هُو الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء والْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٥ إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ ومَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ٦
في هاتين الآيتين المنزلتين إرشاد إلى أنواع كثيرة من آيات الله الكونية الدالة على قدرته على البعث والجزاء، وكونه من مقتضى حكمته، واطراد النظام التام في جميع خلقه، وهذه الآيات تفصيل لما أجمل في الآية الثالثة في خلق السماوات والأرض، واستواء الخالق على عرشه يدبر الأمر، ويقيم النظام في الخلق، التي سيقت للاستدلال على التوحيد وحقيقة الوحي.
إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ في حدوثهما وتعاقبهما في طولهما وقصرهما بحسب اختلاف مواقع الأرض من الشمس والنظام الدقيق لهما بحركتيها اليومية والسنوية، وطبيعة كل منهما وما يصلح فيه من نوم وسكون وعمل ديني ودنيوي ومَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ من أنواع الجماد والنبات والحيوان لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ، أي أنواعا من الدلائل والبينات على سننه في النظام، وحكمه في الإبداع والإتقان، وفي تشريع العقائد والأحكام، لقوم يتقون عواقب مخالفة سننه في التكوين، وسننه في التشريع، فالأفراد الذين يخالفون سنن الصحة البدنية يمرضون، والشعوب التي تخالف سنن الاجتماع والعمران تخرب بلادها، وتضعف دولها، ويغير الله تعالى ما بها بتغييرها ما في أنفسها، كذلك الأفراد الذين يخالفون هدايته الشرعية في تزكية الأنفس فيدنسونها بالشرك والخرافات، ويفسدونها بالفواحش والمنكرات، يجزون على ذلك كله في الآخرة، ويجزى بعضهم على بعضها في الدنيا ( كما بينا ذلك في مواضع أخرى ).
تفسير المنار
رشيد رضا