَرَكْنَاكُمْ بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إِلَيْكُمْ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسِي قَطْعًا لِرَجَائِكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ إِيَّاهُمْ كَمَا يَتْرُكُ النَّاسِي وَهُوَ خُلُودُ الْعَذَابِ، لِأَنَّ مَنْ لَا يُخَلِّصُهُ اللَّهُ فَلَا خَلَاصَ لَهُ، فَقَالَ: وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ١٥]
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)
إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْآيَاتِ كَالْحَاصِلِ، وَإِنَّمَا يَنْسَاهُ الْبَعْضُ فَإِذَا ذُكِّرَ بِهَا خَرَّ سَاجِدًا لَهُ، يَعْنِي انْقَادَتْ أَعْضَاؤُهُ لَهُ، وَسَبَّحَ بِحَمْدِهِ، يَعْنِي وَيُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، يَعْنِي وَكَانَ قَلْبُهُ خَاشِعًا لَا يَتَكَبَّرُ وَمَنْ لَا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ فهو المؤمن حقا. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ١٦]
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)
يَعْنِي بِاللَّيْلِ قَلِيلًا مَا يَهْجَعُونَ وَقَوْلُهُ: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أَيْ يُصَلُّونَ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ وَالصَّلَاةَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فِي الْمَعْنَى أَوْ يَطْلُبُونَهُ وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأَوَّلَ لِأَنَّ الطَّلَبَ قَدْ يَكُونُ بِالصَّلَاةِ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى/ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَفِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الزَّكَاةُ ذُكِرَ الصَّلَاةُ قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [الْبَقَرَةِ: ٣] وَقَوْلُهُ: خَوْفاً وَطَمَعاً يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، أَيْ خَائِفِينَ طَامِعِينَ كَقَوْلِكَ جَاءُونِي زُوَّرًا أَيْ زَائِرِينَ، وَكَأَنَّ فِي الْآيَةِ الْأُولَى إِشَارَةً إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْعَالِيَةِ وَهِيَ الْعِبَادَةُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الْخَوْفِ وَالطَّمَعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا [السجدة: ١٥] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ يُوجَدُ مِنْهُمُ السُّجُودُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وَطَمَعٌ. وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرْتَبَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَهِيَ الْعِبَادَةُ خَوْفًا كَمَنْ يَخْدِمُ الْمَلِكَ الْجَبَّارَ مَخَافَةَ سَطْوَتِهِ أَوْ يَخْدِمُ الْمَلِكَ الْجَوَادَ طَمَعًا فِي بِرِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَكُونُ لهم جزاء فعلهم. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ١٧]
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)
يَعْنِي مِمَّا تَقَرُّ الْعَيْنُ عِنْدَهُ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ يُقَالُ إِنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي عَيْنِي، يَعْنِي عَيْنِي تَطَلَّعُ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ تَطَلُّعٌ لِلْعَيْنِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَبْقَ لِلْعَيْنٍ مَسْرَحٌ إِلَى غَيْرِهِ فَتَقَرُّ جَزَاءً بِحُكْمِ الْوَعْدِ، وَهَذَا فِيهِ لَطِيفَةٌ
وَهِيَ أَنَّ مِنَ الْعَبْدِ شَيْئًا وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَمِنَ اللَّهِ أَشْيَاءُ سَابِقَةٌ مِنَ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِهِمَا وَأَشْيَاءُ لَاحِقَةٌ مِنَ الثَّوَابِ وَالْإِكْرَامِ، فَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِحْسَانٌ، وَأَنَا أَحْسَنْتُ أَوَّلًا وَالْعَبْدُ أَحْسَنَ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَالثَّوَابُ تَفَضُّلٌ وَمِنْحَةٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ جَعَلْتُ الْأَوَّلَ تَفَضُّلًا لَا أَطْلُبُ عَلَيْهِ جَزَاءً، فَإِذَا أَتَى الْعَبْدُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنِّي أَبْرَأْتُهُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ فَكَانَ هُوَ آتِيًا بِالْحَسَنَةِ ابْتِدَاءً، وَجَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِحْسَانٌ، فَأَجْعَلُ الثَّوَابَ جَزَاءً كِلَاهُمَا جَائِزٌ، لَكِنَّ غَايَةَ الْكَرَمِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَوَّلَ هِبَةً وَيَجْعَلَ الثَّانِيَ مُقَابِلًا وَعِوَضًا لِأَنَّ الْعَبْدَ ضَعِيفٌ لَوْ قِيلَ لَهُ بِأَنَّ فِعْلَكَ جَزَاءٌ فَلَا تَسْتَحِقُّ جَزَاءً، وَإِنَّمَا اللَّهُ يَتَفَضَّلُ يَثِقُ وَلَكِنْ لَا يَطْمَئِنُ قَلْبُهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ الْأَوَّلُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْكَ وَالَّذِي أَتَيْتَ بِهِ أَنْتَ بِهِ بَادٍ وَلَكَ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ ثَوَابٍ يَثِقُ وَيَطْمَئِنُ ثُمَّ إِذَا عَرَفَ أَنَّ هَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فَالْوَاجِبُ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ فِعْلِي جَزَاءُ نِعَمِ اللَّهِ السَّابِقَةِ وَلَا أَسْتَحِقُّ بِهِ جَزَاءً، فَإِذَا أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ الَّذِي أَتَيْتُ بِهِ كَانَ جَزَاءً، وَهَذَا ابْتِدَاءُ إِحْسَانٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ حَمْدًا وَشُكْرًا فَيَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيَقُولُ اللَّهُ إِنِّي أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ جَزَاءَ فِعْلِهِ الْأَوَّلِ وَمَا فَعَلْتُ أَوَّلًا لَا أَطْلُبُ لَهُ جَزَاءً فَيُجَازِيهِ ثَالِثًا فَيَشْكُرُ الْعَبْدَ ثَالِثًا فَيُجَازِيهِ رَابِعًا وَعَلَى هَذَا لَا تَنْقَطِعُ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ، وَمِثْلُهُ فِي الشَّاهِدِ اثْنَانِ تَحَابَّا فَأَهْدَى أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ هَدِيَّةً وَنَسِيَهَا وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ يَتَذَكَّرُهَا فَأَهْدَى إِلَى الْمُهْدِي عِوَضًا فَرَآهُ الْمُهْدِي الْأَوَّلُ ابْتِدَاءً لِنِسْيَانِهِ مَا أَهْدَاهُ إِلَيْهِ فَجَازَاهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَالَ الْمُحِبُّ الْآخَرُ مَا أَهْدَيْتُهُ كَانَ جَزَاءً لِهَدِيَّتِهِ السَّابِقَةِ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ مَا عَوَّضْتُهَا فَيُعَوِّضُ وَيُعَوِّضُ/ عَنْهُ الْمُحِبُّ الْآخَرُ وَيَتَسَلْسَلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَنْقَطِعُ التَّهَادِي وَالتَّحَابُّ، بِخِلَافِ مَنْ أَرْسَلَ إِلَى وَاحِدٍ هَدِيَّةً وَهُوَ يَتَذَكَّرُهَا فَإِذَا بَعَثَ إِلَيْهِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ عِوَضًا يَقُولُ الْمُهْدِي هَذَا عِوْضُ مَا أَهْدَيْتُ إِلَيْهِ فَيَسْكُتُ وَيَتْرُكُ الْإِهْدَاءَ فَيَنْقَطِعُ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّكَالِيفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنِ ارْتَفَعَتْ لَكِنَّ الذِّكْرَ وَالشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ لَا تَرْتَفِعُ بَلِ الْعَبْدُ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ صَارَ حَالُهُ مِثْلَ حَالِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ قَالَ فِي حَقِّهِمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٠] غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِتَكْلِيفٍ بَلْ هِيَ بِمُقْتَضَى الطَّبْعِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِدَوَامِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ هَذَا وَكَيْفَ لَا وَخِدْمَةُ الْمُلُوكِ لَذَّةٌ وَشَرَفٌ فَلَا تُتْرَكُ وَإِنْ قَرُبَ الْعَبْدُ مِنْهُ بَلْ تَزْدَادُ لذتها. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)
لَمَّا بَيَّنَ حَالَ الْمُجْرِمِ وَالْمُؤْمِنِ قَالَ لِلْعَاقِلِ هَلْ يَسْتَوِي الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِاسْتِوَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقَالَ: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ أَحْسَنَ ابْتِدَاءً لَا لِعِوَضٍ فَلَمَّا آمَنَ الْعَبْدُ وَعَمِلَ صَالِحًا قَبِلَهُ مِنْهُ كَأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ فَجَازَاهُ بِأَنْ أَعْطَاهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: نُزُلًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ بَعْدَهَا أَشْيَاءَ لِأَنَّ النُّزُلَ مَا يُعْطِي الْمَلِكُ النَّازِلَ، وَقْتَ نُزُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ رَاتِبًا أَوْ يَكْتُبَ لَهُ خُبْزًا وَقَوْلُهُ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها إِشَارَةٌ إِلَى حَالِ الْكَافِرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِرَارًا أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَهُ مَعَ الْإِيمَانِ أَثَرٌ
