محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٩ من سورة النساء في ٩٩ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، وقولانِ من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٩ من سورة النساء

٩٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَأَنْفَقُواْ مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : أيّ شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر، لو آمنوا بالله واليوم الاَخر، لو صدّقوا بأن الله واحد لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالبعث بعد الممات، وصدّقوا بأن الله مجازيهم بأعمالهم يوم القيامة ﴿وأنفقُوا ممّا رزقهُم اللّهُ﴾ يقول وأدّوا زكاة أموالهم التي رزقهم الله، وأعطاهموها طيبة بها أنفسهم، ولم ينفقوها رئاء الناس التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله، والمحمدة بالباطل عند الناس، وكان الله بهؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقا، وهم بالله واليوم الاَخر مكذّبون، عليما، يقول : ذا علم بهم وبأعمالهم وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم، وما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرياء والسمعة والمحمدة في الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها جزاءهم عنا معادهم إليه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأيّ شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ="لو آمنوا بالله واليوم الآخر"، لو صدّقوا بأن الله واحدٌ لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالبعث بعد الممات، وصدّقوا بأن الله مُجازيهم بأعمالهم يوم القيامة ="وأنفقوا مما رزقهم الله"، يقول: وأدّوا زكاة أموالهم التي رَزَقهم الله وأعطاهموها، طيبةً بها أنفسهم، ولم ينفقوها رئاء الناس، التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله، والمحمدة بالباطل عند الناس ="وكان الله"، بهؤلاء الذين وصَف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقًا، وهم بالله واليوم الآخر مكذّبون ="عليمًا"، يقول: ذا علم بهم وبأعمالهم، (١) وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم ما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرَياء والسُّمعة والمحمدة في الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفَى عليه شيء منها، حتى يجازيهم بها جزاءهم عند مَعادهم إليه.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم
(١) في المخطوطة: "ذو علم" بالرفع، ولا بأس به.
الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله"، فَإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه، من ثواب نفقته في الدنيا، ولا من أجرها يوم القيامة ="مثقال ذَرّة"، أي: ما يزنها ويكون على قدر ثِقَلها في الوزن، ولكنه يجازيه به ويُثيبه عليه، كما:-
٩٥٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: أنه تلا"إن الله لا يظلم مثقال ذرّة وإن تَك حسنةً يضاعفها"، قال: لأنْ تفضُل حسناتي في سيئاتي بمثقال ذرّة، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها. (١)
٩٥٠٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان بعض أهل العلم يقول: لأنْ تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذَرّة أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا.
* * *
وأما"الذرة" فإنه ذكر عن ابن عباس أنه قال فيها، كما:-
٩٥٠٤ - حدثني إسحاق بن وهب الواسطيّ قال، حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"مثقال ذرة"، قال: رأس نَملة حَمراء. (٢)
* * *
= قال أبو جعفر: قال لي إسحاق بن وهب: قال يزيد بن هارون: زعموا أن هذه
(١) غفرانك اللهم! إن ناشر المطبوعة يسيء إساءات لا عداد لها في تحريف الكلام، وتصرفه على غير أصل من فهم أو أمانة، فلم يحسن قراءة المخطوطة كما أثبتها، فجعل ما فيها لغوًا وكتب مكانه"لأن تفضل حسناتي ما يزن ذرة، أحب إلي من الدنيا وما فيها". ولا أدري، ما كان أغناه عن مثل هذا العمل المنكر!
(٢) الأثر: ٩٥٠٤ -"إسحاق بن وهب بن زياد العلاف" أبو يعقوب الواسطي. روى عنه البخاري، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم. مترجم في التهذيب.
و"أبو عاصم" هو: الضحاك بن مخلد. مضى مرارًا.
و"شيب بن بشر" روى عن أنس، وعكرمة، ثقة لين الحديث، يخطئ كثيرًا. مترجم في التهذيب.
الذرّة الحمراء، ليس لها وزن. (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك صحّت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٩٥٠٥ - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً، يُثابُ عليها الرزق في الدنيا، ويجزَى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامة لم تكن له حسنةً. (٢)
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا هشام بن سعد قال، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: والذي نَفسي بيده، ما أحدكم بأشدّ مُناشَدَةً في الحق يراه مصيبًا له، من المؤمنين في إخوانهم إذا رأوا أن قد خَلصُوا من النار، يقولون:"أي ربنا، إخواننا، كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، ويجاهدون معنا، قد أخذتهم النار"! فيقول الله لهم:"اذهبوا، فمن عرفتم صورته فأخرجوه"! ويحرِّم صورتهم على النار، فيجدون الرجل قد أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حَقْويه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون، فيقول:"اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فأخرجوه"! فيخرجون منها بشرًا كثيرًا. ثم
(١) في المطبوعة: "إن هذه الدودة الحمراء"، وهو خطأ محض، وفي المخطوطة: "إن هذه الدود الحمراء"، وهو تحريف.
(٢) الحديث: ٩٥٠٥ - أبو داود: هو الطيالسي.
"عمران": هو ابن داور القطان.
والحديث في مسند الطيالسي: ٢٠١١، بهذا الإسناد.
ورواه الإمام أحمد في المسند، من طريق همام، عن قتادة: ١٢٢٦٤، ١٢٢٩١، ١٤٠٦٣ (ج٣ ص١٢٣، ١٢٥، ٢٨٣ حلبي).
وكذلك رواه مسلم ٢: ٣٤٤-٣٤٥، من طريق همام. ثم رواه من طرق أخر.
وذكره ابن كثير ٢: ٤٥٠، من رواية الطيالسي.
وذكره السيوطي ٢: ١٦٣، ونسبه لهؤلاء.
يعودون فيتكلمون، فلا يزال يقولُ لهم ذلك حتى يقول:"اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرّة فأخرجوه" = فكان أبو سعيد إذا حدَّث بهذا الحديث قال: إن لم تصدقوا، فاقرأوا:"إنّ الله لا يظلم مثقال ذَرّة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا" = فيقولون:"رَبنا لم نَذرْ فيها خيرًا". (١)
٩٥٠٧ - وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ بنحوه. (٢)
* * *
وقال آخرون في ذلك، بما:-
٩٥٠٨ - حدثني به المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا صدقة بن أبي سهل قال، حدثنا أبو عمرو، عن زاذان قال: أتيت ابن مسعود فقال:
(١) الحديث: ٩٥٠٦ - جعفر بن عون بن عمرو بن حريث، المخزومي الكوفي: ثقة. أخرج له الجماعة.
والحديث قطعة من حديث طويل في الشفاعة. رواه الأئمة في الدواوين من أوجه كثيرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري:
فرواه الطيالسي: ٢١٧٩، عن خارجة بن مصعب، عن زيد.
ورواه أحمد في المسند: ١١١٤٤ (٣: ١٦-١٧ حلبي)، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن زيد.
ورواه أيضًا: ١١٩٢٢ (٣: ٩٤-٩٥ حلبي)، من طريق معمر، عن زيد.
ورواه مسلم ١: ٦٦-٦٧، من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد.
ثم رواه - ولم يذكر لفظه - من طريق جعفر بن عون، عن هشام بن سعد. وهي الطريق التي رواها الطبري هنا.
وستأتي الإشارة إلى رواية البخاري، في الحديث التالي.
(٢) الحديث: ٩٥٠٧ -"الليث": هو ابن سعد. خالد بن يزيد: هو الجمحي المصري."ابن أبي هلال": هو سعيد بن أبي هلال المصري.
والحديث مكرر ما قبله.
ورواه البخاري ١٣: ٣٥٨-٣٦١ (فتح)، من طريق الليث بن سعد، بهذا الإسناد. وذكر ابن كثير ٢: ٤٤٩ قطعة منه، نسبها للصحيحين.
إذا كان يومُ القيامة، جمع الله الأولين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله:"ألا من كان يطلب مظلمةً فليجئ إلى حقه فليأخذه"! قال: فيفرح والله المرءُ أن يَذُوب له الحقّ على والده، أو ولده، أو زوجته، فيأخذ منه، وإن كان صغيرًا (١) = ومصداق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) [سورة المؤمنون: ١٠١] = فيقال له:"ائت هؤلاء حقوقهم" = أي: أعطهم حقوقهم = فيقول:"أي رب، من أين وقد ذهبت الدنيا"؟ فيقول الله لملائكته:"أي ملائكتي، انظروا في أعماله الصّالحة، وأعطوهم منها"! فإن بقي مثقال ذَرّة من حسنة قالت الملائكة؛ وهو أعلم بذلك منها:"يا ربنا، أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة" فيقول للملائكة: ضعِّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة" = ومصداق ذلك في كتاب الله:"إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا"، أي: الجنة، يعطيها. وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته، قالت الملائكة، وهو أعلم بذلك:"إلهنا، فنيت حسناته وبقي سيئاته، وبقي طالبون كثيرٌ"! فيقول الله:"ضعِّفوا عليها من أوزارهم، واكتبوا له كتابًا إلى النار" (٢) قال صدقة: أو صكًّا إلى جهنم، شك صَدَقة أيتهما قال. (٣)
٩٥٠٩ - وحدثت عن محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب قال: سمعت زاذان يقول: قال عبد الله بن مسعود: يؤخذ بيد العبد والأمة يومَ القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين:"هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه"، فتفرح المرأة أنْ يَذُوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، (٤) ثم قرأ ابن مسعود: (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) [سورة المؤمنون: ١٠١]، فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصبُ للناس فيقول:"ائتوا إلى الناس حقوقهم"! فيقول:"رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول:"خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مَظْلمته". فإن كان وليًّا لله، ففضل له مثقال ذرّة، ضاعفها له حتى يُدخله بها الجنة = ثمّ قرأ علينا:"إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة" = وإن كان عبدًا شقيًّا، قال الملك:"رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير"! فيقول:"خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار". (٥)
* * *
(١) في المطبوعة: "فيفرح والله الصبي"، وفي المخطوطة: "فيفرح والله الصر أن يذوب"، وصواب قراءتها"المرء" كما أثبتها من المراجع المذكورة بعد.
"ذاب لي على فلان من الحق كذا، يذوب"، أي ثبت له ووجب.
(٢) في المطبوعة: "ضعوا عليها من أوزارهم"، وأثبت ما في المخطوطة. وانظر الأثر التالي.
(٣) الحديث: ٩٥٠٨ - صدقة بن أبي سهل: مترجم في التعجيل، ص: ١٨٥-١٨٦. والكبير ٢ / ٢ / ٢٩٨، برقم: ٢٨٩١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٣٤-٤٣٥، برقم: ١٩٠٧. ولم يذكرا فيه جرحًا، فهو ثقة.
وشيخه"أبو عمرو": لم أعرف من هو؟ ففي هذه الكنية كثرة.
"زاذان": هو الكندي الضرير. وهو تابعي ثقة معروف.
وانظر الإسناد التالي لهذا.
(٤) انظر تفسير"يذوب"، فيما سلف ص: ٣٦٣، تعليق رقم: ١.
(٥) الحديث: ٩٥٠٩ - هو تكرار للذي قبله بنحوه. ولكن الطبري جاء في أوله بصيغة التجهيل: "حدثت عن محمد بن عبيد". فضاع هذا الإسناد بهذا التجهيل.
ونقله ابن كثير ٢: ٤٤٩-٤٥٠، عن ابن أبي حاتم:
"حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة"، فزال الضعف عن أول الإسناد.
وهارون بن عنترة: مضى توثيقه وترجمته في: ٤٠٥.
عبد الله بن السائب الكندي، ويقال: الشيباني، الكوفي: ثقة معروف. روى عنه الأعمش والثوري. وأخرج له مسلم.
فهذا الإسناد - عند ابن أبي حاتم - إسناد صحيح.
والحديث أثر موقوف على ابن مسعود. ولكني أراه من المرفوع حكمًا. فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي. وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه: وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب، ولا يقبل الإسرائيليات.
وقد ذكره ابن كثير - كما قلنا - ثم قال: "ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح" ونقله السيوطي ٢: ١٦٣، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
"الصك": الكتاب. وقوله: "صكوا" فعل من"الصك"، أي: اكتبوا له صكًا، وهذا الفعل، لم تذكره كتب اللغة، وهذا شاهده.
قال أبو جعفر: فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا: إن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذَرّة قِبَل عبد له آخر في مَعاده ويوم لقائه فما فوقه، (١) فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَله (٢) ="وإن تك حسنة يضاعفها"، يقول: وإن تُوجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها ="ويُؤت من لدنه أجرًا عظيمًا"، يقول: ويعطه من عنده أجرًا عظيمًا،"والأجر العظيم" (٣) الجنة، على ما قاله عبد الله.
* * *
ولكلا التأويلين وجه مفهوم = أعني التأويل الذي قاله ابن مسعود، والذي قاله قتادة = وإنما اخترنا التأويل الأول، لموافقته الأثرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذمِّ النفقة في طاعة الشيطان. ثم وَصَل ذلك بما وعدَ المنافقين في طاعته بقوله:"إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا".
واختلفت القرأة في قراءة قَوله:"وإن تك حسنة". فقرأت ذلك عامة قرأة العراق: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) بنصب"الحسنة"، بمعنى: وإن تك زنةُ الذرّة حسنةً، يضاعفها.
* * *
(١) السياق: "وجب له مثقال ذرة... فما فوقه".
(٢) "التبعة" (بفتح التاء وكسر الباء) و"التباعة" (بكسر التاء) : ما اتبعت به صاحبك من ظلامة أو حق لك عنده.
(٣) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف ٢: ١٤٨، ٥١٢ / ٥: ٥١٩ / ٧: ٥٠١
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ)، برفع"الحسنة"، بمعنى: وإن توجد حسنةٌ، على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك. (١)
وأما قوله:"يُضَاعفها"، فإنه جاء بـ "الألف"، ولم يقل:"يُضعِّفها"، لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية: (٢) يُضاعفها أضعافًا كثيرة، ولو أريد به في قوله (٣) يضعِّف ذلك ضِعفين لقيل:"يضعِّفها" بالتشديد.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها.
فقال بعضهم: هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. واعتلّوا في ذلك بما:-
