جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : قل يا محمد لأهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل :﴿تَعَالَوْا﴾ هلمّوا ﴿إلى كَلِمَة سَوَاء﴾ يعني إلى كلمة عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ والكلمة العدل : هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا. وقوله :﴿وَلا يَتّخِذَ بَعْضُنا بَعْضا أرْبابا﴾ يقول : ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له، كما يسجد لربه. ﴿فإنْ تَوَلّوْا﴾ يقول : فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك : اشهدوا بأنا مسلمون.
واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال بعضهم : نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مدينة رسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ دعا اليهود إلى كلمة السواء.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : بلغنا أن نبيّ الله ﷺ دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك، فأبوا عليه، فجاهدهم، قال : دعاهم إلى قول الله عزّ وجلّ :﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. . . الاَية.
وقال آخرون : بل نزلت في الوفد من نصارى نجران. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. . . الاَية، إلى قوله :﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بأنّا مُسْلِمُونَ﴾ قال : فدعاهم إلى النّصَف، وقطع عنهم الحجة¹ يعني وفد نجران.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : ثم دعاهم رسول الله ﷺ يعني الوفد من نصارى نجران فقال :﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. . . الاَية.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا ابن زيد، قال : قال : يعني جل ثناؤه :﴿إنّ هَذا لَهُوَ القَصَصُ الحَقّ﴾ في عِيسَى على ما قد بيناه فيما مضى قال :﴿فأبَوْا﴾، يعني الوفد من نجران، فقال : ادعهم إلى أيسر من هذا، ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. فقرأ حتى بلغ :﴿أرْبابا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخَر.
وإنما قلنا : عنى بقوله :﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ : أهل الكتابين، لأنهما جميعا من أهل الكتاب، ولم يخصص جلّ ثناؤه بقوله :﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ بَعْضا دون بعض، فليس بأن يكون موجها ذلك إلى أنه مقصود به أهل التوراة بأولى منه، بأن يكون موجها إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحد الفريقين بذلك بأولى من الآخر، لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح، فالواجب أن يكون كل كتابي معنيا به، لأن إفراد العبادة لله وحده، وإخلاص التوحيد له، واجب على كل مأمور منهيّ من خلق الله، وأهل الكتاب يعمّ أهل التوراة وأهل الإنجيل، فكان معلوما بذلك أنه عني به الفريقان جميعا.
وأما تأويل قوله :﴿تَعالَوْا﴾ فإنه : أقبلوا وهلمّوا، وإنما هو تفاعلوا من العلوّ، فكأن القائل لصاحبه : تعالى إليّ، فإنه تفاعل من العلوّ، كما يقال : تدان مني من الدنوّ، وتقاربْ مني من القرب. وقوله :﴿إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ فإنها الكلمة العدل، و«السواء » : من نعت «الكلمة ».
وقد اختلف أهل العربية في وجه إتباع سواء في الإعراب لكلمة، وهو اسم لا صفة، فقال بعض نحويي البصرة : جرّ سواء لأنها من صفة الكلمة : وهي العدل، وأراد مستوية. قال : ولو أراد استواء كان النصب، وإن شاء أن يجعلها على الاستواء ويجرّ جاز، ويجعله من صفة الكلمة مثل الخلق، لأن الخلق هو المخلوق، والخلق قد يكون صفة واسما، ويجعل الاستواء مثل المستوى، قال عزّ وجلّ :﴿الّذِي جَعَلْناهُ للنّاسِ سَوَاء العاكِفُ فِيهِ وَالبادِ﴾ لأن السواء للآخر وهو اسم ليس بصفة، فيجري على الأول وذلك إذا أراد به الاستواء، فإن أراد به مستويا جاز أن يجري على الأول، والرفع في ذا المعنى جيد، لأنها لا تغيّر عن حالها، ولا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث، فأشبهت الأسماء التي هي مثل عدل ورضا وجنب، وما أشبه ذلك. وقال :﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ كالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَوَاءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ فالسواء للمحيا والممات بهذا المبتدإ. وإن شئت أجريته على الأوّل وجعلته صفة مقدمة، كأنها من سبب الأوّل فجرت عليه، وذلك إذا جعلته في معنى مستوي، والرفع وجه الكلام كما فسرت لك.
وقال بعض نحويي الكوفة :«سواء » مصدر وضع موضع الفعل، يعني موضع متساوية ومتساو، فمرّة يأتي عن الفعل، ومرّة على المصدر، وقد يقال في سواء بمعنى عدل : سِوًى وسُوًى، كما قال جلّ ثناؤه :﴿مَكانا سُوًى﴾ و«سِوًى » يراد به عدل ونصف بيننا وبينك. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك «إلى كلمة عدل بيننا وبينكم ».
وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله :﴿إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُم﴾ بأن السواء : هو العدل، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿يا أهْلَ الكِتابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ : عدل بيننا وبينكم ﴿ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ﴾. . . الاَية.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله :﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا﴾ بمثله.
وقال آخرون : هو قول لا إلَه إلا الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : قال أبو العالية : كلمة السواء : لا إلَه إلاّ الله.
وأما قوله :﴿ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ﴾ فإنّ «أنْ » في موضع خفض على معنى : تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله، وقد بينا معنى العبادة في كلام العرب فيما مضى، ودللنا على الصحيح من معانيه بما أغنى عن إعادته.
وأما قوله :﴿وَلا يَتّخِذَ بَعْضُنا بَعْضا أرْبابا﴾ فإنّ اتخاذ بعضهم بعضا، هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه :﴿اتّخَذُوا أحْبارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبابا مِنْ دُونِ اللّهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلها وَاحِدا﴾. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج :﴿وَلا يَتّخِذَ بَعْضُنا بَعْضا أرْبابا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ يقول : لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، ويقال : إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يُصَلّوا لهم.
وقال آخرون : اتخاذ بعضهم بعضا أربابا : سجود بعضهم لبعض. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله :﴿وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنا بَعْضا أرْبابا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ قال : سجود بعضهم لبعض.
وأما قوله :﴿فَإنْ تَوَلّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بأنّا مُسْلِمُونَ﴾ فإنه يعني : فإن تولى الذين تدعونهم إلى الكلمة السواء عنها وكفروا، فقولوا أنتم أيها المؤمنون لهم : اشهدوا علينا بأنا بما توليتم عنه من توحيد الله وإخلاص العبودية له، وأنه الإلَه الذي لا شريك له مسلمون، يعني خاضعون لله به متذللون له بالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا، وقد بينا معنى الإسلام فيما مضى، ودللنا عليه بما أغنى عن إعادته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قل"، يا محمد، لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل ="تعالوا"، هلموا (١) ="إلى كلمة سواء"، يعني: إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، (٢) والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا.
= وقوله:"ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا"، يقول: ولا يدين بعضُنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه ="فإن تولوا"، يقول: فإن أعرضوا عما دعوتَهم إليه من الكلمة السواء التي أمرُتك بدعائهم إليها، (٣) فلم يجيبوك إليها ="فقولوا"، أيها المؤمنون، للمتولِّين عن ذلك ="اشهدوا بأنا مسلمون".
* * *
واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية.
فقال بعضهم: نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حَوالى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك:
٧١٩١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ دعا يهودَ أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم.
(٢) انظر تفسير"سواء" فيما سلف ١: ٢٥٦ / ٢: ٤٩٥-٤٩٧.
(٣) انظر معنى"تولى" فيما سلف قريبًا ص: ٤٧٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
٧١٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: بلغنا أن نبي الله ﷺ دعا يهودَ أهل المدينة إلى ذلك، فأبوا عليه، فجاهدهم = قال: دعاهم إلى قول الله عز وجل:"قل يا أهل الكتاب تَعالوْا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"، الآية.
* * *
وقال آخرون: بل نزلت في الوفد من نصارى نجران.
ذكر من قال ذلك:
٧١٩٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" الآية، إلى قوله:"فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون"، قال: فدعاهم إلى النَّصَف، وقطع عنهم الحجةَ - يعني وفد نجران. (١)
٧١٩٥ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم دعاهم رسُول الله صلى الله عليه وسلم. - يعني الوفدَ من نصارى نجران - فقال:"يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"، الآية.
٧١٩٦ - حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، حدثنا ابن زيد قال قال: يعني جل ثناؤه:"إنّ هذا لهو القصص الحقّ"، في عيسى = على ما قد بيناه فيما مضى = (٢) قال: فأبوا - يعني الوفدَ من نجران - فقال: ادعهم إلى أيسر من هذا،"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"،
(٢) يعني الأثر السالف رقم: ٧١٧٨.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما قلنا عنى بقوله:"يا أهل الكتاب"، أهلَ الكتابين، لأنهما جميعًا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله:"يا أهل الكتاب" بعضًا دون بعض. فليس بأن يكون موجَّهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ التوراة، بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر = لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح = فالواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله. واسم"أهل الكتاب"، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل، (١) فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا.