آية رقم ٢١
أَمَّا الْكُفْرُ إِذَا جَاءَ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى الْأَعْمَالِ، فَلَمْ يَقُلْ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا وَعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ فَسَقُوا كَفَرُوا وَلَوْ جَعَلَ الْعِقَابَ فِي مُقَابَلَةِ الْكُفْرِ وَالْعَمَلِ، لَظُنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ الْكُفْرِ لَا عِقَابَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ (لَهُمْ) بِلَامِ التَّمْلِيكِ زِيَادَةُ إِكْرَامٍ لِأَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ اسْكُنْ هَذِهِ الدَّارَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى الْعَارِيَةِ وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ، وَإِذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَكَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى نِسْبَةِ الْمِلْكِيَّةِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ/ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ جَنَّاتٍ [البقرة: ٢٥] أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَسْكَنَ آدَمَ الْجَنَّةَ وَكَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنْهَا قَالَ: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الْبَقَرَةِ: ٣٥] وَلَمْ يَقُلْ لَكُمَا الْجَنَّةُ وَفِي الْآخِرَةِ لَمَّا لَمْ يكن للمؤمنين خروج عنها قال: لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:
١١١] ولَهُمْ جَنَّاتٍ وَقَوْلُهُ: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنًى حُكْمِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْلِمَ إِذَا تَمَكَّنَ وَالْأَلَمَ إِذَا امْتَدَّ لَمْ يَبْقَ بِهِ شُعُورٌ تَامٌّ وَلِهَذَا قَالَ الْأَطِبَّاءُ إِنَّ حَرَارَةَ حُمَّى الدَّقِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَرَارَةِ الْحُمَّى الْبَلْغَمِيَّةِ نِسْبَةُ النَّارِ إِلَى الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ، ثُمَّ إِنَّ الْمَدْقُوقَ لَا يُحِسُّ مِنَ الْحَرَارَةِ بِمَا يُحِسُّ بِهِ مَنْ بِهِ الْحُمَّى الْبَلْغَمِيَّةُ لِتَمَكُّنِ الدَّقِّ وَقُرْبِ الْعَهْدِ بِظُهُورِ حَرَارَةِ الْحُمَّى الْبَلْغَمِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي مَاءٍ بَارِدٍ يَتَأَلَّمُ مِنَ الْبَرْدِ، فَإِذَا صَبَرَ زَمَانًا طَوِيلًا تَثْلُجُ يَدُهُ وَيَبْطُلُ عَنْهُ ذَلِكَ الْأَلَمُ الشَّدِيدُ مَعَ فَسَادِ مِزَاجِهِ، إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِلَهَ لَا يَسْكُنُ عَنْهُمْ بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ حَالِ أَمْرٍ مُؤْلِمٍ يُجَدَّدُ وَقَوْلُهُ: ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يُقَرِّرُ مَا ذَكَرْنَا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ النَّارِ، فَلَمَّا ذَاقُوهُ كَانَ أَشَدَّ إِيلَامًا لِأَنَّ مَنْ لَا يَتَوَقَّعُ شَيْئًا فَيُصِيبُهُ يَكُونُ أَشَدَّ تَأْثِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي الدُّنْيَا يَجْزِمُونَ أَنْ لَا عَذَابَ إِلَّا وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا آخَرَ مِنَ الْعَذَابِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ أَشَدُّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ لَا عَذَابَ فَوْقَ مَا نَحْنُ فيه فان مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلَى تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا بَلْ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابًا كَذَّبْتُمْ بِهِ مِنْ قَبْلُ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِكُمْ لَا عَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِقَوْلِكُمْ لَا عَذَابَ فَوْقَ ما نحن فيه ثم لما هددهم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : آية ٢١]
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)
يَعْنِي قَبْلَ عَذَابِ الْآخِرَةِ نُذِيقُهُمْ عَذَابَ الدُّنْيَا فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا لَا نِسْبَةَ لَهُ إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ لِأَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا لَا يَكُونُ شَدِيدًا، وَلَا يَكُونُ مَدِيدًا فَإِنَّ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ فِي الدُّنْيَا يُهْلِكُ فَيَمُوتُ الْمُعَذَّبُ وَيَسْتَرِيحُ مِنْهُ فَلَا يَمْتَدُّ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُعَذَّبُ أَنْ يَمْتَدَّ عَذَابُ الْمُعَذَّبِ لَا يُعَذِّبُهُ بِعَذَابٍ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ، وَأَمَّا عَذَابُ الْآخِرَةِ فَشَدِيدٌ ومديد، وفي الآية مسألتان:
إحداهما: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى فِي مُقَابَلَتِهِ الْعَذَابُ الْأَقْصَى وَالْعَذَابُ الْأَكْبَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الْعَذَابُ الْأَصْغَرُ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَدْنَى بِالْأَكْبَرِ؟ فَنَقُولُ حَصَلَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ قَرِيبٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَلِيلٌ صَغِيرٌ وَحَصَلَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ أَيْضًا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَعِيدٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَظِيمٌ كَثِيرٌ، لَكِنَّ الْقُرْبَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ/ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ الْعَاجِلَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا قَدْ يَحْتَرِزُ مِنْهُ بَعْضُ النَّاسِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَرِزُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ إِذَا كَانَ آجِلًا، وَكَذَا الثَّوَابُ الْعَاجِلُ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ وَيَسْتَبْعِدُ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ الْآجِلَ، وَأَمَّا فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ فَالَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ هُوَ الْعَظِيمُ وَالْكَبِيرُ لَا الْبَعِيدُ لِمَا بَيَّنَّا فَقَالَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا الْعَذابِ الْأَدْنى لِيَحْتَرِزَ الْعَاقِلُ عَنْهُ وَلَوْ قَالَ: (لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأصغر) ما
كَانَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وَعَدَمِ فَهْمِ كَوْنِهِ عَاجِلًا وَقَالَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ الْأَكْبَرِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَبْعَدِ الْأَقْصَى لَمَا حَصَلَ التَّخْوِيفُ بِهِ مِثْلَ مَا يَحْصُلُ بِوَصْفِهِ بِالْكِبَرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَذَابَيْنِ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ أَصْلَحُ لِلتَّخْوِيفِ مِنَ الْوَصْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِيهِمَا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لَعَلَّ هَذِهِ الترجي وَاللَّهُ تَعَالَى مُحَالٌ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟ نَقُولُ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ لَنُذِيقَنَّهُمْ إذاقة الراجين كقوله تعالى: إِنَّا نَسِيناكُمْ [السجدة: ١٤] يَعْنِي تَرَكْنَاكُمْ كَمَا يُتْرَكُ النَّاسِي حَيْثُ لَا يلتفت إليه أصلا، فكذلك هاهنا نُذِيقُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُ بِالرَّاجِي مِنَ التَّدْرِيجِ وَثَانِيهِمَا: مَعْنَاهُ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ إِذَاقَةً يَقُولُ الْقَائِلُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بِسَبَبِهِ، وَنَزِيدُ وَجْهًا آخَرَ مِنْ عِنْدِنَا، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَتْلُوهُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ يَصِحُّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ اتَّجَرَ لِيَرْبَحَ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ بِحُصُولِ الْأَمْرِ مِنَ الْفِعْلِ نَظَرًا إِلَى نَفْسِ الْفِعْلِ وَإِنْ حَصَلَ الْجَزْمُ وَالْعِلْمُ بِنَاءً عَلَى أَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَفْعَلُ كَذَا رَجَاءَ كَذَا، كَمَا يُقَالُ يَتَّجِرُ رَجَاءَ أَنْ يَرْبَحَ، وَإِنْ حَصَلَ لِلتَّاجِرِ جَزْمٌ بِالرِّبْحِ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ قَوْلِنَا يَرْجُو لِمَا أَنَّ الْجَزْمَ غَيْرُ حَاصِلٍ نَظَرًا إِلَى التِّجَارَةِ وَإِنْ كَانَ الْجَزْمُ حَاصِلًا نَظَرًا إِلَى الْفِعْلِ، لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَرْجُو وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْجَزْمُ يَحْتَمِلُ خِلَافَهُ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فُلَانٌ حَزَّ رَقَبَةَ عَدُوِّهِ رَجَاءَ أَنْ يَمُوتَ، لَا يَصِحُّ لِحُصُولِهِ الْجَزْمُ بِالْمَوْتِ عَقِيبَ الْحَزِّ نَظَرًا إِلَيْهِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَمُوتَ نَظَرًا إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُصَحِّحُ قَوْلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشُّعَرَاءِ: ٨٢] مَعَ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْمَغْفِرَةِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْجَزْمُ حَاصِلًا مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الطمع وكذلك قوله تَعَالَى: لَعَلَّهُمْ فَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْفِعْلِ لَا يَلْزَمُ الْجَزْمُ، فَإِنَّ مِنَ التَّعْذِيبِ لَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لُزُومًا بَيِّنًا فَصَحَّ قَوْلُنَا يَرْجُو وَإِنْ كَانَ عِلْمُهُ حَاصِلًا بِمَا يَكُونُ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الرَّجَاءَ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ اسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا يَكُونُ الْأَمْرُ مَعْلُومًا فَأَوْهَمَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْإِطْلَاقُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ التَّرَجِّي يَجُوزُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ عَدَمُ الْجَزْمِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَعِلْمُ اللَّهِ لَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنَ الْفِعْلِ فَيَصِحُّ حَقِيقَةُ التَّرَجِّي فِي حَقِّهِ عَلَى ما ذكرنا من المعنى/ ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها يَعْنِي لَنُذِيقَنَّهُمْ وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَكُونُونَ قَدْ ذُكِّرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ مِنَ النِّعَمِ أَوَّلًا وَالنِّقَمِ ثَانِيًا وَلَمْ يؤمنوا فلا أظلم منهم أحد، لِأَنَّ مَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ ظَالِمٌ فَإِنَّ اللَّهَ لِذَوِي الْبَصَائِرِ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ الْمُسْتَنِيرُ الْبَاطِنُ إِلَى شَاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] أي دليلك الله لا تحتاج تأثير الْبَاطِنِ إِلَى دَلِيلٍ عَلَى اللَّهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ رَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ لَمْ يَكْفِهِ اللَّهُ فَسَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ سَوَاءٌ، كَانَ فِيهَا نَفْعٌ أَوْ ضُرٌّ كَافٍ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فُصِّلَتْ: ٥٣] فَإِنْ لَمْ يكفهم ذلك
فَبِسَبْغِهِ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، فَالْأَوَّلُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ هُوَ عَدْلٌ وَالثَّانِي الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ فَهُوَ مُتَوَسِّطٌ وَالثَّالِثُ الَّذِي لَمْ تَكِفْهِ الْآفَاقُ ظَالِمٌ وَالرَّابِعُ الَّذِي لَمْ تُقْنِعْهُ النِّعَمُ أَظْلَمُ مِنْ ذَلِكَ الظَّالِمِ وَقَدْ يَكُونُ أَظْلَمَ مِنْهُ آخَرُ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا أُذِيقَ الْعَذَابَ لَا يَرْجِعُ عَنْ ضَلَالَتِهِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ كَانَ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا مَسَّهُمْ ضُرٌّ دَعُوا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ فَهَذَا لَمَّا عُذِّبَ وَلَمْ يَرْجِعْ فَلَا أَظْلَمَ مِنْهُ أَصْلًا فَقَالَ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ أَيْ لَمَّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْعَذَابُ الْأَدْنَى فَأَنَا مُنْتَقِمٌ مِنْهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَكْبَرِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَمَّا قَرَّرَ الْأُصُولَ الثَّلَاثَةَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ عَادَ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَدَأَ بِهِ وَهُوَ الرِّسَالَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ [القصص: ٤٦] وَقَالَ: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [الْأَحْقَافِ: ٩] بَلْ كَانَ قَبْلَكَ رُسُلٌ مِثْلُكَ وَاخْتَارَ مِنْ بَيْنِهِمْ مُوسَى لِقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَوُجُودُ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِ إِلْزَامًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَخْتَرْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلذِّكْرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّ الْيَهُودَ مَا كَانُوا يُوَافِقُونَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَمَسَّكَ/ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ قِيلَ مَعْنَاهُ فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَاءِ مُوسَى فَإِنَّكَ تَرَاهُ وَتَلْقَاهُ، وَقِيلَ بِأَنَّهُ رَآهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَاءِ الْكِتَابِ فَإِنَّكَ تَلْقَاهُ كَمَا لَقِيَ مُوسَى الْكِتَابَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ وَارِدَةً لَا لِلتَّقْرِيرِ بَلْ لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ لَمَّا أَتَى بِكُلِّ آيَةٍ وَذَكَّرَ بِهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا قَوْمُهُ حَزِنَ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ تَذَكَّرْ حَالَ مُوسَى وَلَا تَحْزَنْ فَإِنَّهُ لَقِيَ مَا لَقِيتَ وَأُوذِيَ كَمَا أُوذِيتَ، وَعَلَى هَذَا فَاخْتِيَارُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِحِكْمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُؤْذِهِ قَوْمُهُ إِلَّا الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخَالِفُوهُ غَيْرَ قَوْمِ مُوسَى فإن لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ آذَاهُ مِثْلُ فِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِ وَمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْضًا آذَاهُ بِالْمُخَالَفَةِ وَطَلَبِ أَشْيَاءَ مِنْهُ مِثْلَ طَلَبِ رؤية الله جهرة ومثل قولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [الْمَائِدَةِ: ٢٤] ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ هِدَايَتَهُ غَيْرُ خَالِيَةٍ عَنِ الْمَنْفَعَةِ كَمَا أَنَّهُ لَمْ تَخْلُ هِدَايَةُ مُوسَى، فَقَالَ: وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا فَحَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ كِتَابَ مُوسَى هَدًى وَجَعَلَ مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ كَذَلِكَ يَجْعَلُ كِتَابَكَ هَدًى وَيَجْعَلُ مِنْ أُمَّتِكَ صَحَابَةٌ يَهْدُونَ كَمَا
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالصَّبْرِ، فَقَالَ:
لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ فَكَذَلِكَ اصْبِرُوا وَآمِنُوا بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)
قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ هَذَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَيْفَ كَانُوا يَهْدُونَ وَهُمُ اخْتَلَفُوا وَصَارُوا فِرَقًا وَسَبِيلُ الْحَقِّ وَاحِدٌ، فَقَالَ فِيهِمْ هُدَاةٌ وَاللَّهُ بَيَّنَ الْمُبْتَدِعَ مِنَ الْمُتَّبِعِ كَمَا يُبَيِّنُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الْأُمَمِ
فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْمَنَ مَنْ آمَنَ وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ مُعَذَّبٌ كَالْكَافِرِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ، أَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ أَشُدُّ وَآلَمُ وَأَمَدُّ وَأَدْوَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَقْرِيرٌ لِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَإِعَادَةٌ لِبَيَانِ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ/ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [السَّجْدَةِ: ٣] وَلَمَّا أَعَادَ ذِكْرَ الرِّسَالَةِ أَعَادَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، فَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَوْلُهُ: يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ زِيَادَةُ إِبَانَةٍ، أَيْ مَسَاكِنُ الْمُهْلَكِينَ دَالَّةٌ عَلَى حَالِهِمْ وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ فِيهَا وَتُبْصِرُونَهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ اعْتُبِرَ فِيهِ السَّمْعُ، لِأَنَّهُمْ مَا كَانَ لَهُمْ قُوَّةُ الْإِدْرَاكِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالِاسْتِنْبَاطُ بِعُقُولِهِمْ، فَقَالَ أَفَلَا يَسْمَعُونَ، يَعْنِي لَيْسَ لَهُمْ دَرَجَةُ الْمُتَعَلِّمِ الَّذِي يسمع الشيء ويفهمه. ثم قال تعالى:
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ لَمَّا بَيَّنَ الْإِهْلَاكَ وَهُوَ الْإِمَاتَةُ بَيْنَ الْإِحْيَاءِ لِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ بِيَدِ اللَّهِ، وَالْجُرُزُ الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَالْجُرُزُ هُوَ الْقَطْعُ وَكَأَنَّهَا الْمَقْطُوعُ عَنْهَا الْمَاءُ وَالنَّبَاتُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ قَدَّمَ الْأَنْعَامَ عَلَى الْأَنْفُسِ فِي الْأَكْلِ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الزَّرْعَ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ يَصْلُحُ لِلدَّوَابِّ وَلَا يَصْلُحُ لِلْإِنْسَانِ وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الزَّرْعَ غِذَاءُ الدَّوَابِّ وَهُوَ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَأَمَّا غِذَاءُ الْإِنْسَانِ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَكَأَنَّ الْحَيَوَانَ يَأْكُلُ الزَّرْعَ، ثُمَّ الْإِنْسَانُ يَأْكُلُ مِنَ الْحَيَوَانِ الثَّالِثُ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ ذَوَاتِ الدَّوَابِّ وَالْإِنْسَانُ يَأْكُلُ بِحَيَوَانِيَّتِهِ أَوْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فَكَمَالُهُ بِالْعِبَادَةِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: أَفَلا يُبْصِرُونَ لِأَنَّ الْأَمْرَ يُرَى بِخِلَافِ حَالِ الْمَاضِينَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَسْمُوعَةً، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ الرِّسَالَةَ وَالتَّوْحِيدَ بَيَّنَ الْحَشْرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَصَارَ تَرْتِيبُ آخِرِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ أَوَّلِهَا حَيْثُ ذَكَرَ الرِّسَالَةَ فِي أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: لِتُنْذِرَ قَوْماً وَفِي آخِرِهَا بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [السجدة: ٢٣] وَذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [السجدة: ٤] وَقَوْلِهِ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ [السجدة: ٧] وَفِي آخِرِ السُّورَةِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [السجدة: ٢٦] وَقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ وَذَكَرَ الْحَشْرَ في أولها بقوله: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [السجدة: ١٠] وَفِي آخِرِهَا بِقَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ.
[سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أَيْ لَا يُقْبَلُ إِيمَانُهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْمَقْبُولَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي دَارِ الدنيا، ولا يُنْظَرُونَ، أَيْ لَا يُمْهَلُونَ بِالْإِعَادَةِ إِلَى الدُّنْيَا لِيُؤْمِنُوا فَيُقْبَلُ إِيمَانُهُمْ، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ الْمَسَائِلَ وَأَتْقَنَ الدَّلَائِلَ وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ. قَالَ تَعَالَى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أَيْ لَا
— 151 —
تُنَاظِرْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ بَعْدَ هَذَا الْقِتَالُ. وَقَوْلُهُ: وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا:
وَانْتَظِرْ هَلَاكَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ هَلَاكَكَ، وَعَلَى هَذَا فَرَّقَ بَيَّنَ الِانْتِظَارَيْنِ، لِأَنَّ انْتِظَارَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ وَعْدِهِ وَانْتِظَارَهُمْ بِتَسْوِيلِ أَنْفُسِهِمْ وَالتَّعْوِيلِ عَلَى الشَّيْطَانِ وَثَانِيهَا: وَانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ النَّصْرَ مِنْ آلِهَتِهِمْ وَفَرَّقَ بَيْنَ الِانْتِظَارَيْنِ وَثَالِثُهَا: وَانْتَظِرْ عَذَابَهُمْ بِنَفْسِكَ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ بِلَفْظِهِمُ اسْتِهْزَاءً، كَمَا قَالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [الْأَعْرَافِ: ٧٠] وَقَالُوا مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [النمل: ٧١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَاتُهُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
— 152 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

14 مقطع من التفسير