جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لهؤلاء الأعراب المعتذرين إلى رسول الله ﷺ عند منصرَفه من سفره إليهم بقولهم : شَغَلَتْنا أمْوَالُنا وأهْلُونا ما تخلفتم خلاف رسول الله ﷺ حين شخص عنكم، وقعدتم عن صحبته من أجل شغلكم بأموالكم وأهليكم، بل تخلفتم بعده في منازلكم، ظنا منكم أن رسول الله ﷺ ومن معه من أصحابه سيهلكون، فلا يرجعون إليكم أبدا باستئصال العدوّ إياهم وزيّن ذلك في قلوبكم، وحسّن الشيطان ذلك في قلوبكم، وصححه عندكم حتى حسُن عندكم التخلف عنه، فقعدتم عن صحبته وَظَنَنْتُمْ ظَنّ السّوْءِ يقول : وظننتم أن الله لن ينصر محمدا ﷺ وأصحابه المؤمنين على أعدائهم، وأن العدوّ سيقهرونهم ويغلبونهم فيقتلونهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : سَيَقُولُ لَكَ المُخَلّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ. . . إلى قوله : وكُنْتُمْ قَوْما بُورا قال : ظنوا بنبيّ الله ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبيّ الله ﷺ.
وقوله : وكُنْتُمْ قَوْما بُورا يقول : وكنتم قوما هَلْكى لا يصلحون لشيء من الخبر. وقيل : إن البور في لغة أذرعات : الفاسد فأما عند العرب فإنه لا شيء. ومنه قول أبي الدرداء : فأصبح ما جمعوا بُورا أي ذاهبا قد صار باطلاً لا شيء منه ومنه قول حسّان بن ثابت :
| لا يَنْفَعُ الطّولُ مِن نُوك القُلوب وقدْ | يَهْدِي الإلَهُ سَبِيلَ المَعْشَرِ البُورِ |
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وكُنْتُمْ قَوْما بُورا قال : فاسدين.
وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وكُنْتُمْ قَوْما بُورا قال : البور الذي ليس فيه من الخير شيء.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وكُنْتُمْ قَوْما بُورا قال : هالكين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وكالذي قلنا في ذلك قال أهل العلم بسير رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ومغازيه، منهم ابن إسحاق.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق بذلك. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) قال: أعراب المدينة: جهينة ومزينة، استتبعهم لخروجه إلى مكة، قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوه، فقتلوا أصحابه فنقاتلهم! فاعتلوا بالشغل.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا) فقرأته قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة (ضَرًّا) بفتح الضاد، بمعنى: الضّر الذي هو خلاف النفع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين (ضُرّا) بضم الضاد، بمعنى البؤس والسَّقم.
وأعجب القراءتين إليّ الفتح في الضاد في هذا الموضع بقوله (أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا)، فمعلوم أن خلاف النفع الضرّ، وإن كانت الأخرى صحيحا معناها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ)... إلى قوله (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) قال: ظنوا بنبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وقوله (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) يقول: وكنتم قوما هَلْكى لا يصلحون لشيء من خير. وقيل: إن البور في لغة أذرعات: الفاسد; فأما عند العرب فإنه لا شيء. ومنه قول أبي الدرداء: فأصبح ما جمعوا بُوْرا أي ذاهبا قد صار باطلا لا شيء منه; ومنه قول حسان بن ثابت:
| لا يَنْفَعُ الطُّولُ مِن نُوك القُلوب وقدْ | يَهْدِي الإلَهُ سَبِيلَ المَعْشَر البُورِ (١) |