جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي. " وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ " يقول : لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلوا دون أهل معصيته، وإنّ أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا. يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : فلا تعجبنّ من كثرة من يعصى الله فيمهله ولا يعاجله بالعقوبة فإن العقبى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم. كما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :" لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطّيّبُ وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ " قال : الخبيث : هم المشركون والطيّب : هم المؤمنون.
وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله ﷺ، فالمراد به بعض أتباعه، يدلّ على ذلك قوله : " فاتّقُوا اللّهَ يا أُولي الألْبابِ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ".
القول في تأويل قوله تعالى :" فاتّقُوا اللّهَ يا أُولي الألْبابِ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ".
يقول تعالى ذكره : واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث، فتصيروا منهم. " يا أولي الألْبابِ " يعني بذلك : أهل العقول والحجا، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه. " لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ " يقول : اتقوا الله لتفلحوا : أي كي تنجحوا في طلبتكم ما عنده.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب= فحقيق أن يُتَّقى، وأن يُطاع فلا يعصى.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي (٢) = ولو أعجبك كثرة الخبيث"، يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله، ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته= وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا.
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم، كما:-
(٢) انظر تفسير: "استوى" فيما سلف ٩: ٨٥= وتفسير"الخبيث" فيما سلف ٥: ٥٥٨، ٥٥٩/٧: ٤٢٤، ٥٢٧= وتفسير"الطيب" فيما سلف ١٠: ٥١٣ تعليق: ٣، والمراجع هناك.
* * *
وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمراد به بعض أتباعه، يدل على ذلك قوله:"فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون"
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث، فتصيروا منهم="يا أولي الألباب"، يعني بذلك أهلَ العقول والحِجَى، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه. (١) ="لعلكم تفلحون"، يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده. (٢)
* * *
(٢) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ١٠: ٥٦٤ تعليق: ١، والمراجع هناك.