ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين( ١٠٤ ) :
والشّك( ١ ) معناه : وضع أمرين في كفتين متساويتين.
وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض على الكافرين قضية الدين، وأن يضعونها في كفة، ويضعوا في الكفة المقابلة ما يؤمنون به.
ويترك لهم الحكم في هذا الأمر.
هم-إذن-في شك : هل هذا الدين صحيح أم فاسد ؟
وعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر الدين للحكم عليه، يعني : أن أمر الدين ملحوظ أيضا عند أيّ كافر، وهو ينتبه أحيانا إلى قيمة الدين.
فإن كنتم في شكّ من الدين الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل ينتصر الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه عليهم، أم تكون لهم الغلبة ؟
وحين يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الدين عليهم، ويترك لهم الحكم، فهذه ثقة منه صلى الله عليه وسلم بأن قضايا دينه إن نظر إليها الإنسان ليحكم فيها، فلا بد أن يلتجئ الإنسان على الإيمان.
ويحسم الحق سبحانه وتعالى أمر قضية الشرك به، ويستمر أمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول : فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله.. ( ١٠٤ ) [ يونس ] : أي : أنه صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يعبد الشركاء وأن يعبد الله ؛ لأنه لن يعبد إلا الله ولكن أعبد الله( ١٠٤ ) .
ثم جاء سبحانه بالدليل الذي لا مراء( ٢ ) فيه، والدليل القوي، وهو أن الحق سبحانه وتعالى وحده هو المستحق للعبادة ؛ لأنه الذي يتوفاكم ( ٣ )، ولا يوجد من يقدر أو يتأبى على قدر الله سبحانه وحين يميته.
وهنا قضيتان : الأولى : قضية العبادة في قوله سبحانه : فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم.. ( ١٠٤ ) [ يونس ].
وكان لا بد أن يأتي أمر المسألتين معا : مسألة عدم عبادة الرسول لمن هم من دون الله، ومسألة تخصيص الله تعالى وحده بالعبادة.
والفصل واضح بما يحدّد قطع العلاقات بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك، كما أورده الحق سبحانه في قوله : قل يا أيها الكافرون( ١ ) لا أعبد ما تعبدون( ٢ ) ولا أنتم عابدون ما اعبد( ٣ ) ولا أنا عابد ما عبدتم( ٤ ) ولا أنتم عابدون ما أعبد( ٥ ) لكم دينكم ولي دين( ٦ ) [ الكافرون ] : والذين يقولون : إن في سورة ( الكافرون ) ( ٤ ) تكرارا لا يلتفتون إلى أن هذا الأمر تأكيد لقطع العلاقات ؛ ليستمر هذا القطع في كل الزمن، فهو ليس قطعا مؤقّتا للعلاقات( ٥ ).
وهذا أول قطع للعلاقات في الإسلام، بصورة حاسمة ليست فيها آية فرصة للتفاهم أو للمساومة، ويظل كل معسكر على حاله.
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة النصر : إذا جاء نصر الله وفتح( ١ ) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا( ٢ ) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا( ٣ ) [ النصر ] : هنا يتأكد الأمر، فبعد أن قطع الرسول صلى الله عليه وسلم العلاقات مع معسكر الشرك، جاء نصر الله سبحانه وتعالى وفتحه، فهرع الناس من معسكر الشرك إلى معسكر الإيمان( ٦ ).
هم-إذن-جاءوا إلى الإيمان.. هذه هي القضية الأولى :
فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله.. ( ١٠٤ ) [ يونس ] : وهم كانوا يعبدون الأصنام المصنوعة من الحجارة.
وأنت إذا نظرت إلى الأجناس في الوجود، فأكرمها هو الإنسان الذي سخّر له الحق سبحانه بقية الأجناس لتكون في خدمته. والجنس الأقل من الإنسان هو الحيوان. ثم يأتي الجنس الأقل مرتبة من الإنسان والحيوان، وهو النبات. ثم يأتي الجماد كأدنى الأجناس مرتبة، وهم قد اتخذوا من أدنى الأجناس آلهة، وهذه هي قمة الخيبة.
وتأتي القضية الثانية في قول الحق سبحانه وتعالى : .. وأمرت أن أكون من المؤمنين( ١٠٤ ) فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض العبادة لمن هم دون الله سبحانه، فمعنى ذلك أنه لن يعبد سوى الله تعالى.
وليس هذا موقفا سلبيا، بل هو قمة الإيجاب ؛ لأن العبادة تقتضي استقبال منهج الله بأن يطيع أوامره، ويجتنب نواهيه.

١ الشك: نقيض اليقين، وجمعه: شكوك. قال تعالى:قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض..(١٠)[إبراهيم].[لسان العرب: مادة (ش ك ك)]..
٢ المراء، والمماراة، والتمارى، والامتراء: الجدال والشك. قال تعالى:.. فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا(٢٢)[الكهف]. وقال تعالى:أفتمارونه على ما يرى(١٢)[النجم]. وكذلك المرية (بكسر الميم، وبضمها)، قال تعالى:ولا يزال الذين كفروا في مرية منه..(٥٥)[الحج].[لسان العرب: مادة (م ر ى)] بتصرف..
٣ يتوفاكم: يميتهم ويقبض أرواحهم. وهو من توفية العدد، أي: يقبض أرواحكم أجمعين، فلا ينقص واحد منكم. ومن ذلك قوله عز وجل:الله يتوفى الأنفس حين موتها..(٤٢)[الزمر] أي: يستوفى مدد آجالهم في الدنيا.[لسان: مادة وفى]..
٤ نزلت سورة الكافرون في رهط من قريش قالوا: يا محمد، هلم ابتع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما يدك قد شركت في أمرنا وأخذت بحظك، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره. فأنزل الله تعالى:قل يا أيها الكافرون(١)إلى آخر السورة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك. [أسباب النزول-للواحدي ص ٢٦١]..
٥ أقوال مفسري وعلماء سلفنا الصالح تتلاقى كلها فيما قال فضيلة الشيخ هنا. فقال البعض منهم البخاري وغيره أن المراد بلا أعبد ما تعبدون(٢) ولا انتم عابدون ما أعبد(٢)[الكافرون] في الماضي وولا أنا عابد ما عبدتم(٤) ولا أنتم عابدون ما أعبد(٥)[الكافرون] في المستقبل. وقال البعض الآخر: إن هذا تأكيد محض. وهناك قول آخر نصره الإمام ابن تيميه، وهو أن المراد بقوله:لا أعبد ما تعبدون(٢)[الكافرون] نفى الفعل لأنها جملة فعلية ولا أنا عابد ما عبدتم(٤)[الكافرون] نفى قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، فكأنه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك، ومعناه نفى الوقوع، ونفى الإمكان الشرعي أيضا. انظر تفسير ابن كثير (٤/٥٦١)..
٦ كان بين سورتي "الكافرون"، و"النصر" ما يزيد على ١٥ سنة، فسورة الكافرون نزلت في بداعية الدعوة ومحاولة قريش إثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار في دعوته، ثم حدثت المفاصلة، ثم الهجرة، ثم الغزوات، إلى أن تم نصر الله بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فكانت سورة النصر. وهذا يؤكد ما قاله فضيلة الشيخ من امتداد القطع مع معسكر الشرك؛ ليشمل الزمن كله بالنسبة لقضية الإيمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير