جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
والقول في ذلك عندي، أن الحَرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أبو عبيدة : أشبه مع الشمس، لأن الظلّ إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدلّ على أنه أريد بالحَرور : الذي يوجد في حال وجود الظلّ.
وقوله : وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ وَلا الأمْوَاتُ يقول : وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال وكلّ هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان، والكافر والكفر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما يَسْتَوِي الأعْمَى والبَصِيرُ. . . الآية، قال : هو مَثَل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية. يقول : وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور، ولا الأموات، فهو مَثَل أهل المعصية. ولا يستوي البصير ولا النور، ولا الظلّ والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما يَسْتَوِي الأعْمَى. . . الاَية خلقا، فضل بعضه على بعض فأما المؤمن فعبد حيّ الأثر، حيّ البصر، حيّ النية، حيّ العمل. وأما الكافر فعبد ميت، ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما يَسْتَوِي الأعْمَى والبَصِيرُ وَلا الظّلُماتُ وَلا النّورُ وَلا الظّلّ وَلا الحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ وَلا الأمْوَاتُ قال : هذا مثل ضربه الله فالمؤمن بصير في دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظلّ ولا الحَرور، ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه، ولا هذا الأعمى، وقرأ : أوَ مَنْ كانَ مَيْتا فأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ قال : الهُدى الذي هداه الله به ونوّر له. هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى، فجعل المؤمن حيا، وجعل الكافر ميتا، ميت القلب أوَ مَنْ كانَ مَيْتا فأَحْيَيْناهُ قال : هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب، وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء ؟
واختلف أهل العربية في وجه دخول «لا » مع حرف العطف في قوله : وَلا الظّلُماتُ وَلا النّورُ وَلا الظّلّ وَلا الحَرُورُ فقال بعض نحويّي البصرة : قال : ولا الظلّ ولا الحَرور، فيشبه أن تكون «لا » زائدة، لأنك لو قلت : لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلاّ أن تكون «لا » زائدة وكان غيره يقول : إذا لم تدخل «لا » مع الواو، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أوّل الكلام، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كلّ واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت «لا » مع الواو عند صاحب هذا القول : لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكلّ واحد منهما لا يساوي صاحبه.