الرجس لا يحصل إلا بتخليقه وتكوينه، والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر. هذا ما ذكره الرازي.
ويلاحظ أننا فسرنا الرجس بالعذاب، كما ذهب إليه كثير من المفسرين، وهو ما قرره أبو علي الفارسي النحوي في أن الرجس يحتمل كون المراد منه العذاب.
فرضية النظر والتفكير وإنذار المهملين
[سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
الإعراب:
ماذا إما استفهام مبتدأ، وخبره: فِي السَّماواتِ، أو أن الخبر: ذا بمعنى الذي، والجملة الابتدائية في موضع نصب.
ثُمَّ نُنَجِّي معطوف على كلام محذوف يدل عليه قوله: إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا.
كَذلِكَ الكاف: صفة مصدر محذوف، تقديره: ننجي رسلنا، والذين آمنوا ننجيهم مثل ذلك، وتصير الجملة: كذلك ننج المؤمنين، أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين.
حَقًّا عَلَيْنا اعتراض، وهو منصوب بفعله المقدر، أي حق ذلك علينا حقا، ويجوز أن يكون حَقًّا بدلا من كَذلِكَ. ولا يجوز أن ينصب كَذلِكَ وحَقًّا ب نُنَجِّي لأن الفعل الواحد لا يعمل في مصدرين، ولا في حالين، ولا في استثناءين، ولا في مفعولين معهما.
البلاغة:
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا عبر بصيغة المضارع عن الماضي، لتهويل الأمر، باستحضار صورة ذلك الماضي.
المفردات اللغوية:
قُلِ يا محمد لكفار مكة وغيرهم. انْظُرُوا تفكروا ماذا أي الذي. فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من عجائب صنعه ليدلكم على وحدته وكمال قدرته. وإن جعلت ماذا استفهامية علقت انْظُرُوا عن العمل. وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ في علم الله وحكمته. وما: نافية أو استفهامية في موضع النصب. مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم أي مثل وقائعهم من نزول العذاب بهم إذ لا يستحقون غيرها. مأخوذ من قولهم: أيام العرب أي وقائعها. فَانْتَظِرُوا ذلك.
ثُمَّ نُنَجِّي المضارع لحكاية الحال الماضي. رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا من العذاب.
كَذلِكَ الإنجاء. حَقًّا عَلَيْنا اعتراض. نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ أي كذلك الإنجاء ننج النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه حين تعذيب المشركين.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته، أمر بالنظر والاستدلال في الأدلة، حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض، فقال: انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فعلى كل عاقل التمييز بين الخير والشر، وما على الرسول إلا التبشير والإنذار، وما الدين إلا مساعد للعقل على حسن الاختيار.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده بالتفكر في خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات الباهرة ذات النظام البديع، كالكواكب النيرة من ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار واختلافهما، وتعاقبهما طولا وقصرا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر، فأخرج به أنواع
الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ في الأرض من دواب برية وبحرية مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وثروات معدنية، وما في البحر من العجائب، وهو مع ذلك مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير العلي القدير العليم الذي لا إله غيره، ولا رب سواه: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات ٥١/ ٢١- ٢٠].
فالنظر في ذلك يرشد إلى وجود الخالق، ويدعو إلى التصديق بالرسل، والإيمان بالقرآن والوحي المخبر عن هذه الآيات العظام.
ولكن ما تغني وما تفيد وما تنفع أي لن تغني هذه الآيات أي الدلالات الكونية والقرآنية والرسل المنذرون أو الإنذارات قوما لا يتوقع إيمانهم كما ذكر في (الكشاف) وهم الذين لا يعقلون، أي لا ينظرون في تلك الآيات. وقال القرطبي: عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن. وقيل: ما استفهامية والتقدير:
أي شيء تغني.
والمعنى على الاستفهام: أي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها لقوم لا يؤمنون بالله ورسله، ولم يستخدموا عقولهم فيما خلقت من أجله؟ وقوله: وَما تُغْنِي... عَنْ قَوْمٍ أي لا تفيدهم شيئا، أو أي شيء تغني الآيات وهي الدلائل، والظاهر أن ما للنفي، ويجوز أن تكون استفهاما «١».
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ.. يحذّر الله المشركين قائلا: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل وقائع الأمم الماضية المكذبة لرسلهم، من نزول العذاب بهم؟ وهي وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود
وغيرهم. والأيام هنا بمعنى الوقائع، يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم، والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما كقوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم ١٤/ ٥]، وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام.
قُلْ: فَانْتَظِرُوا.. قل أيها الرسول لهم منذرا مهددا موعدا: انتظروا عذاب الله وعقابه، إني من المنتظرين هلاككم، أو فانتظروا هلاكي، إني معكم من المنتظرين هلاككم، أو من المنتظرين موعد ربي.
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا.. أي إن حكمنا المتبع وسنتنا السائدة أنه إذا وقع العذاب إنجاء رسلنا والمؤمنين معهم، وإهلاك المكذبين.
كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا... أي مثل هذا الإنجاء للرسل السابقين ومن آمن معهم، ننجي المؤمنين معك أيها الرسول، ونهلك المكذبين بالرسل. وهذا حق أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة، كقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام ٦/ ٥٤] وكما جاء
في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن الله كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- وجوب النظر في الدلائل السماوية والأرضية للاهتداء بها إلى معرفة الخالق، فلا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالتدبر في الدلائل، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في الخلق، ولا تفكّروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره» «١».
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي