ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام :
ولا ينفعكم نصحي١ إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم٢ هو ربكم وإليه ترجعون ]( ٣٤ ) :
والمعنى هنا : إن كان الله سبحانه يريد أن يغويكم فلن تنتفعوا بالنصيحة إن أردت أن أنصحكم ؛ لأن الآية بها تعدد الشرطين.
ومثال ذلك من حياتنا : حين يطرد ناظر المدرسة طالبا، عقابا له على خطأ معين، فالطالب قد يستعطف الناظر، فيقول الناظر : " إن جئتني غدا أقبل اعتذارك إن كان معك والدك ".
وقول الناظر : " إن كان معك والدك " وهو شرط متأخر، ولكنه كان يجب أن يتقدم.
وفي الآية الكريمة- التي نحن بصددها- جاء الشرط الأول متأخرا، ولكن هل يغوي الله سبحانه عباده ؟
لا، إنه سبحانه يهديهم، والغواية هي الضلال٣ والبعد عن الطريق المستقيم.
والحق سبحانه يقول عن محمد صلى الله عليه وسلم. ما ضل صاحبكم وما غوى٤ ( ٢ ) [ النجم ].
وقال سبحانه عن آدم عليه السلام حين أكل من الشجرة : ... وعصى آدم ربه فغوى ( ١٢١ ) [ طه ].
ونحن يجب ألا نقع في الآفة التي يخطئ البعض بها، حين يستقبلون ألفاظ العقائد على أساس ما اشتهر به اللفظ من معنى ؛ فالألفاظ لها معان متعددة.
لذلك لا بد أن نعرض كل معاني اللفظ لنأخذ اللفظ المناسب للسياق.
ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا٥( ٥٩ ) [ مريم ] : وقوله سبحانه هنا : فسوف يلقون غيا : أي : سوف يلقون عذابا، لأن غيهم كان سببا في تعذيبهم، فسمى العذاب باسم مسببه.
ومثل قول الحق سبحانه : وجزاء سيئة سيئة مثلها... ( ٤٠ ) [ الشورى ] : والحق سبحانه لا يسيء لعباده، ولكنهم هم الذين يسيئون لأنفسهم، فسمى ما يلقاهم من العذاب سيئة٦.
وكذلك " الغي " يرد بمعنى " الإغواء "، ويرد معنى الأثر الذي يترتب عن الغي من العذاب.
وقد عرض الحق سبحانه وتعالى في كتابه صورا متعددة للإغواء، فآدم عليه السلام حين تنكب٧ عن الطريق، وأكل من الشجرة المحرمة رغم تحذير الحق سبحانه له ألا يقربها، قال الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف : ... وعصى آدم ربه فغوى( ١٢١ ) [ طه ] : وقد فعل آدم عليه السلام ذلك بحكم طبيعته البشرية، فأراد الله تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف المنهج في " افعل " و " لا تفعل " ستظهر عورته وتبدو له سواءته٨ : وهكذا أخذ آدم عليه السلام التجربة ليكون مستعدا لاستقبال المنهج والوحي.
وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات الشيطان بقوله : قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ( ٣٩ ) [ الحجر ]، ولكن هل أغوى الله- سبحانه –الشيطان ؟
إن الحق سبحانه لا يغوي، ولكنه يترك الخيار للمكلف إن شاء أطاع، وإن شاء عصى.
ولو أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار٩، فإن أطاع الإنسان نال عطاء الله، وإن ضل، فقد جعل الله له الاختيار، ووجهه لغير المراد مع صلاحيته للمراد.
إذن : فالاختيار ليس مقصورا على الإغواء بل فيه الهداية أيضا، والإنسان قادر على أن يهتدى، وقادر على أن يضل١٠.
٢ - أغواه: أضله وأوقعه في الغي والضلال. قال تعالى: فأغويناكم إنا كنا غاوين (٣٢) [الصافات]..
٣ - ضل: غابت عنه الحجة وعدل عن الحق. والضلال: النسيان والضيع. وضل الشيء: خفي وغاب فهو يأتي لازما كما في المثال السابق.
ويأتي متعديا مثل: ضل المسافر الطريق، وقد نفى الله عن رسوله الضلال والغواية، وأثبت له أنه هو الناطق منه وبه وله، كما جاء في قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى (٣) إن هو إلا وحي يوحى (٤) [النجم] القاموس القويم مع تفسير البرهان باختصار..
٤ - غوى: يغوي غيا، وغوى يغوى غواية: انهمك في الجهل، وهو ضد الرشد. وغوى بمعنى خاب وضل؛ لأنه انهمك في الجهل..
٥ - الغي: سمي به واد في جهنم وفسر بذلك قوله: ... فسوف يلقون غيا (٥٩) [مريم] أي: جزاء الغي، أو يدخلون وادي الغي في جهنم [القاموس القويم]..
٦ - وهذا يعرف بالمشاكلة، وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، ومثاله قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها..(٤٠) [الشورى]؛ لأن الجزاء حق لا يوصف بأنه سيئة. مثله قوله تعالى: ومكروا ومكر الله..(٥٤) [آل عمران] فإطلاق المكر في جانب الباري تعالى إنما هو لمشاكلة ما معه. انظر: الإتقان في علوم القرآن (٣/٢٨١)..
٧ - نكب عن الشيء وعن الطريق: عدل. وتنكب فلان عنا: مال عنا. وتنكبه: تجنبه. [انظر: لسان العرب]. ويقول تعالى: وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون(٧٤) [المؤمنون]. أي: مائلون منحرفون عنه..
٨ - السواءات- جمع سوءة: وهي كل ما يقبح إظهاره وينبغي ستره، قال تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (٣١) [المائدة]..
٩ -يقول تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (٩٩) [يونس]. ويقول سبحانه: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي...(٢٥٦) [البقرة]. فإن الإنسان مخير في البدائل، أما القضايا التي لا يستطيع تبديلها فهي خصوصية الخالق، ويفهم من كلام فضيلة الشيخ أن إبليس من الجن لإثبات حق الاختيار له..
١٠ - قال تعالى عن الإنسان: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (٣) [الإنسان]، فالله قد جعل الإنسان مهيأ لأن يسلك أحد السبيلين: سبيل الهدى، وسبيل الضلال، ثم دله سبحانه على الطريق الصواب المستقيم، وترك له حرية الاختيار، فإما شاكرا لنعمة الدلائل إلى الخير، فيكون مؤمنا وإما كافرا فيكون كافرا..
تفسير الشعراوي
الشعراوي