وقال صاحب النظم: افتراؤهم متاع في الدنيا، ودل يَفْتَرُونَ علي الافتراء، كما قال: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧] فكنى عن الشكر؛ لأن تَشْكُرُوا دلّ عليه. وعلى ما ذكره (١) يجوز أن يعود ما أضمره الفراء والزجاج من قولهما (هو) أو (ذاك) (٢) إلى الافتراء الذي دل عليه يَفْتَرُونَ.
وقوله: ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ، قال ابن عباس: الغليظ: الذي لا ينقطع (٣)، بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ، قال: يريد: بنعم الله ويجحدون ربوبيته (٤).
٧١ - قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي الآية، قال: كَبِرَ يكبَر كِبَرًا في السنن، وكَبُر الأمر والشيء: إذا عظم يَكْبُر كِبَرًا وكَبَارة (٥).
قال ابن عباس: يريد ثقل عليكم (٦)، ومعناه شق عليكم، وعظم أمره عندكم.
والمقام -بضم الميم-: مصدر كالإقامة، يقال: أقام بين أظهركم
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٣/ ٢٧، "معاني القرآن" للفراء ١/ ٤٧٢، ولم يقدر الزجاج لفظ (هو).
(٣) "تنوير المقباس" ص ٢٠٦ مختصرًا.
(٤) في المصدر السابق، نفس الموضع: "بما كانوا يكفرون" بمحمد - ﷺ - والقرآن ويكذبون على الله.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (كبر) ٤/ ٣٠٩٠ - ٣٠٩٣، "الصحاح" (كبر) ٢/ ٨٠١.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٢١٧ بنحوه، وذكره الرازي في "تفسيره" ١٧/ ١٠٣٦ نقلاً عن "البسيط" للواحدي.
مقامًا وإقامة، والمقام -بفتح الميم-: الموضع الذي تقوم (١) فيه، وأراد بالمقام هاهنا لبثه ومكثه فيهم، وقوله تعالى: وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ، قال ابن عباس: يريد وعظي وتخويفي إياكم عقوبة الله ونقمته (٢).
وقوله تعالى: فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جواب الشرط، مع أن شأنه التوكل كيف تصرفت حاله؛ ليبين أنه متوكل في هذا على التفصيل، لِمَا (٣) في إعلامه قومه ذلك من زجرهم عنه؛ لأن الله -جل وعز- يكفيه أمرهم (٤).
وقال ابن الأنباري: معنى الآية: إن كان عظم عليكم كوني بين أظهركم (٥)، ولم تحبوا نصرتي فإني أتوكل على من ينصرني ويمنع عني (٦)، فأدى قوله: فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عن هذا المعنى، وقال صاحب النظم: ليس هذا جوابًا للشرط؛ لأنه ليس بِطِبْق له ولا بِلِفْق، وجوابه قوله: فَأَجْمِعُوا، وهذا كلام اعترض بين الشرط وجوابه، كما تقول في الكلام: إن كنت أنكرت عليّ شيئًا فالله حسبي فأعمل ما تريد (٧).
وقوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، قال الفراء: الإجماع: الإعداد، والعزيمة على الأمر.
(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٥٥، وبنحوه رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ٢١٧.
(٣) في (ح) و (ز): (بما)، وهو خطأ.
(٤) انظر: "مفاتيح الغيب" ١٧/ ١٤٣، "الجامع لأحكام القرآن" ٨/ ٣٦٢.
(٥) في (ح) و (ز): (أظهرهم)، وهو خطأ.
(٦) في النسخ عدا (م): (مني).
(٧) انظر معنى هذا القول في: "غرائب التفسير" ١/ ٤٩٠، "الدر المصون" ٦/ ٢٣٩ دون تعيين القائل.
وأنشد الشاعر (١):
يا ليت شعري والمُنَي لا تنفع
هل أغدُوَنْ يومًا وأمري مجمع (٢)
فإذا أردت جمع المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون (٣)، وقال الأصمعي: جمعت الشيء إذا جئت به من هنا وهنا، وأجمعته إذا صيرته جميعًا، وأنشد:
وأولات (٤) ذي العرجاء نهب مجمع (٥) (٦)
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره: أي جعله جميعًا بعد ما كان متفرقًا،
(٢) الرجز مجهول القائل، وانظره بلا نسبة في "إصلاح المنطق" ص ٢٦٣، "الأضداد" لابن الأنباري ص ٤١، "أمالي المرتضى" ١/ ٥٥٩، "تهذيب اللغة" (جمع)، "الحجة" ٣/ ٢٠٩، ٤/ ٢٨٧، "الخصائص" ٢/ ١٣٦، "الدرر اللوامع" ٤/ ٢٠، "شرح شواهد المغني" ٢/ ٨١١، "لسان العرب" (جمع)، ونوادر أبي زيد ص ١٣٣.
(٣) اهـ. كلام الفراء، "معاني القرآن" ١/ ٤٧٣ باختصار.
(٤) رسمت في المخطوطات: وآلات، والصواب: وأولات، كما في مصادر تخريج البيت.
(٥) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف حُمرًا، وصدره:
فكأنها بالجزع بين نُبايع
انظر: "ديوان الهذليين" ١/ ٦، "المفضليات" ص ٤٢٣، "تهذيب اللغة" (جمع) ١/ ٦٥٢، "اللسان" (جمع) ٢/ ٦٨١.
والنهب المجمع: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص وكانت متفرقة في مراعيها، فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها. انظر: "اللسان" نفس الموضع السابق.
والجزع ونبايع وأولات ذي العرجاء: أسماء مواضع.
(٦) اهـ. قول الأصمعي، انظر: "تهذيب اللغة" (جمع) ١/ ٦٥٢.
قال: وتفرُّقه أنه جعل يدبّره فيقول مرة: أفعل كذا، ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمعه، أي جعله جميعًا (١).
وقد كشف أبو الهيثم عن حقيقة معنى إجماع الأمر، ومن هذا قوله وتعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ [يوسف: ١٠٢]، وقال الشاعر (٢):
| أجمعوا أمرهم بليل فلما | أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء |
وقوله تعالى: وَشُرَكَاءَكُمْ، قال الفراء: وادعوا شركاءكم [دعاء استغاثة (٣) بهم والتماس لمعونتهم] (٤) وكذلك هي في قراءة عبد الله (٥)، قال: والضمير هاهنا يصلح إلقاؤه كما قال الشاعر (٦):
| ورأيت زوجك في الوغى | متقلدًا سيفًا ورمحًا |
(٢) البيت للحارث بن حلزة كما في "ديوانه" ص ٢٤، "لسان العرب" (ضوا) ٥/ ٢٦٢١.
(٣) في (م): (استعانة)، وما أثبته موافق لما في "الوسيط" ٢/ ٥٥٥.
(٤) ما بين المعقوفين غير موجود في "معاني القرآن" للفراء. ولم يذكره من نقل الجملة عنه كالنحاس في "إعراب القرآن" ٢/ ٣٦٢، وفي "معاني القرآن" ٣/ ٣٠٥، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٤/ ٤٨.
(٥) يعني ابن مسعود، ولم أجد من نسب إليه هذه القراءة سوى الفراء والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٥٥، والمشهور نسبتها إلى أبيّ بن كعب كما في "الحجة" ٤/ ٢٨٩، "المحتسب" ١/ ٣١٤، "تفسير الثعلبي" ٧/ ٢١/ ب، والزمخشري ٢/ ٢٤٥، "البحر المحيط" ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، "الدر المصون" ٦/ ٢٤١.
(٦) البيت لعبد الله بن الزبعرى في "ديوانه" ص ٣٢، وسيأتي تخريجه.
نصب الرمح بضمير (١) الحمل (٢).
قال الزجاج: الذي قاله الفراء غلط في إضمار (وادعوا)؛ لأن الكلام لا فائدة فيه (٣)؛ لأنهم إن كانوا يدعون شركاءهم لأن يجمعوا أمرهم، فالمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، [وإن كان الدعاء لغير شيء فلا فائدة فيه (٤)] (٥)، قال: والواو بمعنى (مع) كقولك: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها (٦)، وذكر أبو علي القولين جميعًا فقال: وقول الفراء انتصاب الشركاء بإضمار فعل آخر كأنه: فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، فدل المنصوب على الناصب كقول الشاعر:
علفتها تبنًا وماءً باردًا (٧)
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٤٧٣.
(٣) ساقط من (م).
(٤) ساقط من (م).
(٥) ما بين المعقوفين غير موجود في "المعاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٨، وقد ذكره عنه النحاس في "معاني القرآن" ٣/ ٣٠٥، ولفظه: وإن كان يذهب إلى الدعاء فقط فلا معنى لدعائهم لغير شيء.
قلت: يمكن حمل كلام الفراء على معنى مستقيم تقديره: فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ليجمعوا أمرهم، وهذا يفيد أن الشركاء لن يجمعوا أمرهم إلا بدعوة منهم، وهذه النكتة لا يؤديها تقدير الزجاج فلا وجه للاعتراض.
ولقد كان لكفار العرب شركاء عقلاء تمكن دعوتهم كما قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام: ١٣٧].
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٧، ٢٨.
(٧) البيت من الرجز، وبعده: حتى شتت همالة عيناها
وقال آخر:
شَرَّاب ألبان وتمر وأقط (١)
وقال آخر:
متقلدًا سيفًا ورمحًا (٢)
لما لم يجز أن يحمل الرمح على التقلد (٣) أضمر له فعلاً، كذلك يُضمر لنصب الشركاء -لما لم يجز الحمل على (أجمعوا) - فعل آخر، قال: وزعموا أن في حرف أُبي (وادعوا شركاءكم) (٤) فحمل الكلام في قراءة العامة على الذي يراد به الانتصاب، كقوله: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ
والبيت لبعض بني أسد يصف فرسه كما في "معاني القرآن" للفراء١/ ١٤، وهو بلا نسبة في: "الأشباه والنظائر" ٢/ ١٠٨، "أمالي المرتضى" ٢/ ٢٥٩، "أوضح المسالك" ٢/ ١٥٧، "الخصائص" ٢/ ٤٣١، "الدرر اللوامع" ٦/ ٧٩، "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي ص ١١٤٧، "شرح شواهد المغني" ١/ ٥٨، "اللسان" (زجج) ٣/ ١٨١٢.
(١) الرجز بلا نسبة في: "الإنصاف" ص ٤٨٨، "الحجة" ١/ ٣١٢، "الكامل" ١/ ٣٣٤، "لسان العرب" (زجج) ٣/ ١٨١٢، "المقتضب" ٢/ ٥١.
(٢) عجز بيت وصدره:
يا ليت زوجك قد غدا
والبيت لعبد الله بن الزبعري في "ديوانه" ص ٣٢، وفي بعض نسخ "الكامل". انظر: حاشية رقم (٥) ١/ ٣٣٤. والبيت بلا نسبة في "الأشباه والنظائر" ٢/ ١٠٨، "أمالي المرتضى" ١/ ٥٤، "خزانة الأدب" ٢/ ٢٣١، "الخصائص" ٢/ ٤٣١، "لسان العرب" (زجج) ٣/ ١٨١٢، "المقتضب" ٢/ ٥١، وانظر ما ذكره محقق "الحجة" ١/ ٣١١ حاشية (٢).
(٣) في (م): (التقليد). وفي "اللسان" (زيد): (تقلد الأمر: احتمله) وكذلك تقلد السيف.
(٤) سبق تخريج هذه القراءة مع قراءة ابن مسعود قريبًا.
اللَّهِ} [هود: ١٣]، وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة: ٢٣]، قال: ويجوز أن يكون انتصاب الشركاء على أنه مفعول معه، أي أجمعوا أمركم مع شركائكم، كقولهم: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة (١)، قال: ويدلك على جوازه أن الشركاء فاعلة في المعنى كما أن الطيالسة كذلك، ومن ثم قرأ الحسن (وشركاؤكم) (٢) رفعًا (٣).
قال أبو الفتح الموصلي: الواو التي بمعنى (مع) كقولهم (٤): لو خُليت والأسد لأكلك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، وكيف تصنع وزيدًا، وكيف تكون وقصعة ثريد، واجتمع زيد وأبا محمد، ومن أبيات (٥) الكتاب (٦):
| وكونوا (٧) أنتم وبني أبيكم | مكان الكليتين من الطحال (٨) |
(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" ١١/ ١٤٢، "المحتسب" ١/ ٣١٤، ومختصر في "شواذ القرآن" ص ٥٧، وليست هذه القراءة شاذة كما يوهم ذكرها ضمن القراءات الشاذة، بل قرأ بها من العشرة يعقوب كما في "إرشاد المبتدي" ص ٣٦٥، "النشر" ٢/ ٢٨٦، "إتحاف فضلاء البشر" ص ٢٥٣.
(٣) اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة" ٤/ ٢٨٨ بتصرف.
(٤) في (ى): (كقولك).
(٥) في (ى): (آيات)، وهو خطأ فاحش.
(٦) انظر: "كتاب سيبويه" ١/ ٢٩٨.
(٧) في مصادر تخريجه: فكونوا.
(٨) اختلف في نسبة البيت فهو لشعبة بن قمير كما في "نوادر أبي زيد" ص ١٤١، أو للأقرع بن معاذ كما في "سمط اللآلي" ص ٩١٤ لكن صدره فيهما: =
أي مع بني أبيكم، فلما حذف (مع) وأقام الواو مقامها أفضى الفعل الذي قبل الواو إلى الاسم الذي بعدها فنصبها (١) بوساطة (٢) الواو، وذلك أن الواو قوية فأوصلته إليه (٣).
وزاد غيره فقال: الواو في مثل هذا للجمع دون العطف، ألا ترى أن ليس قبلها منصوب يعطف عليه بالواو، والواو معنى الجمع فيه أعم من معنى العطف (٤)، ولا تكون الواو عاطفة إلا وهي للجمع، وقد تكون للجمع ولا تكون عاطفة وهي واو الحال، والواو في هذه المسألة جامعة، نحو قولك: استوى الماء والخشبة، الواو (٥) جمعت الخشبة مع الماء (٦)، والخشبة منصوبة بـ (استوى) بتوسط الواو، وعلى هذا، التقدير: فأجمعوا أمركم مع شركائكم (٧).
قال ابن الأنباري: وهذا الوجه خطأ في قول الكوفيين (٨)؛ لأنه لا
والبيت بلا نسبة في: "أوضح المسالك" ٢/ ٥٤، "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٢٦، "شرح أبيات سيبويه" ١/ ٤٢٩، "كتاب سيبويه" ١/ ٢٩٨.
(١) هكذا في جميع النسخ، وفي "سر صناعة الإعراب" فنصبه، وهو الصواب.
(٢) في (ى): (بواسطة)، والمثبت موافق للمصدر.
(٣) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٤٠.
(٤) ساقط من (ح) و (ز).
(٥) في (ى): (والواو).
(٦) في (م): (الواو)، وهو خطأ.
(٧) لم يتبين لي صاحب هذا القول، وانظر معناه في: "الأصول في النحو" لابن السراج ص ٢٠٩ - ٢١٢، "الإيضاح العضدي" ١/ ٢١٥ - ٢١٧، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص ٢٠٦.
(٨) ذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه منصوب على الخلاف، بمعنى أنه لا يحسن فيه تكرير الفعل ولا يصح، فانتصب ما بعد الواو على الخلاف. وذهب البصريون إلى أنه منصوب بالفعل الذي قبل الواو بتوسط الواو وتقويته به فتعدى إلى الاسم فنصبه، وإن كان في الأصل غير متعد. انظر: "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص ٢٠٦، "ائتلاف النصرة" ص ٣٦.
ينصب الثاني مع الواو التي تأويلها (مع) إلا بأن لا يحسن تكرير معرب الأول على الثاني، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال استوى الماء واستوت الخشبة [لأن الخشبة] (١) لم تكن معوجة فتستوي ولا يمكن أن يقال: جاء البرد وجاءت الطيالسة، إذ كانت الطيالسة لا تَقْدَم، والشركاء هاهنا يحسن أن نضمر معهم الدعاء (٢) فينصبهم، وما صلح إضمار فعل ناصب معه انقطع من المعرب الأول، وكان الفعل المضمر أملك به (٣) وأغلب عليه.
هذا كله في قراءة من قرأ فَأَجْمِعُوا بقطع الألف، وهو قراءة عامة القراء (٤)، وروى الأصمعي عن نافع: (فاجمعوا أمركم) بوصل الألف (٥) من جمعت.
قال أبو علي: والمعنى على هذا: فاجمعوا أمركم، أراد ذوي الأمر منكم، أي رؤساؤكم ووجوهكم، فحذف المضاف وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت، ويجوز أن يراد بالأمر ما كانوا
(٢) يعني يصح تقدير: وادعوا شركاءكم.
(٣) ساقط من (ى).
(٤) هذه هي القراءة المشهورة عن العشرة، لكن وردت روايات يسيرة عن بعضهم بالقراءة بوصل الألف، فقد روى ذلك عصمة عن أبي عمرو، والأصمعي عن نافع، وأيضاً رويس في أحد طرقه عن يعقوب.
انظر: كتاب "السبعة" ص ٣٢٨، "النشر" ٢/ ٢٨٥، "إتحاف فضلاء البشر" ص ٢٥٣.
(٥) انظر: كتاب "السبعة" ص ٣٢٨.
يجمعونه من كيدهم الذي يكيدونه به (١) (٢).
قال ابن الأنباري: ولكون المعنى: لا تَدَعوا من أمركم شيئًا إلا أحضرتموه. وانتصاب الشركاء في هذه القراءة بالنسق على الأمر، يراد به: أجمعوا شركاءكم للمعونة لكم، ولا تدعوا منها (٣) غائبًا عنكم، ليكون ذلك أبلغ لما تؤملونه (٤) من نصرتها. وقرأ الحسن وجماعة من القراء (فأجمعوا) بقطع الألف (وشركاؤكم) رفعًا (٥) بالعطف على الضمير المرفوع في (٦) (فأجمعوا) وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير، كنحو قوله: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: ٣٥]، [الأعراف: ١٩]؛ لأن قوله: أَمْرَكم فصل بين الضمير وبين المنسوق فكان كالعوض من التوكيد، وقد شرحنا (٧) هذا عند قوله: (فاذهب (٨) أنت وربك) [المائدة: ٢٤]، وكان الفراء يستقبح هذه القراءة لخلافها المصحف (٩)، فإن الواو لم تكتب (١٠) في المصاحف ولأن
(٢) " الحجة للقراء السبعة" ٤/ ٢٨٧ بتصرف.
(٣) في (ح) و (ز): (منه).
(٤) في (م): (تأملونها).
(٥) هذه قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وسلام ويعقوب. انظر: "مختصر في شواذ القرآن" ص ٥٧، "المحتسب" ١/ ٣١٤، "البحر المحيط" ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، "الغاية" ص ١٧٢، "النشر" ٢/ ٢٨٦، والقراءة ليست شاذة كما يوهم صنيع ابن خالويه وابن جني في ذكرها في "الشواذ".
(٦) ساقط من (ح).
(٧) الكلام لأبي بكر ابن الأنباري وكتابه مفقود.
(٨) في جميع النسخ: اذهب.
(٩) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٤٧٣.
(١٠) في (ي): (تكن).
شركاءهم هي الأصنام، والأصنام لا تعمل ولا تجمع (١)، انتهى كلام أبي بكر (٢).
وقوله تعالى: لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، قال أبو الهيثم: أي مبهمًا، من قولهم غُم علينا الهلال فهو مغموم: إذا التبس، قال طرفة:
| لعمرك ما أمري عليّ بغمة | نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد (٣) (٤) |
قال الزجاج: أي ليكن أمركم [ظاهرًا منكشفًا (٦).
وذكر صاحب النظم أن قوله: (ثم لا يكن أمركم] (٧) عليكم غمة) يجوز أن يكون نهيًا على غير المواجهة كما ذكره الزجاج (٨)، والنهي في الظاهر واقع على الأمر، ولكن المراد به صاحب الأمر كما قال: وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف: ٢٨] النهي واقع على العينين، ولكنه لما خاطب صاحب العينين حسن ذلك.
(٢) ذكر بعضه الرازي في "تفسيره" ١٧/ ١٤٠، لكنه نسبه للواحدي.
(٣) "ديوان طرفة" ص ٤٧، "الدر المصون" ٦/ ٢٤٣، "لسان العرب" (غمم) ٦/ ٣٣٠٢.
(٤) اهـ. كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" (غم)، "المستدرك" ص ١١٥.
(٥) انظر المصدر السابق، الصفحة التالية. والنص في كتاب "العين" (غمم) ٤/ ٣٥٠.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٨.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٨) يعني في قوله السابق.
قال: وقد قيل: إن (ثم) هاهنا زائدة، وحروف النسق قد تزاد في أضعاف الكلام مثل قوله: (كالأعمى والأصم والبصير (١) والسميع) (٢) [هود: ٢٤].
وقد ذكرنا هذا في الواو التي تكرر (٣) في النعوت، نحو قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام (٤)
وكقوله تعالى: إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧٣]، وزيادة الفاء ذكرناها أيضًا في مواضع، ومنها [قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا إلى قوله: فَلَهُمْ (٥) [البروج: ١٠] فالفاء زيادة (٦)، وكذلك قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا
(٢) وانظر زيادة (ثم) في "الصاحبي" ص ١٥٢.
(٣) في (ى): (تكون).
(٤) صدر بيت، وعجزه:
وليث الكتيبة في المزدحم
وهو مجهول القائل، وانظره بلا نسبة في: أبيات النحو في تفسير "البحر المحيط" ١/ ٢٠٢، "الإنصاف" ص ٤٧٦، "خزانة الأدب" ٥/ ١٠٧، "شرح أبيات معاني القرآن" ص ٣١٠، "شرح قطر الندى" ص ٢٩٥، "الكشاف" ١/ ١٣٣، ولم ينسبه محب الدين في "تنزيل الآيات على الشواهد" (ملحق بالكشاف) ٤/ ٥١٢. والقرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويطلق على السيد من الناس، والكتيبة: الجيش، والمزدحم: المراد به هنا المعركة؛ لأنها موضع المزاحمة والمدافعة. انظر تنزيل الآيات، الموضع السابق، "لسان العرب" (قرم).
(٥) لم يذكر في هذا الموضع زيادة الفاء.
(٦) في (م): (زائدة). وقد سبق بيان مراد النحويين بالزيادة وأضيف هنا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية حول الموضوع بعد بيانه وجود الزيادة في "كلام العرب"، ونصه: فليس في القرآن من هذا شيء، ولا يذكر فيه لفظًا زائدًا (كذا) إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد، وما يجيء من =
وَكَذَّبُوا] (١) بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ} [الحج: ٥٧]، ومثله قوله: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا إلى قوله تعالى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١١٨]، و (حتى) (٢) لا يقتضي (ثم) في جوابه، وكذلك قوله: ثُمَّ لَا يَكُنْ فيكون تأويله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم لا يكن أمركم عليكم (٣) إذا فعلتم ذلك غمة، فيكون جزمه على جواب الأمر.
وقوله تعالى: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ قال مجاهد: اقضوا إليّ ما في أنفسكم (٤).
قال ابن الأنباري: معناه: ثم امضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، يريدون مات ومضى (٥)، وهذا معنى قول الفراء (٦)، وقال الزجاج: ثم افعلوا ما تريدون (٧).
وقال ابن عرفة (٨): قضاء (٩) الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه،
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٢) يعني في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ في الآية نفسها.
(٣) في (ى): (عليكم غمة).
(٤) رواه ابن جرير ١١/ ١٤٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٠، وانظر: "تفسير مجاهد" ص ٣٨٢.
(٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٤/ ٤٨.
(٦) انظر: "معاني القرآن" ١/ ٤٧٤.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٩.
(٨) هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه.
(٩) في (م): (قضى)، وفي (ى): (أقضى).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي