جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله لا تُلْهِكُمْ أمْوَالكُمْ يقول : لا توجب لكم أموالكم وَلا أوْلادُكُمْ اللهو عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وهو من ألهيته عن كذا وكذا، فلها هو يلهو لهوا ومنه قول امرئ القيس :
| وَمِثْلكِ حُبْلَى قد طرَقْتُ وَمُرْضِعٍ | فألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائمَ مُحْوِلِ |
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك يا آيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أمْوَالُكُمْ وَلا أوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ قال : الصلوات الخمس.
وقوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يقول : ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر الله فأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ يقول : هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته تبارك وتعالى.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة "أن عبد الله بن عبد الله بن أُبي أتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيره فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبيّ يمشي في الناس فأقتلَه، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخلَ النارَ؛ فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " بَلْ نَرْفُقْ بِهِ وَنُحِسنْ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا"، وجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه ويتوعدونه، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: "كَيْفَ تَرَى يا عُمَرُ، أما واللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لأرْعَدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتَهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتَهُ"؛ قال: فقال عمر: قد والله علمت لأمرُ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أعظم بركة من أمري.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ) يقول: لا توجب لكم أموالكم (وَلا أَوْلادُكُمْ) اللهو (عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) وهو من ألهيته عن كذا وكذا، فلها هو يلهو لهوًا؛ ومنه قول امرئ القيس:
وَمِثْلكِ حُبْلَى قد طَرَقَتُ وَمُرْضِعٍ فألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائمَ مُحْوِلِ (٢)
(٢) البيت لامرئ القيس. وقد سبق استشهاد المؤلف به في الجزء (١٧: ١١٤) وشرحنا هناك شرحا مفصلا، فراجعه. وموضع الشاهد فيه هنا قوله "فألهيتها" وأصله من اللهو، وهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك. من هوى وطرب ونحوهما، يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوا، وتلهيت به إذا لعبت وتشاغلت، وغفلت به عن غيره. وتقول: ألهاني فلان عن كذا: أي شغلني وأنساني، وكأن الهمزة فيه للسلب.