* * *
وأما تأويل قوله:"تعالوا"، فإنه: أقبلوا وهلمُّوا. (٢) وإنما"هو تفاعلوا" من"العلوّ" فكأن القائل لصاحبه:"تعالَ إليّ"، قائلٌ"تفاعل" من"العلوّ"، (٣) كما يقال:"تَدَانَ مني" من"الدنوّ"، و"تقارَبْ مني"، من"القرب".
* * *
(٢) قد فسر أبو جعفر"تعالوا" في موضعين سلفا ص: ٤٧٤، ص: ٤٨٣، ولكنه استوفى هنا الكلام في بيانها، ولا أدري لم يفعل مثل ذلك، وكان الأولى أن يفسرها أول مرة.
(٣) في المطبوعة: "فكأن القائل تعالى إلى، فإنه تفاعل من العلو" لأنه لم يفهم ما كان في المخطوطة، فبدله، ووضع علامة (٣) للدلالة على أنه خطأ لا معنى له، أو سقط في الكلام. والصواب ما أثبت.
* * *
وقد اختلف أهل العربية في وجه إتباع"سواء" في الإعراب"لكلمة"، وهو اسمٌ لا صفة.
فقال بعض نحويي البصرة: جر"سواء" لأنها من صفة"الكلمة" وهي العدل، وأراد مستوية. قال: ولو أراد"استواء"، كان النصب. وإن شاء أن يجعلها على"الاستواء" ويجرّ، جاز، ويجعله من صفة"الكلمة"، مثل"الخلق"، لأن"الخلق" هو"المخلوق"."والخلق" قد يكونُ صفةً واسمًا، ويجعل"الاستواء" مثل"المستوى"، قال عز وجل: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) [سورة الحج: ٢٥]، لأن"السواء" للآخر، وهو اسمٌ ليس بصفة فيجرى على الأول، وذلك إذا أراد به"الاستواء". فإن أراد به"مستويًا" جاز أن يُجرَي على الأول. والرفع في ذا المعنى جيدٌ، لأنها لا تغيَّر عن حالها ولا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث فأشبهت الأسماء التي هي مثل"عدل" و"رضًى" و"جُنُب"، وما أشبه ذلك. وقالوا: [في قوله] :(٢) (أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) [سورة الجاثية: ٢١]، فـ"السواء" للمحيا والممات بهذا، المبتدأ.
وإن شئت أجريته على الأول، وجعلتَه صفة مقدمة، كأنها من سبب الأول
(٢) الزيادة التي بين القوسين، زدتها ليستقيم الكلام ويستبين، وأخشى أن يكون في هذه الجملة سقط لم أستطع أن أتبينه، وراجع قول أبي جعفر في هذه الآية من تفسيره، ٢٥، ٨٩، ٩٠ (بولاق).
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة:"سواء" مصدرٌ وضع موضع الفعل، (١) يعني موضع"متساوية": و"متساو"، فمرة يأتي على الفعل، ومرّةً على المصدر. وقد يقال في"سواء"، بمعنى عدل:"سِوًى وسُوًى"، كما قال جل ثناؤه: (مَكَانًا سُوًى) و (سِوًى) [سورة طه: ٥٨]، يراد به: عدل ونصَفٌ بيننا وبينك. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك (" إِلَى كَلَمَةٍ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم "). (٢)
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله:"إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"، بأن"السواء" هو العدلٍ، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧١٩٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"، عدل بيننا وبينكم ="ألا نعبد إلا الله"، الآية.
٧١٩٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا"، بمثله. (٣)
* * *
(٢) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٢٠.
(٣) الأثر: ٧١٩٨- في المخطوطة: "و.. ولا نشرك به شيئًا" الآية، وليس فيها"بمثله"، زادها الناشر أو ناسخ قبله، لما رأى الأثر غير تام، وهو صنيع حسن، وإن كنت لا أرتضيه، وظني أنه قد سقط من الناسخ الأول بقية التفسير.
ذكر من قال ذلك:
٧١٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، قال أبو العالية:"كلمة السواء"، لا إله إلا الله.
* * *
وأما قوله:"ألا نعبُدَ إلا الله"، فإنّ"أنْ" في موضع خفض على معنى: تعالوا إلى أنْ لا نعبد إلا الله. (١)
* * *
وقد بينا - معنى"العبادة" في كلام العرب فيما مضى، ودللنا على الصحيح من معانيه بما أغنى عن إعادته. (٢)
* * *
وأما قوله:"ولا يتخذ بعضُنا بعضًا أربابًا"، فإنّ"اتخاذ بعضهم بعضًا"، ما كان بطاعة الأتباع الرؤساءَ فيما أمروهم به من معاصي الله، (٣) وتركِهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) [سورة التوبة: ٣١]، كما:-
٧٢٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله"، يقول: لا يطع بعضُنا بعضًا في معصية الله. ويقال إنّ تلك الرُّبوبية: أن يطيعَ الناس سادَتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلُّوا لهم.
* * *
(٢) انظر ما سف ١: ١٦٠، ١٦١، ٣٦٢ / ٣: ١٢٠، ٣١٧.
(٣) في المطبوعة:
| "هو ما كان بطاعة الأتباع | " بزيادة"هو"، وليست في المخطوطة. |
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي : فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.
وقد ذكرنا في شرح البخاري، عند روايته من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان، في قصته حين دخل على قيصر، فسألهم عن نسب رسول الله ﷺ وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مُشْركًا لم يُسْلم بعد، وكان ذلك بعد صُلْح الحُدَيْبِيَة وقبل الفتح، كما هو مُصَرّح به في الحديث، ولأنه لما قال(٣) هل يغدر ؟ قال : فقلت : لا ونحن منه في مُدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال : ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئا سوى هذه : والغرض أنه قال : ثم جيء بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه، فإذا فيه :
" بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَك مَرَّتَيْنِ فَإِن(٤) تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأريسيِّين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(٥).
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صَدْر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وَفْد نجْران، وقال الزهري : هم أول من بَذَلَ الجزية. ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هِرقْل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري ؟ والجواب من وجُوه :
أحدها : يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين، مَرّةً قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.
الثاني : يحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق :" إلى بضع وثمانين آية " ليس بمحفوظ، لدلالة حديث أبي سفيان.
الثالث : يحتمل أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مُصَالحةً عن المباهلة لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك كما جاء فرض الخمس والأربعة الأخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.
الرابع : يحتمل أن رسول الله ﷺ لما أمر بكَتْب هذا [ الكلام ](٦) في كتابه إلى هرقل لم(٧) يكن أنزل بعد، ثم نزل القرآن موافقة له كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله :
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي قوله :﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].
٢ زيادة من و..
٣ في جـ: "سأله" وفي أ، و: "ولأنه قال لما سأله"..
٤ في جـ، ر: "وإن"..
٥ قصة هرقل مع أبي سفيان رواها البخاري مطولة في صحيحة برقم (٧)..
٦ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٧ في أ، و: "إن لم"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ الْأَزْهَرِيِّ (٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْر، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِر، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهِ بِمَعْنَاهُ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (٦).
هَكَذَا قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ (٧) عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا وَهَذَا أَصَحُّ (٨) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ نَحْوُ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فِي شَأْنِ عِيسَى هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَعْدل عَنْهُ وَلَا مَحِيدَ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّه وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: عَنْ هَذَا إِلَى غَيْرِهِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أَيْ: مَنْ عَدَلَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ فَهُوَ الْمُفْسِدُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِهِ، وَسَيَجْزِيهِ عَلَى ذَلِكَ شَرَّ الْجَزَاءِ، وَهُوَ الْقَادِرُ، الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ [سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ حُلُولِ نِقَمَهِ] (٩).
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾
هَذَا الْخِطَابُ يَعُمُّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ وَالْكَلِمَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُفِيدَةِ كَمَا قَالَ هَاهُنَا. ثُمَّ وَصَفَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: عَدْلٌ وَنَصَفٌ، نَسْتَوِي نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا. ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾
(٢) في أ: "يجيبا".
(٣) في جـ: "الوادي عليهم".
(٤) في ر: "وابنانا".
(٥) في ر: "الأزهر" وفي أ، و: "الزهري".
(٦) المستدرك (٢/٥٩٣، ٥٩٤) ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢/٥٩٣) من طريق دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جابر به.
(٧) في جـ، ر، أ، و: "مغيرة".
(٨) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/٣١٠) من طريق شعبة به، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/٥٤٩)، والطبري في تفسيره (٦/٤٦٨) من طريق جرير عن مغيرة عن الشعبي به مرسلا، ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٠٠) من طريق هشيم عن مغيرة عن الشعبي به مرسلا.
(٩) زيادة من و.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: يَعْنِي: يُطِيعُ بَعْضُنَا بَعْضًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي: يَسْجُدُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أَيْ: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنْ هَذَا النَّصَف وَهَذِهِ الدَّعْوَةِ فأشْهدوهم أَنْتُمْ عَلَى اسْتِمْرَارِكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، عِنْدَ رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، فِي قِصَّتِهِ حِينَ دَخَلَ عَلَى قَيْصَرَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ صِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى الْجَلِيَّةِ، مَعَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْركًا لَمْ يُسْلم بَعْدُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ صُلْح الحُدَيْبِيَة وَقَبْلَ الْفَتْحِ، كَمَا هُوَ مُصَرّح بِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ (٣) هَلْ يَغْدِرُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدة لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ يُمْكِنِّي كَلِمَةً أَزِيدُ فِيهَا شَيْئًا سِوَى هَذِهِ: وَالْغَرَضُ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ جِيءَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ:
"بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَك مَرَّتَيْنِ فَإِن (٤) تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأريسيِّين، وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥).
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ صَدْر سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا نَزَلَتْ فِي وَفْد نجْران، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُمْ أَوَّلُ مَنْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ كِتَابَةِ هَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ إِلَى هِرقْل فِي جُمْلَةِ الْكِتَابِ، وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالزُّهْرِيُّ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وجُوه:
أَحَدُهَا: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرّةً قَبْلَ الحديبية، ومرة بعد الفتح.
(٢) زيادة من و.
(٣) في جـ: "سأله" وفي أ، و: "ولأنه قال لما سأله".
(٤) في جـ، ر: "وإن".
(٥) قصة هرقل مع أبي سفيان رواها البخاري مطولة في صحيحة برقم (٧).
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
أي : قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ أي : هلموا نجتمع عليها وهي الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون، ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في المقال والإنصاف في الجدال، ثم فسرها بقوله ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا﴾ فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب والخوف والرجاء ولا نشرك به نبيا ولا ملكا ولا وليا ولا صنما ولا وثنا ولا حيوانا ولا جمادا ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾ بل تكون الطاعة كلها لله ولرسله، فلا نطيع المخلوقين في معصية الخالق، لأن ذلك جعل للمخلوقين في منزلة الربوبية، فإذا دعي أهل الكتاب أو غيرهم إلى ذلك، فإن أجابوا كانوا مثلكم، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وإن تولوا فهم معاندون متبعون أهواءهم فاشهدوهم أنكم مسلمون، ولعل الفائدة في ذلك أنكم إذا قلتم لهم ذلك وأنتم أهل العلم على الحقيقة، كان ذلك زيادة على إقامة الحجة عليهم كما استشهد تعالى بأهل العلم حجة على المعاندين، وأيضا فإنكم إذا أسلمتم أنتم وآمنتم فلا يعبأ الله بعدم إسلام غيركم لعدم زكائهم ولخبث طويتهم، كما قال تعالى ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا﴾ الآية وأيضا فإن في ورود الشبهات على العقيدة الإيمانية مما يوجب للمؤمن أن يجدد إيمانه ويعلن بإسلامه، إخبارا بيقينه وشكرا لنعمة ربه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أي: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ أي: هلموا نجتمع عليها وهي الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون، ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في المقال والإنصاف في الجدال، ثم فسرها بقوله ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا﴾ فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب والخوف والرجاء ولا نشرك به نبيا ولا ملكا ولا وليا ولا صنما ولا وثنا ولا حيوانا ولا جمادا ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾ بل تكون الطاعة كلها لله ولرسله، فلا نطيع المخلوقين في معصية الخالق، لأن ذلك جعل للمخلوقين في منزلة الربوبية، فإذا دعي أهل الكتاب أو غيرهم إلى ذلك، فإن أجابوا كانوا مثلكم، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وإن تولوا فهم معاندون متبعون أهواءهم فأشهدوهم -[١٣٤]- أنكم مسلمون، ولعل الفائدة في ذلك أنكم إذا قلتم لهم ذلك وأنتم أهل العلم على الحقيقة، كان ذلك زيادة على إقامة الحجة عليهم كما استشهد تعالى بأهل العلم حجة على المعاندين، وأيضا فإنكم إذا أسلمتم أنتم وآمنتم فلا يعبأ الله بعدم إسلام غيركم لعدم زكائهم ولخبث طويتهم، كما قال تعالى ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا﴾ الآية وأيضا فإن في ورود الشبهات على العقيدة الإيمانية مما يوجب للمؤمن أن يجدد إيمانه ويعلن بإسلامه، إخبارا بيقينه وشكرا لنعمة ربه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٩ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- كَلَمَةٍ سَوَاءٍ
- كَلِمَةِ عَدْلٍ، وَحَقٍّ نَلْتَزِمُ بِهَا.
إعراب الآية ٦٤ من سورة آل عمران
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٢]
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هو زائدة فاصلة عند البصريين ويجوز أن تكون مبتدأة والْقَصَصُ خبرها والجملة خبر إنّ. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ ويجوز النصب على الاستثناء.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٣]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ شرط وجوابه وتولّوا فعل ماض لا يتبيّن فيه الجزم ويجوز أن يكون مستقبلا ويكون الأصل تتولّوا.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٤]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ وقرأ قعنب كلمة «١» ألقى حركة اللام على الكاف كما يقال: كبد قال أبو العالية: الكلمة لا إله إلّا الله. سَواءٍ نعت لكلمة وقرأ الحسن «٢» سَواءٍ بالنصب أي استوت استواء: قال قتادة: السواء العدل. قال الفراء:
ويقال في معنى العدل سوى وسوى. قال: وفي قراءة عبد الله إلى كلمة عدل بيننا وبينكم «٣». أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ على البدل من كلمة وإن شئت كان التقدير هي أن لا نعبد إلّا الله وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً قال الكسائي والفراء: ويجوز وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً بالجزم على التوهّم إنّه ليس في أول الكلام «أن» قال أبو جعفر التوهّم لا يحصل منه شيء ولكن مذهب سيبويه أنه يجوز في «نعبد» وما بعده الجزم على أن تكون أن مفسّرة بمعنى أي كما قال عزّ وجلّ: أَنِ امْشُوا [ص: ٦] وتكون «لا» جازمة ويجوز على هذا أن يرفع نعبد وما بعده ويكون خبرا ويجوز الرفع بمعنى أنّه لا نعبد، ومثله أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] ومعنى وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ لا نعبد عيسى لأنه بشر مثلنا ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرّمه الله جلّ وعزّ علينا فنكون قد اتّخذناهم أربابا.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٥]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ الأصل «لما» حذفت الألف لأن حرف
(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ٥٠٦.
(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٠.
الموضوعات القرآنية للآية ٦٤ من سورة آل عمران
١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٢٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
١٨ قولًاعن أبي العالية الرِّياحِيّ -من طريق الربيع بن أنس- قال: كلمة السواء: لا إله إلا الله١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- ﴿تعالوا إلى كلمة سواء﴾، قال: لا إله إلا الله١
عن عَبّاد بن منصور قال: سألت الحسن [البصري] عن قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة﴾. قال: دُعُوا إلى الإسلام، فأَبَوْا١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿تعالوا إلى كلمة سواء﴾، قال: عَدْل١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، مثله١
قال مقاتل بن سليمان: في قوله: ﴿قُلْ﴾ لهم، يا محمد: ﴿ياأهل الكتاب تَعالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَآءٍ﴾، يعني: كلمة العدل، وهي: الإخلاص ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾١٢
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحَكَم بن أبان- في قوله: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا﴾، قال: سجود بعضهم لبعض١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحَكَم بن أبان- في قوله: ﴿أربابا﴾: يعني: الأصنام١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألاَّ نَعْبُدَ إلاَّ الله ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ مِن خلقه، ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِّن دُونِ الله﴾؛ لأنهم اتَّخذوا عيسى ربًّا، ﴿فَإن تَوَلَّوْاْ﴾ يعني: فإن أبَوا التوحيد ﴿فَقُولُواْ﴾ لهم أنتم: ﴿اشهدوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ يعني: مُخلِصين بالتوحيد١
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾، قال: لا يُطِيع بعضُنا بعضًا في معصية الله. ويقال: إنّ تلك الربوبية أن يُطِيع الناسُ سادتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يُصَلُّوا لهم١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: -يعني: جل ثناؤه-: ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ في عيسى -على ما قد بيَّنّاه فيما مضى-. قال: فأَبَوْا -يعني: الوفد من نجران-، فقال: ادعهم إلى أيسرَ مِن هذا، قل: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿أربابا من دون الله﴾، فأبوا أن يقبلوا هذا، ولا الآخر١
عن عمر بن عبد العزيز -من طريق الضحاك، عن عبد الرحمن بن أبي حَوْشَب-: أنّه كتب إلى ألْيُون طاغية الروم، قال: فيما أُنزِل على محمد ﷺ ﴿قل يا أهل الكتاب﴾، يعني: اليهود والنصارى، ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾١٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط بن نصر- قال: ثُمَّ دعاهم رسول الله ﷺ -يعني: الوفد من نصارى نجران- فقال: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾ الآية١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: ذُكِر لنا: أنّ النبي ﷺ دعا اليهود إلى الكلمة السواء١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- في قوله: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا﴾ الآية، قال: فدعاهم إلى النَّصَف، وقَطَع عنهم الحجة، يعني: وفد نجران١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-، مثله١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- في قوله: ﴿تعالوا إلى كلمة﴾ الآية، قال: بلغني: أنّ النبيَّ ﷺ دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك، فأَبَوْا عليه، فجاهدهم حتى أقرُّوا بالجزية١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿سواء بيننا وبينكم﴾. قال: عدل. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ قول الشاعر: تلاقينا فقاضينا سواء ولكن جُرَّ عن حال بحال؟١
آثار متعلقة بالآية
٣ أقوالعن عبد الله بن عباس، قال: حدَّثني أبو سفيان: أنّ هِرَقْل دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، مِن محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على مَنِ اتَّبع الهدى، أمّا بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلِم يؤتِك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنّ عليك إثم الأَرِيسِيِّين١، ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا﴾ -إلى قوله-: ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾»٢
عن عبد الله بن عباس: أنّ كتاب رسول الله ﷺ إلى الكفار: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية١
عن محمد بن إسحاق، قال: وهذا كتاب النبي ﷺ إلى النَّجاشِيِّ: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب مِن محمد النبيِّ إلى النجاشي الأَصْحَم١، عظيم الحبشة. سلام على مَن اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتَّخِذ صاحبة ولا ولدًا، وأنّ محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله؛ فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم، و﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله﴾، فإن أبيتَ فعليك إثم النصارى قومك»٢
نزول الآية
قول واحدوقفات تدبرية في الآية ٦٤ من سورة آل عمران
١٢ وقفةً في هذه الآية
-
رسالته عليه السلام والسلام إلى هرقل في الصحيحين: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بداعية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فعليك إثم الأريسيين و ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون )
— عبدالله بلقاسم
-
قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة .......كلمة...الحق ليس بكثرة الثرثرة.
— عبدالله بلقاسم
-
الداعيةُ الحكيمُ هو الذي يأتي بجوامع الحقّ ، التي يتآلف عليها الناس : ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ﴾
— روائع القرآن
-
تطبيقات تدبرية سورة آل عمران أية 64
— صالح المغامسي
-
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ) نقلها كما جاءت تدل على امتثال النبي صلى الله عليه وسلم للوحي ونقله كما جاء .
— محمد متولي الشعراوي
-
مجالس في تدبر القرآن تدبر آية 64 سورة آل عمران
— خالد السبت
-
حكم قرآنية سورة آل عمران آية 64
— عمرو خالد
-
آية (٦٤) : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) * (تَعَالَوْاْ) فعل أمر بالاجتماع في مكان عالٍ، وهو تمثيل رائع حيث جعل هذا المكان المرتفع هو (إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء) كلمة التوحيد وهو مكان سامٍ يسمو بمن يلحق به. * (فَإِن تَوَلَّوْاْ) جيء بحرف الشرط (إن) لأن التولّي بعد نهوض الحجة غريب الوقوع ولم يأت ب(إذا) التي تفيد كثرة الحدوث.
— مختصر لمسات بيانية
-
آية (64): *ما دلالة الفعل (تعالوا) فى قوله تعالى(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ (64) آل عمران)؟(ورتل القرآن ترتيلاً) ألا تجد أن في هذه الآية رفعة وسمواً فتأمل صيغة الأمر بفعل (تعالوا) والأصل فيه طلب الاجتماع في مكان عالٍ وهو هنا (الكلمة) وهو تمثيل رائع حيث جعل كلمة التوحيد تشبه المكان المراد به الارتفاع وهو مكان سامٍ يسمو بمن يلحق به. (فَإِن تَوَلَّوْاْ (64) آل عمران) جيء في هذا الشرط بحرف (إن) ولم يأت بغيره وما ذاك إلا لأن التولّي بعد نهوض الحجة وما قبلها من الأدلة غريب الوقوع وهذا من المعاني التي تفيدها (إن) التي جاءت في قوله تعالى (فإن تولوا) فتأمل!.
— برنامج ورتل القران ترتيلا
-
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ) نجد في القرآن مواضع (قل يا أهل الكتاب) ومواضع (يا أهل الكتاب) بدون الأمر (قل) فما الفرق بينهما ؟ الله سبحانه وتعالى يتلطف أحياناً مع عباده، فيجعلهم أهلاً لمخاطبته مباشرة، فيقول(يا أهل الكتاب)، وإذا خاطبهم ب(قل يا أهل الكتاب)، فمعناه أنهم لم يبلغوا السمو الذي يخاطبهم به مباشرة. ويوضح ذلك، لو وقع جدال بينك وبين شخص ،وطال الجدال بينكما، وهناك شخص ثالث موجود، وتريد إسكات المجادل، فتقول للشخص الثالث " قل لهذا فليسكت" فتترفع عن مخاطبته مباشرة .
— محمد متولي الشعراوي
-
قال تعالى في آل عمران: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ (64) وقال في سورة هود: ﴿قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾ (54، 55). سؤال: لماذا قال في آية عمران: ﴿ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ فجاء بالباء مع (أنا) ولم يذكرها في قوله: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ فلم يقل: (بأني بريء) مع أن الفعل فيهما واحد وهو قوله: (اشهدوا)؟ الجواب: إن الباء مُقدرة في قوله تعالى: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ والمصدر المؤول منصوب على نزع الخافض لأن (شهد) بهذا المعنى يتعدى بالباء وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقّ﴾ (الزخرف :86)، وقوله: ﴿وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا﴾ (يوسف: 81). ومعلوم أن الذكر أقوى وآكد من الحذف فقوله: ﴿ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ أقوى وآكد من قوله: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ وسياق كل الآيتين يوضح ذلك. قال تعالى في آل عمران: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ٦٤﴾ [آل عمران: 64]. وقال في سورة هود: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ٥٥﴾ [هود: 54-55]. ومن النظر في كل من الموضعين يتضح أن ما ذكره رسول الله آل عمران أكثر مما قاله نبي الله هود في سورة هود. فقد قال في آل عمران: 1- ﴿أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ 2- ﴿وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا﴾ 3- ﴿ا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ وأما في هود فقد ذكر البراءة من الشرك فقط فقال: ﴿أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾، وهو واحد مما جاء في آل عمران. ثم لو نظرنا فيما جاء عن الشرك في كل الموضعين لوجدنا أن ما في آل عمران أقوى وأعم فقد قال فيها: ﴿وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا﴾ أي: أيّ شيء كان، وهذا التعبير يحتمل معنيين: لا نشرك به شيئًا من الشرك ولا نشرك به شيئًا من الأشياء. في حين قال في هود: ﴿أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾ فإنه ذكر البراءة مما يشرك قومه. فكان ما في آل عمران أعم وأشمل لأنه نفى كل أنواع الشرك ويدخل فيه ما ذكره في هود. فكان ما في آل عمران أقوى وآكد وأعم فناسب ذكر الباء فيه، ولما كان ما في هود جزءًا مما ذكر في آل عمران ناسب الحذف، والحذف في نحو هذا قياس كما هو معلوم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 33 : 35)
— فاضل السامرائي
-
من أدلة القائلين بجواز قراءة القرآن للجنب. الرسول -عليه الصلاة والسلام- حينما بعث الكتاب إلى هرقل، وفيه قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ} [(64) سورة آل عمران] استدل به من يقول بجواز القراءة -قراءة القرآن- من الكافر، والكافر جنب؛ لأنه تحصل له الجنابة ولا يغتسل، ولو اغتسل غسله لا يجزئ؛ لأنه غير منوي، ولذا يتسامح بعضهم في الآية وبعض الآية، إذاً هل يقول الجنب: إذا أراد أن يأكل، أو أراد أن يدخل، أو أراد أن يخرج، أو أراد أن... بسم الله الرحمن الرحيم مثلاً؟ والبسملة جزء من آية في سورة النمل اتفاقاً، والخلاف فيما عدا ذلك هل هي جزء من الفاتحة؟ هل هي آية من الفاتحة؟ أو آية من كل سورة؟ أو آية مستقلة نزلت الفصل بين السور؟ أقوال لأهل العلم، لكن الإجماع على أنها بعض آية من سورة النمل، فعلى هذا لا تدخل في المنع إلا على قول من يرى أنها آية مستقلة من أوائل السور، أو نزلت للفصل بين السور، على أن منهم من قال: إن للجنب والحائض أن تقرأ الآية الكاملة إذا لم ترد التلاوة، إذا كان لا يريد التلاوة، لم يقصد التلاوة وإنما قصد الذكر، شخص له ورد يومي لا يقصد تلاوة القرآن، وفي ضمن هذا الورد بعض القرآن، آية الكرسي مثلاً، منهم من يقول: إذا لم يقصد به التلاوة له أن يقرأ، لكن القرآن كلام الله، كلام عظيم، ينبغي أن يقرأ ويتلى على أكمل هيئة، فعلى الإنسان أن يحرص على أن لا يقرأ إلا على طهارة، لا سيما في الحدث الأكبر، أما الحدث الأصغر تقدم حكم مس المصحف، وأما التلاوة من غير مس فلا بأس بها.
— عبدالكريم الخضير
فتاوى متعلقة بالآية ٦٤ من سورة آل عمران
فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية
- متى نزل قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
- يقول السائل: ما هو تفسير قول الحق تبارك وتعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ...
ترجمات معاني الآية ٦٤ من سورة آل عمران
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(64) Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."[128] But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."
[128]- By obeying another in disobedience to Allāh.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا