جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيات وَالذّكْرِ الْحَكِيمِ﴾
يعني بقوله جلّ ثناؤه : ذلك هذه الأنباء التي أنبأ بها نبيه عن عيسى وأمه مريم، وأمها حنة، وزكريا وابنه يحيى، وما قصّ من أمر الحواريين، واليهود من بني إسرائيل¹ نتلوها عليك يا محمد، يقول : نقرؤها عليك يا محمد، على لسان جبريل ﷺ، بوحيناها إليك ﴿منَ الآياتِ﴾ يقول : من العبر والحجج، على من حاجك من وفد نصارى نجران ويهود بني إسرائيل، الذين كذّبوك، وكذّبوا ما جئتهم به من الحقّ من عندي. ﴿والذّكْر﴾ يعني : والقرآن ﴿الحَكِيم﴾ يعني : ذي الحكمة الفاصلة بين الحقّ والباطل، وبينك وبين ناسبي المسيح إلى غير نسبه.
كما : حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الاَياتِ وَالذّكْرِ الحَكِيمِ﴾ القاطع الفاصل الحقّ، الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى، وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلن خبرا غيره.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك :﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذّكْرِ الحَكِيمِ﴾ قال : القرآن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله :﴿وَالذّكْرِ﴾ يقول : القرآن الحكيم الذي قد كمل في حكمته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
فنفى جل ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عبادَه، فيجازي المسيءَ ممن كفر جزاءَ المحسنين ممن آمن به، أو يجازي المحسنَ ممن آمن به واتبعَ أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه، جزاءَ المسيئين ممن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه. فقال: إني لا أحبّ الظالمين، فكيف أظلم خلقي؟
* * *
وهذا القول من الله تعالى ذكره، وإن كان خرج مخرج الخبر، فإنه وعيدٌ منه للكافرين به وبرسله، (١) ووعد منه للمؤمنين به وبرسله، (٢) لأنه أعلم الفريقين جميعًا أنه لا يبخسُ هذا المؤمن حقه، ولا يظلمُ كرامته فيضعها فيمن كفر به وخالف أمره ونهيه، فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالمًا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ذلك"، هذه الأنباءَ التي أنبأ بها نبيه عن عيسى وأمِّه مريم، وأمِّها حَنَّة وزكريا وابنه يحيى، وما قصَّ من أمر الحواريين واليهودَ من بنى إسرائيل ="نتلوها عليك"، يا محمد، يقول: نقرؤها عليك يا محمد على لسان جبريل صلى الله عليه وسلم، (٣) بوحيناها إليك ="من
(٢) في المخطوطة: "ووعيد منه للمؤمنين"، وهو خطأ بين، والصواب ما في المطبوعة.
(٣) انظر معنى"التلاوة" فيما سلف ٢: ٤١١، ٥٦٩.