قوله : وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ " يُهْرَعُونَ " في محلِّ نصب على الحال. والعامَّةُ على " يُهْرَعُونَ " مبنياً للمفعول. وقرأ فرقة١ بفتح الياء مبنيّاً للفاعل من لغة " هَرَع " والإهراعُ : الإسْراعُ.
ويقالُ : هو المَشْيُ بين الهرولة والجمز.
وقال الهرويُّ : هَرَعَ وأهرع : استحث.
وقيل :" الإهراعُ : هو الإسْرَاع مع الرّعدة ".
قيل : هذا من باب ما جاء بصيغةِ الفاعلِ على لفظِ المفعولِ، ولا يعرف له فاعل نحو : أولع فلان، وأرْعِدَ زَيْدٌ، وزُهي عمرٌو من الزهو.
وقيل : لا يجوزُ ورود الفاعل على لفظ المفعول، وهذه الأفعالُ عرف فاعلوها. فتأويلُ أولع فلانٌ أي : أولعهُ حبُّه، وأرْعدَ زيدٌ أي : أرعده غضبه، وزُهي عَمْرٌو أي : جعله ما لهُ زاهياً، وأهرع خوفه، أو حرصه.
فصل
روي أنَّه لمَّا دخلت الملائكةُ دار لوط - عليه السلام - مضت امرأته فقالت لقومه : دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن منهم وجوهاً ولا أطيب منهم رائحة ف " جَاءَهُ قَوْمُهُ " مسرعين وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات أي : من قبل مجيئهم إلى لوطٍ كانوا يأتون الرِّجال في أدبارهم، فقال لهم لوطٌ - عليه السلام - : حين قصدوا أضيافه فظنوا أنهم غلمان يا قوم هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ يعني : بالتزويج.
قوله : هؤلاء بَنَاتِي جملةٌ برأسها، و هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ جملةٌ أخرى، ويجُوزُ أن يكون " هؤلاءِ " مبتدأ، و " بَنَاتِي " بدلٌ أو عطفُ بيان، وهُنَّ مبتدأ، و " أطْهَرُ " خبره، والجملة خبر الأول. ويجوز أن يكون " هُنَّ " فصلاً، و " أطْهَرُ " خبر : إمَّا ل " هَؤلاءِ "، وإمَّا ل " بَنَاتِي " والجملةُ خبر الأوَّلِ.
وقرأ الحسنُ وزيدُ بنُ عليّ، وسعيدُ بنُ جبير٢، وعيسى بن عمر، والسُّدي " أطْهَرَ " بالنَّصْب، وخُرِّجَتْ على الحالِ، فقيل :" هؤلاءِ " مبتدأ، و " بَنَاتِي هُنَّ " جملة في محلِّ خبره، و " أطْهَرَ " حال، والعاملُ : إمَّا التَّنبيهُ وإمَّا الإشارةُ.
وقيل :" هُنَّ " فصلٌ بين الحالِ وصاحبها، وجعل من ذلك قولهم :" أكثر أكْلِي التفاحة هي نضيجةً " ومنعه بعضُ النحويين، وخرج الآية على أنَّ " لَكُم " خبر " هُنَّ " فلزمه على ذلك أن تتقدَّم الحالُ على عاملها المعنويِّ، وخرَّج المثل المذكور على أنَّ " نَضِيجَةٌ " منصوبة ب " كَانَ " مضمرة.
فصل
قال قتادةُ - رحمه الله - :" المرادُ بناته لصلبه "، وكان في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر جائزاً كما زوَّج النبي - صلوات الله البرّ الرحيم وسلامه عليه دائماً أبداً - ابنته من عُتْبة بن أبي لهبٍ، وزوج ابنته الأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين.
وقال الحسنُ بن الفضل : عرض بناته عليهم بشرط الإسلام٣.
وقال مجاهدٌ وسعيدُ بن جبير : أراد نساءهم، وأضاف إلى نفسه ؛ لأنَّ كُلَّ نبيٍّ أبو أمته٤ وفي قراءة أبي بن كعب " النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [ الأحزاب : ٦ ] وهو أب لهم " وهذا القول أولى ؛ لأنَّ إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفُجَّار أمر مستعبدٌ لا يليقُ بأهل المروءةِ، فكيف بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ؟ وأيضاً فبناته من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، أمَّا بناتُ أمته ففيهن كفاية للكُلِّ، وأيضاً : فلم يكن له إلاَّ بنتان، وإطلاق البنات على البنتين لا يجوز ؛ لما ثبت أنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة ؛ وقال بعضهم ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على سبيل التحقيق.
فإن قيل : ظاهرُ قوله : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ يقتضي كون عملهم طاهراً، ومعلوم أنَّهُ فاسدٌ ؛ ولأنه لا طهارة في نكاح الرَّجُل.
فالجوابُ : هذا جارٍ مجرى قولنا : الله أكبرُ، والمرادُ : أنَّهُ كبيرٌ، وكقوله : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم [ الصافات : ٦٢ ] ولا خير فيها، ولمَّا قال أبو سفيان يوم أحد اعْلُ هُبَلُ اعلُ هُبَلُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعلى وأجلُّ٥ ولا مقاربة بين الله والصنم.
قوله : وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي قرأ أبُو عمرو٦ ونافع بإثبات ياء الإضافة في " تُخْزُونِ " على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف ودلالة الكسر عليها.
والضَّيفُ في الأصل مصدرٌ كقولك : رجالٌ صومٌ، ثم أطلق على الطَّارق لميلانه إلى المُضِيف، ولذلك يقعُ على المفردِ والمذكر وضدِّيهما بلفظٍ واحدٍ، وقد يثنى فيقال : ضيفان، ويجمع فيقال : أضياف وضُيُوف كأبيات وبُيُوت وضيفان كحوض وحِيضان.
والضَّيف قائمٌ هنا مقام الأضياف، كما قام الطفل مقام الأطفال في قوله : أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء [ النور : ٣٢ ].
فصل
قال ابنُ عباسٍ : المرادُ : خافوا الله، ولا تفضحوني في أضيافي٧، يريد : أنَّهُم إذا هجمُوا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحةُ.
وقيل : معناه لا تخجلوني فيهم ؛ لأنَّ مضيف الضَّيْفِ يلحقهُ الخجلُ من كُلِّ فعل قبيحٍ يتوجه إلى الضَّيف، يقال : خزي الرجل إذا استحيا.
ثم قال : أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ أي : صالح سديدