محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤٢ من سورة الحج في ٩١ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، وقول واحد من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤٢ من سورة الحج

٩١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذّبَ مُوسَىَ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا ﷺ عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضّا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب. وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به من الحقّ والبرهان، وما تَعِدُهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم مِن قبلهم، فلا يصدّنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني مشركي قريش قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول : كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكُذّبَ مُوسَى فقيل : وكذب موسى ولم يقل :«وقوم موسى »، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط. وقد قيل : إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة.
وقوله : فَأمْلَيْتُ للْكافِرِينَ يقول : فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب. ثُمّ أخَذْتُهُمْ يقول : ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يقول : فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا ؟ يقول : فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني مُنْجِزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
*ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسين الأشيب، قال: ثنا أبو جعفر عيسى بن ماهان، الذي يقال له الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) قال: كان أمرهم بالمعروف أنهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له; ونهيهم عن المنكر أنهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا ﷺ عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فقد كذبت قبلهم يعني مشركي قريش; قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول: كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكذب موسى، فقيل: وكذب موسى، ولم يقل: وقوم موسى، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط.
وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة.
وقوله: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ) يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) يقول: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)
يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾
يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون; يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يُعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه. وقوله: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) يقول: فباد أهلها وخلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت على عروشها; يعني على بنائها وسقوفها.
كما: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) قال: خواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (خاويَةٌ) قال: خربة ليس فيها أحد.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. مثله.
وقوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا
شاربة منها (وَ) من (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) رفيع بالصخور والجصّ، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم. والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على القرية. كان بعض نحويي الكوفة يقول: هما معطوفان على العروش بالعطف عليها خفضا، وإن لم يحسن فيهما، على أن العروش أعالي البيوت، والبئر في الأرض، وكذلك القصر، لأن القرية لم تخو على القصر، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال: (وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ) فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، ولها بئر معطلة وقصر مشيد؛ ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها، أتبعها في الإعراب العروش، والمعنى ما وصفت.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) قال: التي قد تُرِكت. وقال غيره: لا أهل لها.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) قال: عطلها أهلها، تركوها.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) قال: لا أهل لها.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) فقال بعضهم: معناه: وقصر مجصص.
*ذكر من قال ذلك:- حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، في قوله: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: مجصص.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن هلال بن
خباب، عن عكرمة، مثله.
حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثني غالب بن فائد، قال: ثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرمة، مثله.
حدثني الحسين بن محمد العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن عكرمة، في قوله: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: مجصص.
حدثني مطر بن محمد، قال: ثنا كثير بن هشام. قال. حدثنا جعفر بن برقان، قال: كنت أمشي مع عكرمة، فرأى حائط آجرّ مصهرج، فوضع يده عليه وقال: هذا المشيد الذي قال الله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوامّ، عن هلال بن خباب، عن عكرمة: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: المجصص. قال عكرِمة: والجصّ بالمدينة يسمى الشيد.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: بالقصة أو الفضة.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: بالقصة يعني بالجصّ.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: مجصص.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، في قوله: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: مجصص، هكذا هو في كتابي عن سعيد بن جبير.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصر رفيع طويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) يقول: طويل.
وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بالمشيد المجصص، وذلك أن الشيد في كلام العرب هو الجصّ بعينه; ومنه قول الراجز:
كَحَبَّةِ المَاءِ بينَ الطَّيّ والشِّيدِ (١)
فالمشيد: إنما هو مفعول من الشِّيد; ومنه قول امرئ القيس:
وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍوَلا أُطُما إلا مَشيدًا بِجَنْدَلِ (٢)
(١) هذا عجز بيت من البسيط، وليس من الرجز. وقال في اللسان: وحبب الماء بالكسر، وحببه وحبابه بالفتح: طرائقه والطي: الحجارة تبنى بها جدار البئر. والشيد، بكسر الشين: كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح: المصدر تقول شاده يشيده شيدا: جصصه، وبناء مشيد: معمول بالشيد.
(٢) البيت لامرئ القيس يصف السيل في معلقته المشهورة (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي، ص ٣٣) قال شارحه: تيماء: مدينة. والأطم: البيت المسطح، ويروى " ولا أجما "، وهو بمعنى الأطم. يقول: لم يدع السيل بيتا مبينا بحصى وحجارة إلا هدمه إلا المشيد بجندل فإنه سلم لقوته.
وفي (اللسان: شيد) : وبناء مشيد: معمول بالشيد. وكل ما أحكم من البناء فقد شيد، وتشييد البناء إحكامه ورفعه، والمشيد: المبني بالشيد وأنشد: " شاده مرمرا... البيت ". قال أبو عبيدة: البناء: المشيد (بالتشديد) : المطول. والمفهوم من نصوص اللغويين من بيت امرئ القيس ومن بيت عدي بن زيد الآتي بعد هذا، أن البناء المشيد بالتخفيف: هو المطول الذاهب في السماء، أو هو المحكم القوي. فيكون للمشيد إذن معنيان: الأول هو المطلي بالجص ونحوه لتزيينه. والثاني هو المبني بالجص ونحوه مع الصخور أو المرمر... الخ.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٦]

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)
يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَكْذِيبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ- إِلَى أَنْ قَالَ- وَكُذِّبَ مُوسى أَيْ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ أَيْ أَنْظَرْتُهُمْ وَأَخَّرْتُهُمْ، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي فيكف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لقومه: أنا ربكم الأعلى، وَبَيْنَ إِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَفِي الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأَ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ «١» ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَيْ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا وَهِيَ ظالِمَةٌ أي مكذبة لرسلها فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قَالَ الضَّحَّاكُ: سُقُوفُهَا، أي قد خربت وَتَعَطَّلَتْ حَوَاضِرُهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أَيْ لَا يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلَا يَرِدُهَا أَحَدٌ بَعْدَ كَثْرَةِ وَارِدِيهَا وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهَا وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قَالَ عِكْرِمَةُ يَعْنِي الْمُبَيَّضَ بِالْجِصِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْمَلِيحِ وَالضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ المنيف المرتفع. وقال آخرون:
المشيد الْمَنِيعُ الْحَصِينُ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْمِ أَهْلَهُ شِدَّةُ بِنَائِهِ وَلَا ارْتِفَاعُهُ وَلَا إِحْكَامُهُ وَلَا حَصَانَتُهُ عَنْ حُلُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [هود: ١٠٢].
وَقَوْلُهُ: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أَيْ بِأَبْدَانِهِمْ وَبِفِكْرِهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَوْحَى الله تعالى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنِ يَا مُوسَى اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَصًا، ثُمَّ سِحْ فِي الْأَرْضِ، ثم اطلب الآثار والعبر، حتى يتخرق النعلان وتنكسر الْعَصَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: قَالَ بَعْضُ الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالتفكر، وَمَوِّتْهُ بِالزُّهْدِ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ، وذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ الْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وذكره ما أصاب من
(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ١١، باب ٥، ومسلم في البر حديث ٦٢، والترمذي في تفسير سورة ١١، باب ٢.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : وإن يكذبك هؤلاء المشركون فلست بأول رسول كذب، وليسوا بأول أمة كذبت رسولها { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ*
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٤٢ - ٤٦} ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذبك هؤلاء المشركون فلست بأول رسول كذب، وليسوا بأول أمة كذبت رسولها ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ أي: قوم شعيب.
﴿وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ المكذبين، فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلتهم، حتى استمروا في طغيانهم يعمهون، وفي كفرهم -[٥٤١]- وشرهم يزدادون، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بالعذاب أخذ عزيز مقتدر ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: إنكاري عليهم كفرهم، وتكذيبهم كيف حاله، كان أشد العقوبات، وأفظع المثلات، فمنهم من أغرقه، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أهلك بالريح العقيم، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أرسل عليه عذاب يوم الظلة، فليعتبر بهم هؤلاء المكذبون، أن يصيبهم ما أصابهم، فإنهم ليسوا خيرا منهم، ولا كتب لهم براءة في الكتب المنزلة من الله، وكم من المعذبين المهلكين أمثال هؤلاء كثير، ولهذا قال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وكم من قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ بالعذاب الشديد، والخزي الدنيوي، ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ بكفرها بالله وتكذيبها لرسله، لم يكن عقوبتنا لها ظلما منا، ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: فديارهم متهدمة، قصورها، وجدرانها، قد سقطت عروشها، فأصبحت خرابا بعد أن كانت عامرة، وموحشة بعد أن كانت آهلة بأهلها آنسة، ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أي: وكم من بئر، قد كان يزدحم عليه الخلق، لشربهم، وشرب مواشيهم، ففقد أهله، وعدم منه الوارد والصادر، وكم من قصر، تعب عليه أهله، فشيدوه، ورفعوه، وحصنوه، وزخرفوه، فحين جاءهم أمر الله، لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليا من أهله، قد صاروا عبرة لمن اعتبر، ومثالا لمن فكر ونظر.
ولهذا دعا الله عباده إلى السير في الأرض، لينظروا، ويعتبروا فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ﴾ بأبدانهم وقلوبهم ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ آيات الله ويتأملون بها مواقع عبره، ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أخبار الأمم الماضين، وأنباء القرون المعذبين، وإلا فمجرد نظر العين، وسماع الأذن، وسير البدن الخالي من التفكر والاعتبار، غير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي: هذا العمى الضار في الدين، عمى القلب عن الحق، حتى لا يشاهده كما لا يشاهد الأعمى المرئيات، وأما عمى البصر، فغايته بلغة، ومنفعة دنيوية.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٤٢ من سورة الحج

من كتاب: إعراب القرآن

أن يكون يذكر فيها اسم الله عائدا على المساجد لا على غيرها لأن الضمير يليها، ويجوز أن يكون يعود على صوامع وما بعدها. ويكون المعنى: في وقت شرائعهم وإقامتهم الحدود والحقّ.

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤١ الى ٤٢]

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢)
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ قال أبو إسحاق: الَّذِينَ في موضع نصب ردا على «من» يعني في «ولينصرنّ الله من ينصره»، وقال غيره: «الذين» في موضع خفض ردّا على قوله أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ، ويكون الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ لأربعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يمكّن في الأرض غيرهم من الذين قيل فيهم: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وبهذه الآية يحتجّ في إمامة أبي بكر وعمر وغيرها من الآي. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا «١» ما في وَثَمُودُ من الصّرف وتركه.

[سورة الحج (٢٢) : آية ٤٥]

فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قال الضحاك: أي متروكة، وقرأ الجحدري وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ «٢» وإن المعنى واحد، وفي هذا أعظم الموعظة. وعظهم الله جلّ وعزّ بقوم قد أهلكوا وبقيت آثارهم يعرفونها. قال الأصمعي: سألت نافع بن أبي نعيم أتهمز البئر والذئب فقال: إذا كانت العرب تهمزها فأهمزها، وأكثر الروايات عن نافع بهمزهما إلّا ورشا فإنّ روايته عنه بغير همز فيهما، والأصل الهمز. قال أحمد بن يحيى: الذئب مشتقّ من تذاءبت الريح، إذا جاءت من وجوه كثيرة، وكذلك الذئب. قال أبو جعفر: فإذا حذفت الهمزة، وهي ساكنة لم يكن بعد السكون إلّا قلبها إلى ما أشبه ما قبلها. والفراء يذهب إلى أن «وبئر» معطوفة على عروضها، وأبو إسحاق يذهب إلى أنها معطوفة من «قرية» أي ومن بئر، ثم قال: «أخذتها وإلى المصير». قال أبو إسحاق: أي بالعذاب، ثم حذف لأن قبله ما يدلّ عليه وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ.

[سورة الحج (٢٢) : آية ٥٢]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)
هذه آية مشكلة من جهتين: إحداهما أن قوما يرون أن الأنبياء فيهم مرسلون وغير
(١) مرّ في إعراب الآية ٧٣ من سورة الأعراف.
(٢) وهذه قراءة الحسن وجماعة أيضا، مخفّفة، انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٨، ومختصر ابن خالويه ٩٦.
مرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال: نبيّ حتى يكون مرسلا. والدليل على صحة هذا قوله جلّ وعزّ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ فأوجب للنبيّ الرسالة. وإنّ معنى نبيّ أنبأ عن الله جلّ وعزّ، ومعنى أنبأ عن الله جلّ وعزّ هو الإرسال بعينه. والجهة الأخرى التي فيها الإشكال الحديث المروي. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه بإسناده وهو أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ: «أفرأيتم اللات والعزّى فإنّ شفاعتهم ترتجى» «١» وسها كذا في رواية الزّهري، وفي رواية غيره «فإنهن الغرانيق العلى». قال أبو جعفر: وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك أنّ الحديث ليس بمتصل الإسناد، ولو اتّصل إسناده وصحّ لكان المعنى فيه صحيحا. فأما معنى «وسها» فإنّ معناه وأسقط. ويكون تقديره أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وتمّ الكلام، ثمّ أسقط والغرانيق العلى، يعني الملائكة فإن شفاعتهم، يعود الضمير على الملائكة. فأمّا من روى «فإنّهنّ الغرانيق العلى» ففي روايته أجوبة عنها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخا لأن قبله أفرأيتم فيكون هذا احتجاجا عليهم. فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة، ويجوز أن يكون الضمير للملائكة كما يضمر ما يعرف معناه فينسخ الله جلّ وعزّ ذلك لما فيه من الصلاح. والذي فيه من الصلاح إزالة التمويه أن يموّه على قوم فيقال لهم: هذا الضمير للّات والعزّى، فأنزل الله جلّ وعزّ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ وفي الآية قولان آخران: أحدهما أن يكون المعنى لمّا تلا أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى قال رجل ألقى الشيطان على لسانه: فإنهنّ الغرانيق العلى، والقول الآخر أنّ علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس في قوله الله جلّ وعزّ:
إِلَّا إِذا تَمَنَّى قال: إذا تحدّث ألقى الرداءة الشيطان في أمنيته، قال: في حديثه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان. وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجلّه. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا.
والمعنى عليه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول له: لو سألت الله جلّ وعزّ أن يغنّمك كذا ليتّسع المسلمون، ويعلم الله جلّ وعزّ الصّلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان، كما قال ابن عباس وحكى الكسائي والفراء «٢» جميعا تمنّى إذا حدّث نفسه. وهذا هو المعروف في اللغة. وقد حكيا أيضا تمنّى إذا تلا، وروي ذلك عن الضحاك.
(١) انظر تفسير القرطبي ١٢/ ٨٠.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة الحج، الآيةُ ٤٢ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

٤٢ الكوفيّ المرجِع
٤٠ المدَنيَّان والمكِّيّ والبصريّ والدِمَشقيّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

عند آخِرِها ﴿ وثمود

يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ الكوفيّ البصريّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

الدِمَشقيّ

﴿وثمود﴾ آخِرُ هذه الآية: يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ والبصريّ رأسَ آية، ولا يَعُدُّه الدِمَشقيّ؛ فيَجعَلُها مع ما بعدَها آيةً واحدة.

مصادرُ التوثيق "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 47-48) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 47)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ٤٢ من سورة الحج

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

قول واحد من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن يكذبوك﴾ يا محمد، يُعَزِّي نبيَّه ﷺ؛ ليصبر على تكذيبهم إيّاه بالعذاب؛ ﴿فقد كذبت قبلهم﴾ يعني: قبل أهل مكة ﴿قوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم وقوم لوط﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٣٠.
التفسير بالمأثور لسورة الحج كاملة ←

ترجمات معاني الآية ٤٢ من سورة الحج

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(42) And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال