جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : إن الله لا يحبّ المختال الفخور، الذي يبخل ويأمر الناس بالبخل. ف «الذين » يحتمل أن يكون في موضع رفع ردّا على ما في قوله ﴿فَخُورا﴾ من ذمّ، ويحتمل أن يكون نصبا على النعت ل «مَنْ ». والبخل في كلام العرب منع الرجل سائله ما لديه وعنده من فضل عنه. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس عن أبيه في قوله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ قال : البخل : أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ : أن يشحّ على ما في أيدي الناس. قال : يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلّ والحرام لا يقنع.
واختلف القراء في قراءة قوله :﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ فقرأته عامة قراء أهل الكوفة :«بالبَخَل » بفتح الباء والخاء. وقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين بضم الباء :﴿بالبُخْلِ﴾. وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في قراءته. وقد قيل : إن الله جلّ ثناؤه عنى بقوله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ : الذين كتموا اسم محمد ﷺ وصفته من اليهود، ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرميّ :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمْ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال : هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم وكتموا ذلك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾. . . إلى قوله :﴿وكانَ اللّهُ بِهِمْ عَلِيما﴾ ما بين ذلك في يهود.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ وهم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحقّ الله عليهم، وكتموا الإسلام ومحمدا ﷺ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، أما :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ فهم اليهود، ﴿وَيكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ اسم محمد ﷺ. أو ﴿يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ : يبخلون باسم محمد ﷺ، ويأمر بعضهم بعضا بكتمانه.
حدثنا محمد بن مسلم الرازي، قال : ثني أبو جعفر الرازي، قال : حدثنا يحيى، عن عارم، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ قال : هذا للعلم، ليس للدنيا منه شيء.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ﴾ قال : هؤلاء يهود، وقرأ :﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمْ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال : يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب، إذا سئلوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه. وقرأ :﴿أمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرا﴾ من بخلهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالاً من الأنصار، وكانوا يخالطونهم، يتنصحون لهم من أصحاب رسول الله ﷺ، فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون ! فأنزل الله فيهم :﴿الّذِينَ يَبْخَلُونَ ويأْمُرُونَ النّاسَ بالبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ : أي من النبوّة التي فيها تصديق ما جاء به محمد ﷺ، ﴿وأعْتَدنْا للْكافِرِينَ عَذَابا مُهِينا﴾. . . إلى قوله :﴿وكانَ اللّهُ بِهِمْ عَلِيما﴾.
فتأويل الآية على التأويل الأوّل : والله لا يحبّ ذوي الخيلاء والفخر الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس من اسم محمد ﷺ ونعته وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، وهم به عالمون، ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك، مثل علمهم بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته من حرم الله عليه كتمانه إياه.
وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد : إن الله لا يحبّ من كان مختالاً فخورا، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم. ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء.
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله الذين قالوا : إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الاَية بالبخل، بتعريف من جهل أمر محمد ﷺ أنه حقّ، وأن محمدا لله نبيّ مبعوث، وغير ذلك من الحقّ الذي كان الله تعالى ذكره قد بينه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه، فبخل بتبيينه للناس هؤلاء، وأمروا من كانت حاله حالهم في معرفتهم به أن يكتموه من جهل ذلك، ولا يبينوه للناس.
وإنما قلنا : هذا القول أولى بتأويل الاَية¹ لأن الله جلّ ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقا، بل ترى ذلك قبيحا، ويُذمّ فاعله، ولا يمتدح¹ وإن هي تخلقت بالبخل واستعملته في أنفسها، فالسخاء والجود تعدّه من مكارم الأفعال، وتحثّ عليه¹ ولذلك قلنا : إن بخلهم الذي وصفهم الله به إنما كان بخلاً بالعلم الذي كان الله آتاهموه، فبخلوا بتبيينه للناس، وكتموه دون البخل بالأموال. إلا أن يكون معنى ذلك الذين يبخلون بأموالهم التي ينفقونها في حقوق الله وسبله، ويأمرون الناس من أهل الإسلام بترك النفقة في ذلك، فيكون بخلهم بأموالهم وأمرهم الناس بالبخل. فهذا المعنى على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس، فيكون لذلك وجه مفهوم في وصفهم بالبخل وأمرهم به.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وأعْتَدنْا للكافِرِينَ عَذَابا مُهِينا﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه ﴿وأعْتَدنْا﴾ : وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم من المعرفة بنبوّة محمد ﷺ، المكذّبين به بعد علمهم به، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أَمَرَهم الله ببيانه له من الناس، ﴿عَذَابا مُهِينا﴾ يعني : العقاب المذلّ من عذّب بخلوده فيه عتادا له في آخرته، إذا قدم على ربه وجده بما سلف منه من جحوده فَرْضَ الله الذي فرض عليه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٩٤٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إن الله لا يحب من كان مختالا"، قال: متكبرًا، ="فخورا"، قال: يعدّ ما أُعطي، وهو لا يشكر الله.
٩٤٩٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهرويّ قال: لا تجد سيِّئ الملِكة إلا وجدته مختالا فخورًا. (١) وتلا"وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا" = ولا عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًا. وتلا (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [سورة مريم: ٣٢]
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله لا يحب المختال الفخور، الذي يبخل ويأمر الناسَ بالبخل.
= فـ"الذين" يحتمل أن يكون في موضع رفع، ردًّا على ما في قوله:"فخورًا"، من ذِكرٍ = (٢) ويحتمل أن يكون نصبًا على النعت ل"مَنْ".
(٢) في المطبوعة: "من ذم"، ولا معنى له البتة. والصواب من المخطوطة، والمراد بقوله: "ذكر"، الضمير، وقد رد هذا الوجه أبو حيان في تفسيره ٣: ٢٤٧، ولم ينسبه للطبري.
٩٤٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"، قال: البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه ="والشح": أن يشٍح على ما في أيدي الناس. قال: يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحِلِّ والحرام، لا يقنع.
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"ويأمرون الناس بالبخل".
* * *
فقرأته عامة قرأة أهل الكوفة:"بِالْبَخَلِ" بفتح"الباء" و"الخاء".
وقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض البصريين بضم"الباء":"بِالْبُخْلِ".
قال أبو جعفر: وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في قراءته.
* * *
وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"، الذين كتموا اسمَ محمد ﷺ وصفته من اليهود ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
*ذكر من قال ذلك:
٩٤٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم
٩٤٩٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل" إلى قوله:"وكان الله بهم عليما"، ما بين ذلك في يهود.
٩٤٩٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٤٩٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"، وهم أعداءُ الله أهلُ الكتاب، بخلوا بحقّ الله عليهم، وكتموا الإسلام ومحمدًا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
٩٤٩٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"، فهم اليهود ="ويكتمون ما آتاهم الله من فضله"، اسمَ محمدٍ ﷺ = (١) وأما:"يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"، يبخلون باسم محمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرُ بعضهم بعضًا بكتمانه.
٩٤٩٩ - حدثنا محمد بن مسلم الرازي قال، حدثني أبو جعفر الرازي قال، حدثنا يحيى، عن عارم، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، في قوله:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"، قال: هذا للعلم، ليس للدنيا منه شيء.
٩٥٠٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"، قال: هؤلاء يهود. وقرأ:"ويكتمون ما آتاهم الله من فضله"، قال: يبخلون بما آتاهم الله من الرزق،
٩٥٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان كَرْدَم بن زيد، حليفُ كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبَحْريّ بن عمرو، وحُيَيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار، = وكانوا يخالطونهم، ينتصحون لهم = من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون! فأنزل الله فيهم:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله"، أي: من النبوة، (١) التي فيها تصديق ما جاء به محمد ﷺ ="وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا"، إلى قوله:"وكان الله بهم عليمًا". (٢)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية على التأويل الأول: والله لا يحبّ ذوي الخُيلاء
(٢) الأثر: ٩٥٠١ - رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته ٢: ٢٠٨، ٢٠٩، وهو تابع الآثار التي آخرها: ٨٣٣٨ فيما مضى قديمًا.
أما "كردم بن زيد" فإنه في سيرة ابن هشام: "كردم بن قيس"، وهو المذكور في سيرة ابن هشام ٢: ١٦٠، أيضًا أنه حليف كعب بن الأشرف، من بني النضير. أما "كردم بن زيد" في رواية الطبري عن ابن إسحاق، فقد ذكره ابن هشام في سيرته ٢: ١٦٢، وعده من بني قريظة. هذا، والذين ذكرهم في هذا الأثر من اليهود منسوبون في سيرة ابن هشام، وهذه نسبتهم: "كردم بن قيس" و"حيي بن أخطب" من بني النضير = و"كردم بن زيد"، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، من بني قريظة = وبحري بن عمرو، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع.
* * *
وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد:"إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا"، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم، ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، ما قاله الذين قالوا: إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآية، بالبخل بتعريف من جهل أمرَ محمد ﷺ أنه حقّ، وأنّ محمدًا لله نبيّ مبعوث، وغير ذلك من الحق الذي كان الله تعالى ذكره قد بيّنه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه. فبخل بتبيينه للناس هؤلاء، وأمروا من كانت حاَله حالَهم في معرفتهم به: أن يكتموه من جَهِل ذلك، ولا يبيِّنوه للناس.
وإنما قلنا: هذا القول أولى بتأويل الآية، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمرُ الناس بالبخل ديانةً ولا تخلُّقًا، بل ترى ذلك قبيحًا وتذمَّ فاعله؛ (١) وَتمتدح - وإن هي تخلَّقَت بالبخل واستعملته في أنفسها - بالسخاء والجود، (٢) وتعدُّه من مكارم
(٢) في المطبوعة: "ولا يمتدح... فالسخاء، تعده... "، لما أخطأ في قراءة الكلمة السالفة، غير ما في المخطوطة كل التغيير زاد"لا" في"ويمتدح"، وجعل"بالسخاء""فالسخاء"، وجعل"وتعده"، "تعده" بحذف الواو = أراد أن تستقيم العبارة ففسدت فسادًا مطلقًا بلا قيد ولا شرط!!
هذا، وسياق الجملة: "بل ترى ذلك قبيحًا وتذم فاعله، وتمتدح... بالسخاء والجود، وتعده من مكارم الأخلاق"، وأتى بقوله: "وإن هي تخلقت بالبخل، واستعملته في أنفسها"، اعتراضًا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾
قال أبو جعفر: يعني: بذلك جل ثناؤه:"وأعتدنا"، وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم، (٢) من المعرفة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، المكذبين به بعد علمهم به، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أمرَهم الله ببيانه له من الناس ="عذابًا مهينًا"، يعني: العقابَ المذلّ مَن عُذِّب بخلوده فيه، (٣) عَتادًا له في آخرته، إذا قَدِم على ربه وَجدَه، بما سلف منه من جحوده فرضَ الله الذي فرضَه عليه. (٤)
* * *
(٢) انظر تفسير: "أعتدنا" فيما سلف ٨: ١٠٣.
(٣) انظر تفسير: "المهين" فيما سلف ٢: ٣٤٧، ٣٤٨ / ٧: ٤٢٣ / ٨: ٧٢.
(٤) في المطبوعة: "وآخذه بما سلف... " والصواب ما في المخطوطة، فإن أول هذه الجملة"إذا قدم على ربه، وجد... "، وهو تفسير"العتاد".