جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل لهؤلاء المعرضين عنك المكذّبين بآيات الله : أيها القوم، لا تحسبنّ الله غافلاً عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون، وكيف يغفل عن أعمالكم أو يترك مجازاتكم عليها وهو غير غافل عن عمل شيء دبّ على الأرض صغير أو كبير ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء ؟ بل جعل ذلك كله أجناسا مجنسة وأصنافا مصنفة، تعرف كما تعرفون وتتصرّف فيما سخُرتْ له كما كما تتصرّفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومثبت كلّ ذلك من أعمالها في أمّ الكتاب، ثم أنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاء أعمالها. يقول : فالربّ الذي لم يضيع حفظ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض والطير في الهواء حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها وأثبت ذلك منها في أمّ الكتاب وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء، أحرى أن لا يضيع أعمالكم ولا يفرط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها أيها الناس حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، إذ كان قد خصكم من نعمه وبسط عليكم من فضله ما لم يعمّ به غيركم في الدنيا، وكنتم بشكره أحقّ وبمعرفة واجبه عليكم أولى لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميزون والفهم الذي لم يعطه البهائم والطير الذي به بين مصالحكم ومضارّكم تفرّقون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ أصناف مصنفة تعرف بأسمائها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿وَمَا مِنْ دَابّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ يقول : الطير أمة، والإنس أمة، والجنّ أمة.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله :﴿إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ يقول : إلاّ خلقٌ أمثالُكم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله :﴿وَمَا مِنْ دَابّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ قال : الذرّة فوقها من ألوان ما خلق الله من الدوابّ.
وأما قوله : ما فَرّطْنا فِي الكِتابِ مِنْ شَيْءٍ فإن معناه : ما ضيعنا إثبات شيء منه. كالذي :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿ما فَرّطْنا فِي الكِتابٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما تركنا شيئا إلاّ قد كتبناه في أمّ الكتاب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿ما فَرّطْنا فِي الكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال : لم نغفل الكتاب، ما من شيء إلاّ وهو في الكتاب.
وحدثني به يونس مرّة أخرى، قال في قوله :﴿ما فَرّطْنا فِي الكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال : كلهم مكتوب في أمّ الكتاب.
وأما قوله :﴿ثُمّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى حشرهم الذي عناه الله تعالى في هذا الموضع. فقال بعضهم : حَشْرُها مَوْتها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سعيد، عن مسروق، عن عكرمة، عن ابن عباس :﴿وَمَا مِنْ دَابّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ قال ابن عباس : موت البهائم حَشْرُها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿ثُمّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال : يعني بالحشر : الموت.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال : حدثنا عبيد بن سليم، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿ثُمّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يعني بالحشر : الموت.
وقال آخرون : الحشر في هذا الموضع يعني به الجمع لبعث الساعة وقيام القيامة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، في قوله :﴿إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ما فَرّطْنا فِي الكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم، والدوابّ، والطير، وكلّ شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول : كوني ترابا، فذلك يقول الكافر :﴿يا لَيْتَني كُنْتُ تُرابا﴾.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن الأعمش، ذكره عن أبي ذرّ، قال : بينا أنا عند رسول الله ﷺ، إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ :«أتَدْرُونَ فِيما انْتَطَحتَا » ؟ قالوا : لا ندري، قال :«لَكِنِ اللّهُ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُما ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن سليم، قال : حدثنا مطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذرّ قال : انتطحت شاتان عند النبيّ ﷺ، فقال لي :«يا أبا ذَرّ أتَدْرِي فِيمَ انْتَطَحتَا » ؟ قلت : لا، قال :«لَكِنِ اللّهُ يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُما ». قال أبو ذرّ : لقد تركنا رسول الله ﷺ، وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلاّ ذكَّرنا منه علما.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى أخبر أن كلّ دابة وطائر محشور إليه، وجائز أن يكون معنيا بذلك حشر القيامة، وجائز أن يكون معنيا به حشر الموت، وجائز أن يكون معنيا به الحشران جميعا. ولا دلالة في ظاهر التنزيل ولا في خبر عن النبيّ ﷺ أيّ ذلك المراد بقوله :﴿ثُمّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ إذ كان الحشر في كلام العرب : الجمع، ومن ذلك قول الله تعالى :﴿والطّيْرَ مَحْشُورَةً كُلّ لَهُ أوّابٌ﴾ يعني مجموعة : فإذ كان الجمع هو الحشر وكان الله تعالى جامعا خلقه إليه يوم القيامة وجامعهم بالموت، كان أصوب القول في ذلك أن يُعمّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها، وأن يقال : كلّ دابة وكلّ طائر محشور إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة، إذ كان الله تعالى قد عمّ بقوله :﴿ثُمّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ولم يخصص به حشرا دون حشر.
فإن قال قائل : فما وجه قوله :﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وهل يطير الطائر إلاّ بجناحيه ؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة ؟ قيل : قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب بلسان قوم وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم، فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا : كلمت فلانا بفمي، ومشيت إليه برجلي، وضربته بيدي خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم ويستعملونه في خطابهم، ومن ذلك قوله تعالى :﴿إنّ هَذَا أخي لَهُ تسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ولي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المعرضين عنك، المكذبين بآيات الله: أيها القوم، لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون! وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، (١) ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة، (٢) تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب، ثم إنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاءَ أعمالها. يقول: فالرب الذي لم يضيِّع حفظَ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض، والطير في الهواء، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها، وأثبت ذلك منها في أم الكتاب، وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء، أحرى أن لا يُضيع أعمالكم، ولا يُفَرِّط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها، أيها الناس، حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إذ كان قد خصكم من نعمه، وبسط عليكم من فضله، ما لم يعمَّ به غيركم في الدنيا، وكنتم بشكره أحقَّ، وبمعرفة واجبه عليكم أولى، لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميِّزون، والفهم
(٢) انظر تفسير"أمة" فيما سلف ١٠: ٤٦٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢١١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أمم أمثالكم"، أصناف مصنفة تُعرَف بأسمائها.
١٣٢١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٢١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة.
١٣٢١٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"إلا أمم أمثالكم"، يقول: إلا خلق أمثالكم.
١٣٢١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله:"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، قال: الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب.
* * *
وأما قوله:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"، فإن معناه: ما ضيعنا إثبات شيء منه، كالذي:-
١٣٢١٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"، ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.
١٣٢١٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:
١٣٢١٨- وحدثني به يونس مرة أخرى، قال في قوله:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"، قال: كلهم مكتوبٌ في أم الكتاب.
* * *
وأما قوله:"ثم إلى ربهم يحشرون"، فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى"حشرهم"، الذي عناه الله تعالى ذكره في هذا الموضع. (٢)
فقال بعضهم:"حشرها"، موتها.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢١٩- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سعيد، عن مسروق، عن عكرمة، عن ابن عباس:"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، قال ابن عباس: موت البهائم حشرها. (٣)
١٣٢٢٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ثم إلى ربهم يحشرون"، قال: يعني بالحشر، الموت.
١٣٢٢١- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ثم
(٢) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: ٢٩٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) الأثر: ١٣٢١٩ -"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي"، سلف قريبًا رقم: ١٣١٧٧، وكان هنا في المطبوعة والمخطوطة أيضًا"عبد الله بن موسى"، وهو خطأ، أشرت إليه فيما سلف.
* * *
وقال آخرون:"الحشر" في هذا الموضع، يعني به الجمعُ لبعث الساعة وقيام القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر = عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة في قوله:"إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون"، قال: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء، ثم يقول:"كوني ترابًا"، فلذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [سورة النبأ: ٤٠]. (١)
١٣٢٢٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر=، عن الأعمش، عمن ذكره، (٢) عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٣٠٨، ٣٠٩، ثم قال: "وقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١١، وزاد نسبته لأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. و"الجماء": الشاة إذا لم تكن ذات قرن. و"القرناء": الشاة الكبيرة القرن.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "عن الأعمش ذكره"، وهو سهو من الناسخ، صوابه من تفسير ابن كثير. وقوله"عمن ذكره" كأنه يعني: "منذر الثوري" أو "الهزيل بن شرحبيل" كما يتبين من التخريج.
١٣٢٢٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن سليم قال، حدثنا فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبي ﷺ فقال لي: يا أبا ذَرّ، أتدري فيم انتطحتا"؟ قلت: لا! قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما! قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلِّب طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا.
* * *
وإسناد هذه كلها إما منقطعة، كإسناد أبي جعفر = أو فيها مجاهيل، كأسانيد أحمد. ثم رواه أحمد في مسنده بغير هذا اللفظ، (٥، ١٧٢، ١٧٣) من طريق عبيد الله بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن الهزيل بن شرحبيل، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ كان جالسًا وشاتان تقترتان، فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: عجبت لها! والذي نفسي بيده ليقادن لها يوم القيامة". وكان في المسند: "عبد الرحمن بن مروان"، وهو خطأ، وإنما الراوي عن الهزيل، هو"ابن ثروان". وهذا إسناد حسن متصل.
* * *
فإن قال قائل: فما وجهُ قوله:"ولا طائر يطير بجناحيه"؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟
قيل: قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنزل هذا الكتاب بلسان قوم، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم. فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا:"كلمت فلانًا بفمي"، و"مشيت إليه برجلي"، و"ضربته بيدي"، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم، ويستعملونه في خطابهم، ومن ذلك قوله تعالى ذكره: (إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَي) [سورة ص: ٢٣]. (٢)
(٢) في المطبوعة: ذكر الآية كقراءتها في مصحفنا، هكذا: "إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة"، وليس هذا موضع استشهاد أبي جعفر، والصواب في المخطوطة كما أثبته. وهي قراءة عبد الله بن مسعود، وقد ذكرها أبو جعفر في تفسيره بعد (٢٣: ٩١، بولاق) ثم قال: [وذلك على سبيل توكيد العرب الكلمة، كقولهم: هذا رجل ذكر"، ولا يكادون يفعلون ذلك إلا في المؤنث والمذكر الذي تذكيره وتأنيثه في نفسه، كالمرأة والرجل والناقة، ولا يكادون أن يقولوا: "هذه دار أنثى، وملحفة أنثى"، لأن تأنيثها في اسمها لا في معناها].