جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَ لَهُمْ مّوسَىَ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىَ﴾.
يقل تعالى ذكره : قَالَ مُوسَى للسحرة لما جاء بهم فرعون : " وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلى اللّهِ كَذِبا " يقول : لا تختلفوا على الله كذبا، ولا تتقوّلوه " فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " فيستأصلكم بهلاك فيبيدكم. وللعرب فيه لغتان : سَحَت، وأسحت، وَسَحت، أكثر من أسحت، يقال منه : سحت الدهر، وأسحت مال فلان : إذا أهلكه فهو يَسْحَته سحتا، وأسحته يُسْحته إسحاتا. ومن الإسحات قول الفرزدق :
| وَعَضّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوَنَ لَمْ يَدَعْ | مِنَ المَالِ إلاّ مُسْحَتا أوْ مُجَلّفُ |
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : " فَيُسْحِتَكم بِعَذَابٍ " يقول : فيهلككم.
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة " فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " يقول يستأصلكم بعذاب.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : " فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " قال : فيستأصلكم بعذاب فيهلككم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : " فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " قال : يهلككم هلاكا ليس فيه بقيّة، قال : والذي يسحت ليس فيه بقية.
حدثنا موسى قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ " فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " يقول يهلككم بعذاب.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة :«فَيَسْحَتَكُمْ » بفتح الياء من سحت يَسحت. وقرأته عامة قرّاء الكوفة : فَيُسْحِتَكُمْ بضم الياء من أسحت يُسْحِت.
قال أبو جعفر : والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الفتح فيها أعجب إليّ لأنها لغة أهل العالية، وهي أفصح، والأخرى وهي الضمّ في نجد.
وقوله : " وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرَى " يقول : ولم يظفر من يخلق كذبا وبقوله، بكذبه ذلك، بحاجته التي طلبها به، ورجا إدراكها به.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ) يقول تعالى ذكره: فأدبر فرعون معرضا عما أتاه به من الحقّ (فَجَمَعَ كَيْدَهُ) يقول: فجمع مكره، وذلك جمعه سحرته بعد أخذه إياهم بتعلمه (ثُمَّ أَتَى) يقول: ثم جاء للموعد الذي وعده موسى، وجاء بسحرته.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾
يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) يقول: لا تختلقوا على الله كذبا، ولا تتقوّلوه (فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) فيستأصلكم بهلاك فيبيدكم. وللعرب فيه لغتان: سحت، وأسحت، وسحت، أكثر من أسحت، يقال منه: سحت الدهر، وأسحت مال فلان: إذا أهلكه فهو يسحته سحتا، وأسحته يسحته إسحاتا، ومن الإسحات قول الفرزدق:
| وَعَضُّ زَمان يا بنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ | مِنَ المَالِ إلا مُسْحَتا أوْ مُجلَّف (١) |
وقبل بيت الشاهد قوله (انظر ديوانه طبعة الصاوي ص ٥٦٥) :
| إليك أمير المؤمنين رمت بنا | هموم المنى والوجل المتعسف |
أما رفع مجلف، فهو على تقدير مبتدأ، كأنه قال أو هو مجلف. والبيت شاهد عند الطبري، على أن معنى قوله تعالى: فيسحتكم: يستأصلكم.