ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

ثم ذكر بعض قصص الأنبياء عليهم السلام، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
قلت :( وشركاءكم ) : مفعول معه، أو بفعل محذوف، أي : اعزموا أمركم وأجمعُوا شركاءكم ومن قرأ :" اجمَعُوا " بهمزة وصل فشركاءكم : معطوف، و " غمة " : خفيّا، وفي الحديث :" فَإنْ غُمَّ عَلَيكُمْ فَاقدَروا لَهُ ".
يقول الحق جل جلاله : واتل عليهم نبأ نوحٍٍ أي : خبره مع قومه، قيل : اسمه عبد الغفار، وسمي نوحاً لكثرة نَوحه من هيبة ربه، إذ قال لقومه يا قوم إن كان كَبُرَ أي : عَظُمَ وشقَّ عليكم مقامي أي : كوني بين أظهركم، وإقامتي بينكم مدة مديدة أذكركم بالله، أو قيامي علّيكم لوعظكم، أو نفسي ووجودي معكم، كقولك : فعلت كذا لمكان فلان، أي له، أي : لو صعب عليكم وجودي بينكم، وتذكيري لكم بآيات الله أدعوكم بها إلى الله، فعلى الله توكلتُ : وثقت به، فلا أبالي ببعدكم عني وتخويفكم إياي، فأجمعُوا أمرَكم أي : اعزموا عليه، وشركاءَكم مع شركائكم، أو وأمر شركائكم، أو أجْمِعُوا أمركم واتَّفَِقُوا عليه وأجمِعُوا شركاءكم. والمعنى : أنه أمرهم بالعزم والإجماع على قصده، والسعي في إهلاكه، على أي وجه يمكنهم ؛ لشدة ثقته بالله وعدم مبالاته بهم.
ثم لا يكن أمرُكم في قصد إهلاكي عليكم غُمَّة : مستوراً خفيَّاً، بل اجعلوه ظاهراً مكشوفاً تتمكنون فيه، لأن من يكتم أمراً ويخفيه لا يقدر أن يفعل ما يريد، أو ثم لا يكن حالكم عليكم غمَّاً، أي : لا يلحقكم غم إذا أهلكتموني وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري. ثم اقْضُوا أي : انفذوا قضاءكم إليَّ فيما تريدون. وقرأ السري بن يَنْعَم :" أفضوا " بالفاء وقطع الهمزة، أي : انتهوا إليَّ بشرِّكم، ولا تُنظرون : ولا تمهلون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : لا يكون الرجل كامل اليقين حتى يسقط من قلبه خوف المخلوقين، فلا يبالي بهم ولو أجمعوا على كيده، إذ ليس بيدهم شيء، وإنما أمْرهم بيد الله، ويقول لهم كما قال نوح عليه السلام : فأجمعوا أمركم وشركاءكم . وكما قال هود عليه السلام
فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [ هود : ٥٥ـ ٥٦ ]. وفي الحديث :" لو اجْتَمَعَ الخَلْقُ كَلُهمْ عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيءٍ قَدَّرَهُ الله عَلَيكَ، جَفْتِ الأقلامُ وطُويت الصُّحُفُ ". وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم :" لا يَكمُلُ إيمَانُ العَبدِ حتَّى يَكُون الناسُ عندَه كالأباعد ". يعني : لا يهابهم ولا يراقبهم. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير