نهي نوح عن الاغتمام بهلاك قومه وأمره بصنع السفينة
[سورة هود (١١) : الآيات ٣٦ الى ٤١]
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)
وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)
الإعراب:
نُوحٍ منصرف لأنه خفيف، وإن كان فيه العجمة والتعريف.
مِنْ قَوْمِكَ يُؤْمِنَ فاعل يُؤْمِنَ. مَنْ يَأْتِيهِ مَنْ موصولة، مفعول العلم.
اثْنَيْنِ في موضع نصب لأنه مفعول احْمِلْ. ووَ أَهْلَكَ معطوف عليه.
مَنْ سَبَقَ منصوب على الاستثناء من أَهْلَكَ.
وَمَنْ آمَنَ في موضع نصب لأنه معطوف على اثنين، أو على أهلك.
مَجْراها فيه ثلاثة أوجه: الأول- أن يكون منصوبا على تقدير حذف ظرف مضاف إلى ذلك. وَمُرْساها عطف عليه، وتقديره: باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أي اركبوا فيها متبكرين باسم الله تعالى في هذين الوقتين. وبِسْمِ اللَّهِ متعلق بمحذوف في موضع نصب على الحال من واو ارْكَبُوا. وبِسْمِ اللَّهِ هو العامل في مَجْراها.
الثاني- أن يكون مَجْراها مبتدأ، وبِسْمِ اللَّهِ خبره، وتقديره: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، والجملة حال من ضمير فِيها.
والثالث- أن يكون مَجْراها في موضع رفع بالظرف، والظرف حال من هاء:
فِيها.
ومن قرأ مَجْراها وَمُرْساها جعله اسم فاعل من أجراها الله فهو مجري، وأرساها فهو مرسي، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو مجريها ومرسيها.
إِلَّا قَلِيلٌ مرفوع بفعل: آمَنَ ولا يجوز نصبه على الاستثناء لأن الكلام قبله لم يتم. والتعبير حصر بهم.
البلاغة:
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا كناية عن الرعاية والحفظ.
المفردات اللغوية:
فَلا تَبْتَئِسْ تحزن، أي لا تغتم بهلاكهم، وهذا يعني أن الله أيأسه أو أقنطه من إيمانهم، ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإيذاء. بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من الشرك، فدعا عليهم بقوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح ٧١/ ٢٦] فأجاب الله دعاءه.
الْفُلْكَ السفينة، ويطلق على الواحد والجمع. بِأَعْيُنِنا بحفظنا وعنايتنا ورعايتنا، على طريق التمثيل. وَوَحْيِنا إليك كيف تصنعها. الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا بترك إهلاكهم والمقصود: لا تدعني برفع العذاب عنهم. إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ محكوم عليهم بالإغراق، فلا سبيل إلى كفه.
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ حكاية حال ماضية. مَلَأٌ جماعة. سَخِرُوا مِنْهُ استهزءوا به لعمله السفينة، فإنه كان يعملها، في برية بعيدة عن الماء، فكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجارا بعد ما كنت نبيا. قالَ: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ أي سنهزأ بكم إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة، ونجونا وتركناكم. وقيل: المراد بالسخرية: الاستجهال. عَذابٌ يُخْزِيهِ يذله ويفضحه. وَيَحِلُّ ينزل. عَذابٌ مُقِيمٌ دائم وهو عذاب النار.
حَتَّى إِذا.. حَتَّى هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن كانت غاية فهي غاية للصنع، أي لقوله: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. ويكون ما بعد يَصْنَعُ من الكلام حالا من يَصْنَعُ كأنه قال:
يصنعها، والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه، سخروا منه. وجواب كُلَّما إما سَخِرُوا وإما قالَ وسَخِرُوا بدل من مَرَّ أو صفة لملأ.
جاءَ أَمْرُنا بإهلاكهم. وَفارَ التَّنُّورُ أي نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور، والتَّنُّورُ تنور الخبز، ابتدأ منه النبع، على خرق العادة، وكان ذلك علامة لنوح. وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، أو بعين وردة بأرض الجزيرة. وقيل: التَّنُّورُ وجه الأرض.
احْمِلْ فِيها في السفينة. مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي ذكر وأنثى، أي من كل أنواعهما.
اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى. جاء في القصة: إن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كل نوع، فتقع يده اليمنى على الذكر، واليسرى على الأنثى، فيحملها في السفينة.
وَأَهْلَكَ أي زوجته وأولاده. إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي منهم بالإهلاك والإغراق، وهو ولده كنعان وزوجته، وأخذ معه سام وحام ويافث وزوجاتهم الثلاثة.
إِلَّا قَلِيلٌ قيل: كانوا ثمانين، نصفهم رجال ونصفهم نساء، وقيل: كانوا تسعة وسبعين:
زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة (سام وحام ويافث) ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم.
مَجْراها وَمُرْساها أي جريها ومنتهى سيرها. إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي لولا مغفرته للسيئات ورحمته بالعباد، لما أنجاكم، فهو رحيم حيث لم يهلكنا.
المناسبة:
الآيات تتمة لما ذكر قبلها، تتضمن الإعداد لإغراق قوم نوح وإهلاكهم، ومقابلة السخرية والتهكم بالتخطيط للنجاة وغرق القوم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن أحد من قومك بدعوتك إلا من قد آمن سابقا، فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم، فدعا عليهم نوح عليه
السلام بقوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح ٧١/ ٢٦].
واصنع الفلك أي السفينة أداة النجاة بأعيننا أي بمرأى منا وبرعايتنا وحفظنا وحراستنا، وبتعليمك بوحينا كيفية الصنع، حتى لا تخطئ، فقوله وَوَحْيِنا يعني تعليمنا لك ما تصنعه، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير.
واستعمل القرآن تعبير الأعين لكمال العناية وتمام الرعاية في قوله تعالى لموسى: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه ٢٠/ ٣٩] وقوله للنبي محمد صلى الله عليه وسلّم: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور ٥٢/ ٤٨].
وَلا تُخاطِبْنِي... أي ولا تراجعني يا نوح ولا تدعني في شأن قومك ودفع العذاب عنهم بشفاعتك، فقد وجب عليهم العذاب، وتم الحكم عليهم بالإغراق. والمقصود ألا تأخذك بهم رأفة ولا شفقة.
وبدأ يصنع السفينة، وكلما مر عليه جماعة من أشراف قومه، استهزءوا منه ومن عمله السفينة، وكذبوا بما توعدهم به من الغرق. قال نوح متوعدا بوعيد شديد وتهديد أكيد: إن تسخروا منا لصنع ما نصنع مما لا يفيد شيئا في ظنكم، فإنا نسخر منكم في المستقبل حين الغرق، كما تسخرون منا الآن، أي نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا، والحرق في الآخرة.
فسوف تعلمون قريبا بعد تمام عملنا من يأتيه عذاب يهينه في الدنيا، وهو عذاب الغرق، ويحل عليه عذاب مقيم، أي دائم مستمر أبدا في الآخرة.
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا.. أي حتى إذا حان وقت أمرنا بالهلاك من الأمطار المتتابعة، وفار التنور أي نبع الماء من التنور، موقد الخبز، وارتفع كما تفور القدر بغليانها، والفوران: الغليان، وكان ذلك علامة لنوح عليه السلام،
وعن ابن عباس: التنور وجه الأرض، أي صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماء. وهذا هو المعنى الأول لأن العرب تسمي وجه الأرض تنورا، قال تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً، فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ [القمر ٥٤/ ١١- ١٣].
وقلنا لنوح حينئذ: احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوان زوجين اثنين: ذكرا وأنثى، للحفاظ على أصل النوع الحيواني. واحمل فيها أهلك أي أهل بيتك من الذكور والإناث إلا أمرأتك وابنك: يام أو كنعان، وهما من سبق عليه القول أنه من أهل النار، للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه، تعالى الله عن ذلك.
وخذ معك من آمن من قومك، وإن لم يؤمن إلا عدد قليل، أو نزر يسير، مع طول المدة ودعوتهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما. قيل: كانوا ستة أو ثمانية رجال، ونساءهم: نوحا عليه السلام وأهله وأبناءه الثلاثة وأزواجهم، وقال ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا، منهم نساؤهم.
ولم ير الحق سبحانه وتعالى حاجة لبيان العدد لقلتهم التي لا تستحق الذكر، ولم يبين أنواع الحيوان المحمولة ولا كيفية حملها، فذلك متروك للبشر.
وَقالَ: ارْكَبُوا فِيها أخبر تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال لمن حملهم معه في السفينة: بسم الله يكون جريها على سطح الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها، أي بتسخيره تعالى وقدرته يكون مجراها ومرساها، لا بقوتنا.
إن ربي غفور لذنوب عباده رحيم بهم، فلولا مغفرته لذنوبكم ورحمته بكم لما نجاكم فقوله: إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي لأهل السفينة.
أخرج الطبراني عن
الحسين بن علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا: بسم الله الملك الرحمن الرحيم: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ».
وفي رواية أخرى لأبي القاسم الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك الرحمن:
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.. الآية. بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها.. الآية».
وذكر المغفرة والرحمة بعد ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين هو في الجملة شأن القرآن في بيان الأضداد والمتقابلات، كما في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف ٧/ ١٦٧] وقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ [الرعد ١٣/ ٦] ونحو ذلك من الآيات التي تقرن بين الرحمة والانتقام.
وذكر آية المغفرة والرحمة هنا في وقت الإهلاك وإظهار القهر لبيان فضل الله على عباده الذين نجاهم، فهم في جميع الأحوال بحاجة إلى إعانة الله وفضله وإحسانه، والإنسان لا ينفك عادة عن أنواع الزلات والخطايا، فإن نجاتهم لا ببركة علمهم كما قد يظنون، وإنما بمحض فضل الله، لإزالة العجب منهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١- الإياس من إيمان قوم نوح واستدامة كفرهم، تحقيقا لنزول الوعيد بهم.
وهذا يدل على صحة قول أهل السنة في القضاء والقدر، فإنه تعالى أخبر عن قوم نوح أنهم لا يؤمنون، ولا بد أن يقع ما يتفق مع هذا الخبر، وإلا انقلب علم الله جهلا وكذبا، وذلك محال.
٢- لطف الله بنبيه نوح، إذ أخبره قبل الهلاك بألا يغتم بهلاك قومه، حتى لا يصبح بائسا حزينا.
٣- أول سفينة عبرت البحر هي سفينة نوح، وكان صنعها برعاية الله وتعليمه نوحا كيفية الصنع. والمقصود من بِأَعْيُنِنا معنى الإدراك والإحاطة، لا التجسيم لأنه سبحانه منزه عن الحواسّ والتشبيه والتكييف، لا ربّ غيره.
واتخذ نوح عليه السلام السفينة في سنتين، كما قال ابن عباس، وقيل: في ثلاثين سنة، كما قال كعب، وقيل في مائة سنة كما ذكر زيد بن أسلم. وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلّمه كيف يصنعها. أما طولها وعرضها فعن ابن عباس:
كان طولها ثلاث مائة ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون ذراعا وكانت من خشب الساج.
٤- من الغباوة سخرية الناس من نبي يوحي إليه فيما يفعل، وسخريتهم إما بقولهم: يا نوح صرت بعد النبوة نجارا، وإما لأنهم لم يشاهدوا سفينة تبنى وتجري على الماء. وسخرية نوح كانت عند الغرق، والمراد بالسخرية الاستجهال أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا.
٥- ماء الطوفان جاء من السماء: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ وفوران التنور على وجه الأرض كان علامة.
٦- من رحمة الله بخلقه نجاة نوح ومن آمن معه من قومه، وهم ثمانون إنسانا، منهم ثلاثة من بنيه: سام وحام ويافث وزوجاتهم. ومن فضله تعالى الحفاظ على أصل الثروة الحيوانية، إذ أمر الله نوحا عليه السلام باصطحاب الحيوانات من كل شيء زوجين ذكر وأنثى.
٧- الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي