ويقول سبحانه بعد ذلك :
إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ( ٦ ) :
وهكذا بين الحق اختلاف الليل عن النهار مما يؤكد أنهما وجدا معا، وعطف عليها وما خلق الله في السماوات والأرض ؛ لأنه سبحانه خلق الكون بما فيه من مقومات حياة من مأكل ومشرب وهواء، وغير ذلك، ثم سخر الكون كله ؛ لخدمة السيد وهو الإنسان.
ولو نظرت إلى مقومات الحياة لوجدت فيها احتياجات أساسية تتمثل في نفس وهواء، وشراب وماء، وطعام ؛ هذه أهم احتياجات الإنسان من مقومات الحياة. ويصبر الإنسان على المأكل أكثر مما يصبر على المشرب، ويصبر على المشرب أكثر مما يصبر على نفس الهواء، بل ولا يملك الإنسان الصبر على نفس الهواء مقدار شهيق وزفير.
لذلك شاء الحق أن يملك قوم طعام غيرهم ؛ لأن الجسم يمكنه أن يصبر على الطعام لمدة قد تصل إلى الشهر ويعتمد في ذلك على إذابة الدهن المتراكم بداخله، عكس ما اخترع البشر من آلات، فالسيارة لا يمكن أن تسير لمتر واحد دون وقود. أما الجسم فيتحمل لعل من يملك الطعام يخفف من القيود، أو لعل الإنسان الجائع يجد طريقة لينال ما يقتات به.
أما الماء فقد شاء الحق أن يقلل من احتكار البشر له ؛ لأن الإنسان أكثر احتياجا للماء من الطعام.
أما الهواء فسبحانه وتعالى لم يملّك الهواء لأحد، لأن الهواء هو العنصر الأساسي للحياة ؛ ولذلك اشتق منه لفظ النفس، ونفس، ونفس.
ولو نظرت إلى الهواء في الوجود كله لوجدته عامل صيانة لكل الوجود من ثبات الأرض، وإلى ثبات المباني التي عليها، إلى ثبات الأبراج، وإلى ثبات الجبال، كل ذلك بفعل الهواء ؛ لأن تياراته التي تحيط بجوانب كل الأشياء هي التي تثبّتها، وإن تخلخل الهواء في أي ناحية حول تلك المباني والجبال فهي تنهدم على الفور.
إذن : الهواء هو الذي يحفظ التوازن في الكون كله. ولذلك قلنا : إنك لو استعرضت ألفاظ القرآن لوجدت أن الحق سبحانه حينما يتكلم عن تصريف١ الرياح، فهو سبحانه يتكلم بدقّة خالق، بدقّة إله حكيم، فهو يرسل من الرياح ما فيه الرحمة، مثل قوله الحق : وأرسلنا الرياح لواقح٢.... ( ٢٢ ) ( الحجر )، لكن إذا جاء بذكر ريح ففي ذلك العقاب مثل قوله : بريح صرصر٣ عاتية ( ٦ ) ( الحاقة )، ومثل قوله : فلما رأوه عارضا٤مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ( ٢٤ ) تدمر كل شيء بأمر ربها... ( ٢٥ ) ( الأحقاف ) : لأن الرياح تأتي من كل ناحية، فتوزن الكائنات، أما الريح فهي تأتي من ناحية واحدة فتدهم٥ ما في طريقها.
وهنا يقول سبحانه : وما خلق الله في السماوات والأرض أي : أنه جاء بالمخلوقات الأخرى مجملة بعد أن جاء بذكر الشمس والقمر كآيتين منفصلتين، ثم ذكر السماوات والأرض وما فيهما من آيات أخرى : من رعد، وبرق، وسحاب، ونجوم وعناصر في الكون، كل ذلك مجمل في قوله : وما خلق الله في السماوات والأرض ؛ لأنه لو أراد أن يفصّل لذكر كثيرا من الآيات والنعم، وهو القائل : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها... ( ٣٤ ) ( إبراهيم ).
والقرآن ليس كتابا لبسط المسائل كلها، بل هو كتاب منهج، ومن العجيب أنه جاء ب " إن " وهي التي تفيد الشك في قوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ؛ لأن أحدا مهما أوتي من العلم ليس بقادر أن يحصي نعم الله في الكون ؛ ولأن الإقبال على العدّ فرض إمكان الحصر، ولا يوجد إمكان لذلك الحصر ؛ لذلك لم يأت ب " إذا "، بل جاء ب " إن " وهي في مقام الشك.
والأعجب من هذا أنك تجد أن العدّ يقتضي التكرار، ولم يقل الله سبحانه : وإن تعدوا نعم الله، بل جاء ب " نعمة " واحدة، وإذا استقصيت ما في النعمة لوجدت فيها آلاف النعم التي لا تحصى.
وينهي الحق الآية بقوله : لآيات لقوم يتقون ، و الآيات تطلق ثلاث إطلاقات : الإطلاق الأول آيات القرآن، والإطلاق الثاني على المعجزة الدالة على صدق الرسول٦، والإطلاق الثالث للآية أنها تحمل عجيبة من عجائب الكون الواضحة في الوجود٧ الدالة على عظمة الله سبحانه.
وهذه الآيات خلقها الله لتلفت إلى مكوّن٨ هذه الآيات، واللفتة إلى مكون هذه الآيات ضرورة لينشأ الإنسان في انسجام مع الكون الذي أنشئ من أجله، بحيث لا يأتي له بعد ذلك ما ينغّص هذا الانسجام، فهب أن إنسانا ارتاح في حياته الدنيا ثم استقبل الآخرة بشقاء وجحيم، فما الذي استفاده من ذلك ؟
إذن : كل المسائل التي تنتهي إلى زوال لا يمكن أن تعتبر نعمة دائمة ؛ لأن النعمة تعني أن تنعم بها تنعّما يعطيك يقينا أنها لا تفارقك وأنت لا تفارقها، والدنيا أطول من أعمارها ؛ إما أن تفوت النعمة فيها الإنسان، وإما أن يفوت هو النعمة.
والحق-سبحانه وتعالى- يبقي الذين يريدون أن يتقوا الله ؛ ليصلوا إلى نعيم لا يفوت ولا يفات، ويجب أن ينظروا في آيات الكون ؛ لأنهم حين ينظرون في آيات الكون، بإمعان يكونون قد أفادوا فائدتين : الفائدة الأولى : أن يفيدوا مما خلق الله، والفائدة الثانية أن يعتبروا بأن هذا الكون الذي خلقه الله إنما جعله وسيلة ومعبرا إلى غيره، فقد خلق فيه الخلق ليعيش بالأسباب، ولكنه يريد أن يسلمه بعد ذلك إلى حياة يعيش فيها بالمسبّب وهو الله. فالذين يتقون هم الذين يلتفتون، والذي لا يتقون لا يعتبرون بالنظر في الكون وتمر على الإنسان منهم الأشياء فلا يعتبرونها بها، كما قال الله :
كأين من آية في السماوات والأرض يمرون وهم عنها معرضون٩( ١٠٥ ) ( يوسف ).
إذن : فهم لا يلتفتون إلى ما في آيات الحق من الآيات الدالة على عظمة قدرة الله سبحانه ؛ فهم غير حريصين على أن يقوا أنفسهم عذاب الآخرة.
٢ قال ابن السكيت والأزهري: لواقح أي: حوامل، لأنها –الرياح- تحمل الماء والسحاب وتقلبه وتصرّفه، ثم تستدرّه. قال تعالى:{وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات (٥٧) (الأعراف) (اللسان: مادة (لقح).. بتصرف).
٣ ريح صر وصرصر: شديدة البرد والصوت. قال تعالى:كمثل ريح فيها صر(١١٧) (آل عمران) وصر الطائر: صاح الباب يصر صريرا: أصدر صوتا عاليا ممتدا، والصرة: الضجة والصيحة والشدة من الكرب والحرب وغيرهما.(اللسان: مادة (صرر) وعاتية: شديدة جدا. والعاتي: الجبار (اللسان: مادة (عتا)).
٤ العارض: السحابة إذا كانت في ناحية من السماء والعارض يكون أبيض اللون. (اللسان: مادة (عرض)).
٥ تدهم: تهجم بشدة حتى تغشى من وما في طر يقها. (اللسان: مادة (دهم) بتصرف).
٦ والآية بمعنى أنها معجزة من المعجزات الدالة على صدق الرسول قد جاء بها القرآن على لسان المشركين والكافرين فقال سبحانه:وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية(١١٨) (البقرة) ونحو قولهم:وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (٣٧) (الأنعام).
٧ وهي الآيات الدالة على قدرة الله على الخلق وتدبير الكون وتسييره بنظام لا يتخيل، وذلك نحو قوله تعالى:{ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (٢٢) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (٢٣) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون(٢٤) (الروم).
٨ والالتفات إلى المكون يقتضي مراحل ثلاث: مرحلة الإدراك، ومرحلة الانفعال، ومرحلة الاختيار، فإدراك الآية يجعلك تنفعل بها، فإذ انفعلت اخترت المكون توحيدا بحب وعبادة بصفاء وانسجام بأخلاق، وهنا تتم النعم بمعية الله..
٩ أعرض يعرض إعراضا، فهو معرض، والجمع: معرضون. أعرض عن الشيء: إذا ولاه ظهره وابتعد عنه. (اللسان: مادة (عرض).. بتصرف).
تفسير الشعراوي
الشعراوي