٩٥١٠ - حدثنا الفضل بن الصباح قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال: لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتُضَاعف ألفَ ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته = يعني النبي ﷺ = يقول: إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة! (٤)
وقال آخرون: بل ذلك: المهاجرون خاصة، دون أهل البوادي والأعراب. واعتلوا في ذلك بما:-
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٦٩.
(٢) يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن ١: ١٢٧ ونصه: "يضاعفها" أضعافًا = و"يضعفها" ضعفين.
(٣) يعني: في قول أبي عبيدة.
(٤) الحديث: ٩٥١٠ - رواه أحمد في المسند: ٧٩٣٢، عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد.
وهو حديث صحيح. فصلنا القول في تخريجه في المسند.
وذكره ابن كثير ٢: ٤٥١، عن رواية المسند، ثم نقله من رواية ابن أبي حاتم بإسنادين.
ثم ذكره مرة أخرى من رواية ابن أبي حاتم، عند تفسير الآية: ٣٨ من سورة التوبة (ج٤ ص١٦٨ -١٦٩).
وذكره السيوطي ٢: ١٦٣، وقصر في تخريجه جدًا، فلم ينسبه لغير الطبري. وذكر نحوه قبله، ونسبه لابن أبي شيبة فقط.
٩٥١١ - حدثني محمد بن هارون أبو نشيط قال، حدثنا يحيى بن أبي بكير قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمير قال: نزلت هذه الآية، في الأعراب: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [سورة الأنعام: ٦٠] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال، ما هو أعظم من ذلك:"إنّ الله لا يظلم مثقال ذَرّة وإن تَكُ حسنةً يضاعفها ويُؤت من لدنه أجرًا عظيمًا"، وإذا قال الله لشيء:"عظيم"، فهو عظيم. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال:"عُنى بهذه الآية المهاجرون دون الأعراب". (٢) وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسوله ﷺ شيء يدفع بعضه بعضًا. فإذْ كان صحيحًا وعْدُ الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشرَ أمثالها، وَمنْ جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له = وكان الخبرَان اللذان ذكرناهما عنه ﷺ صحيحين = كان غيرَ جائز إلا أن يكون أحدُهما مجملا والآخر مفسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ﷺ يصدِّق بعضها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك، صحّ أن خبرَ أبي هريرة معناهُ أنّ الحسنة لَتُضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألفُ حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبي ﷺ = وأن قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم
(١) الحديث: ٩٥١١ - هذا الإسناد ضعيف، من أجل"عطية العوفي". وقد بينا ضعفه فيما مضى: ٣٠٥.
وأما شيخ الطبري"محمد بن هارون بن إبراهيم الربعي": فإنه ثقة. مترجم في التهذيب.
والحديث نقله ابن كثير ٢: ٤٥٠، من رواية ابن أبي حاتم، من طريق فضيل بن مرزوق، بهذا الإسناد. ولم يذكر شيئًا في تخريجه، ولا في تعليله.
وذكره السيوطي ٢: ١٦٢-١٦٣، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن المنذر والطبراني.
(٢) في المطبوعة: "المهاجرين"، وأثبت ما في المخطوطة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَهُوَ قَلِيلُ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَبِي رَجَاءٍ الْهَرَوِيِّ، قَالَ: لَا تَجِدُ سيء الْمَلَكَةِ إِلَّا وَجَدَّتَهُ مُخْتَالًا فَخُورًا، وَتَلَا وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية، وَلَا عَاقًّا إِلَّا وَجَدَّتَهُ جَبَّارًا شَقِيًّا، وَتَلَا وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا [مَرْيَمَ: ٣٢]، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ مِثْلَهُ فِي الْمُخْتَالِ الْفَخُورِ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا أبي، حدثنا أبو نعيم عن الْأُسُودُ بْنُ شَيْبَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: قَالَ مُطَرِّفٌ: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ كُنْتُ أَشْتَهِي لقائه، فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَكُمْ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ثَلَاثَةً وَيُبْغِضُ ثلاثة» ؟ فقال: أَجَلْ، فَلَا إِخَالُنِي أَكْذِبُ عَلَى خَلِيلِي ثَلَاثًا؟ قُلْتُ: مَنِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُ اللَّهُ؟ قَالَ: المختال الفخور. أو ليس تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً، وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ بن خَالِدٍ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْهُجَيْمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ «إِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ».

[سورة النساء (٤) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أَنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، وَالْجَارِ الْجُنُبِ، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الْأَرِقَّاءِ، وَلَا يَدْفَعُونَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ». وَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا».
وَقَوْلُهُ تعالى: وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَالْبَخِيلُ جحود لنعمة الله لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ وَلَا تَبِينُ، لَا فِي مأكله وَلَا فِي مَلْبَسِهِ وَلَا فِي إِعْطَائِهِ وَبَذْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ [الْعَادِيَاتِ: ١٠٨] أَيْ بِحَالِهِ وَشَمَائِلِهِ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [الْعَادِيَاتِ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ:
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً وَالْكَفْرُ هُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ، فَالْبَخِيلُ يَسْتُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَكْتُمُهَا وَيَجْحَدُهَا فَهُوَ كَافِرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ نِعْمَةً عَلَى عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا عَلَيْهِ»، وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ «وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها،
(١) تفسير الطبري ٤/ ٨٧.
وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا».
وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ السَّلَفِ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى بُخْلِ الْيَهُودِ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ الَّذِي عندهم مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قال تعالى: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً، رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ دَاخِلًا في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك الآية التي بعدها وهي قوله الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ فإنه ذكر الْمُمْسِكِينَ الْمَذْمُومِينَ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَاذِلِينَ المرائين الذين يَقْصِدُونَ بِإِعْطَائِهِمُ السُّمْعَةَ وَأَنْ يُمْدَحُوا بِالْكَرَمِ، وَلَا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَجَّرُ بِهِمُ النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، «يَقُولُ صَاحِبُ الْمَالِ: مَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهِ إِلَّا أَنْفَقْتُ فِي سَبِيلِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ» أَيْ فَقَدْ أَخَذْتَ جَزَاءَكَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي أَرَدْتَ بِفِعْلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، قال لعدي بن حاتم «إِنَّ أَبَاكَ رَامَ أَمْرًا فَبَلَغَهُ» «١». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ: هَلْ يَنْفَعُهُ إِنْفَاقُهُ وَإِعْتَاقُهُ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» «٢»، ولهذا قال تعالى: وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية، أَيْ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا الْقَبِيحِ وَعُدُولِهِمْ عَنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ عَلَى وَجْهِهَا الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ، وَقَارَنَهُمْ فَحَسَّنَ لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً، ولهذا قال الشاعر: [الطويل]
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِفَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمَقَارَنِ يَقْتَدِي «٣»
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ الآية، أي وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطَّرِيقَ الْحَمِيدَةَ، وَعَدَلُوا عَنِ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَجَاءِ مَوْعُودِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا، وَقَوْلُهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً أَيْ وَهُوَ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِهِمُ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْفِيقَ مِنْهُمْ فَيُوَفِّقُهُ، وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ، وَيُقَيِّضُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ يَرْضَى بِهِ عَنْهُ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِذْلَانَ وَالطَّرْدَ عن جناية الْأَعْظَمِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي مَنْ طُرِدَ عَنْ بَابِهِ، فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، عِيَاذًا بالله من ذلك.
(١) مسند أحمد ٤/ ٢٥٨. [.....]
(٢) مسند أحمد ٦/ ١٢٠.
(٣) البيت لعدي بن زيد. وهو في تفسير الطبري ٤/ ٩٠.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾
أي : أي شيء عليهم وأي حرج ومشقة تلحقهم لو حصل منهم الإيمان بالله الذي هو الإخلاص، وأنفقوا من أموالهم التي رزقهم الله وأنعم بها عليهم فجمعوا بين الإخلاص والإنفاق، ولما كان الإخلاص سرًّا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال :﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٩} ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
أي: أي شيء عليهم وأي حرج ومشقة تلحقهم لو حصل منهم الإيمان بالله الذي هو الإخلاص، وأنفقوا من أموالهم التي رزقهم الله وأنعم بها عليهم فجمعوا بين الإخلاص والإنفاق، ولما كان الإخلاص سرًّا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٣٩ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

٩٩-
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينهفإنّ القرين بالمقارن مقتدي «١»

[سورة النساء (٤) : آية ٣٩]

وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
وَماذا عَلَيْهِمْ «ما» في موضع رفع بالابتداء و «وذا» خبر «ما» و «ذا» بمعنى:
الذي، ويجوز أن يكون «ما» و «ذا» اسما واحدا.

[سورة النساء (٤) : آية ٤٠]

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠)
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً اسم «تك» بمعنى تحدث، ويجوز أيضا أن تنصب حسنة على تقدير: وإن تك فعلته حسنة. يُضاعِفْها جواب الشرط. وَيُؤْتِ عطف عليه. مِنْ لَدُنْهُ في موضع خفض بمن إلّا أنها غير معربة لأنها لا تتمكّن و «عند» قد تمكّنت فنصبت وخفضت، وتمكّنها أنّك تقول: هذا القول عندي صواب ولا تقول: هذا القول لدي صواب. أَجْراً مفعول. عَظِيماً من نعته.

[سورة النساء (٤) : آية ٤١]

فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١)
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا فتحت الفاء لالتقاء الساكنين. إِذا ظرف زمان والعامل فيه جِئْنا. وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً نصب على الحال.

[سورة النساء (٤) : آية ٤٢]

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
يَوْمَئِذٍ ظرف، وإن شئت كان مبنيا و «إذ» مبنية لا غير والتنوين فيها عوض مما حذف. وَعَصَوُا الرَّسُولَ ضمّت الواو لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها. لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ «٢» قال أبو جعفر: قد ذكرناه. وقيل: معناه لو لم يبعثوا، لأنهم لو لم يبعثوا لكانت الأرض مستوية عليهم لأنهم من التراب نقلوا. وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً «٣». قال أبو جعفر: قد ذكرناه، وذكرنا قول قتادة أن القيامة مواطن ومعناه أنهم لما تبيّن لهم وحوسبوا لم يكتموا.

[سورة النساء (٤) : آية ٤٣]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى ابتداء وخبر في موضع نصب
(١) الشاهد في ديوان طرفة ١٥٣، وهو لعدي بن زيد في تفسير الطبري ٥/ ٨٨.
(٢) انظر القراءات في البحر المحيط ٣/ ٢٦٣.
(٣) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٦٤.
على الحال، ويقال: سكارى «١» ولم ينصرف لأن في آخره ألف التأنيث. حَتَّى تَعْلَمُوا نصب بحتى. وَلا جُنُباً عطف على الموضع أي ولا تقربوا الصلاة جنبا. إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ نصب على الحال. قال الأخفش: كما تقول: لا تأتني إلّا راكبا. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معنى الآية إلّا أنها مشكلة من أحكام القرآن فنزيدها شرحا. قال الضحاك: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى أي من النوم. وهذا القول خطأ من جهات: منها أنه لا يعرف في اللغة، والحديث على غيره ولا يجوز أن يتعبد النائم في حال نومه فثبت أن سكارى من السكر الذي هو شرب، وقوله حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ بدل على أنّ من كان يعلم ما يقول فليس سكران. وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ فيه قولان:
أحدهما أنّ المعنى لا تصلّوا وقد أجنبتم، ويقال: أجنبتم وجنبتم وجنبتم إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ إلّا مسافرين فتتيّممون فتصلّون فيجب على هذا أن يكون الجنب ليس له أن يتيمّم إلّا أن يكون مسافرا. وهذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود رحمه الله، والقول الآخر: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ لا تقربوا موضع الصلاة وهو المسجد إلّا عابري سبيل إلّا جائزين كما قال عبد الله بن عمر أيتخطأ الجنب المسجد؟
فقال: نعم ألست تقرأ: «إلّا عابري سبيل»، وهذا مذهب علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس وأنس بن مالك رحمهم الله أنّ للجنب أن يتيمّم في الحضر. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أي مرضى لا تقدرون معه على تناول الماء أو تخافون التلف من برد أو جراح.
أَوْ عَلى سَفَرٍ لا تجدون فيه الماء أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ قد ذكرنا أنّ بعض الفقهاء قال «٢» :«أو» بمعنى الواو وإنّما احتاج إلى هذا لأن المرض والسفر ليسا بحدثين والغائط حدث، والحذّاق من أهل العربية لا يجيزون أن يكون «أو» بمعنى الواو لاختلافهما فبعضهم يقول: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، وإن كنتم جنبا فاطهّروا» أي وإن كنتم جنبا وأردتم الصلاة. والتقديم والتأخير لا ينكر كما قال الله جلّ وعزّ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه: ١٢٩] أي ولولا كلمة سبقت من ربّك وأجل مسمّى، وقال امرؤ القيس: [الطويل] ١٠٠-
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال «٣»
وقيل: في الكلام حذف بلا تقديم ولا تأخير، والمعنى: وإن كنتم مرضى أو
(١) انظر مختصر ابن خالويه (٢٦).
(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٦٨.
(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٣٩، والكتاب ١/ ١٣١، والإنصاف ١/ ٨٤، وتذكرة النحاة ٣٣٩، وخزانة الأدب ١/ ٣٢٧، والدرر ٢/ ١١٠، ٥/ ٣٢٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٥، وهمع الهوامع ٢/ ١١٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٣٩ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

عَلَيْهِمْ

(عليهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(عليهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(عليهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٩ من سورة النساء

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

قولانِ من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

قولانِ
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وماذا عليهم﴾ يعني: وما كان عليهم ﴿لو آمنوا بالله واليوم الآخر﴾ يعني: بالبعث، ﴿وأنفقوا مما رزقهم الله﴾ من الأموال في الإيمان ومعرفته، ﴿وكان الله بهم عليما﴾ أنهم لن يُؤمِنوا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٧٣.
٢
عن سفيان بن عُيَيْنة، عن سالم بن أبي حفصة، قال: لم يكن بالكوفة رجلٌ كان أعظم صدقةً مِن سالم بن أبي الجعد، فقال: قال الله تعالى: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله﴾، قال سفيان: يُرَغِّبهم فيها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٥٣.
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٩ من سورة النساء

وقفتانِ في هذه الآية

  • مجالس فــي تدبـر القـرآن

    — خالد السبت

  • سورة النساء آية 39

    — إبراهيم الهدهد

ترجمات معاني الآية ٣٩ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(39) And what [harm would come] upon them if they believed in Allāh and the Last Day and spent out of what Allāh provided for them? And Allāh is ever, about them, Knowing.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال