ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي عَمَلُ السَّفِينَةِ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: يَعْنِي لَا تَطْلُبْ مِنِّي تَأْخِيرَ الْعَذَابِ عَنْهُمْ فَإِنِّي قَدْ حَكَمْتُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْحُكْمِ، فَلَمَّا عَلِمَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ دَعَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ:
رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نُوحٍ: ٢٦] الثَّانِي: وَلا تُخاطِبْنِي فِي تَعْجِيلِ ذَلِكَ الْعِقَابِ عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَإِنِّي لَمَّا قَضَيْتُ إِنْزَالَ ذَلِكَ الْعَذَابِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَانَ تَعْجِيلُهُ مُمْتَنِعًا، الثَّالِثُ: الْمُرَادُ بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان.
[سورة هود (١١) : الآيات ٣٨ الى ٣٩]
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي قَوْلِهِ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصْنَعُ الْفُلْكَ. الثَّانِي: التَّقْدِيرُ وَأَقْبَلَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ فَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي صِفَةِ السَّفِينَةِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً: فَأَحَدُهَا: أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ اتَّخَذَ السَّفِينَةَ فِي سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ وَكَانَ طُولُهَا ثلاثمائة ذِرَاعٍ وَعَرْضُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَطُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ وَجَعَلَ لَهَا ثَلَاثَ بُطُونٍ فَحَمَلَ فِي الْبَطْنِ الْأَسْفَلِ الْوُحُوشَ وَالسِّبَاعَ وَالْهَوَامَّ، وَفِي الْبَطْنِ الْأَوْسَطِ الدَّوَابَّ وَالْأَنْعَامَ، وَفِي الْبَطْنِ الْأَعْلَى جَلَسَ هُوَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مَعَ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنَ الزَّادِ، وَحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَثَانِيهَا: قَالَ الْحَسَنُ/ كَانَ طُولُهَا أَلْفًا وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهَا سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ لَا تُعْجِبُنِي لِأَنَّهَا أُمُورٌ لَا حَاجَةَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا الْبَتَّةَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَتِهَا فَائِدَةٌ أَصْلًا وَكَانَ الْخَوْضُ فِيهَا مِنْ بَابِ الْفُضُولِ لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هاهنا مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَانِبِ الصَّحِيحِ وَالَّذِي نَعْلَمُهُ أَنَّهُ كَانَ فِي السَّعَةِ بِحَيْثُ يَتَّسِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَوْمِهِ وَلِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَلِحُصُولِ زَوْجَيْنِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ، لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ الْقَدْرِ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ فَفِي تَفْسِيرِ الْمَلَأِ وَجْهَانِ قِيلَ جَمَاعَةٌ وَقِيلَ طَبَقَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لِأَجْلِهِ كَانُوا يَسْخَرُونَ وَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: يَا نُوحُ كُنْتَ تَدَّعِي رِسَالَةَ اللَّه تَعَالَى فَصِرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ نَجَّارًا. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ لَكَانَ إِلَهُكَ يُغْنِيكَ عَنْ هَذَا الْعَمَلِ الشَّاقِّ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ مَا رَأَوُا السَّفِينَةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَكَانُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ وَيَسْخَرُونَ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ تِلْكَ السَّفِينَةَ كَانَتْ كَبِيرَةً وَهُوَ كَانَ يَصْنَعُهَا فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنِ الماء جدا وكانوا يقولون: ليس هاهنا مَاءٌ وَلَا يُمْكِنُكَ نَقْلُهَا إِلَى الْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ وَإِلَى الْبِحَارِ، فَكَانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ السَّفَهِ وَالْجُنُونِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ لَمَّا طَالَتْ مُدَّتُهُ مَعَ الْقَوْمِ وَكَانَ يُنْذِرُهُمْ بِالْغَرَقِ وَمَا شَاهَدُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى خَبَرًا وَلَا أَثَرًا غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ كَوْنُهُ كَاذِبًا فِي ذَلِكَ الْمَقَالِ فَلَمَّا اشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ لَا جَرَمَ سَخِرُوا مِنْهُ وَكُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ.

صفحة رقم 345

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية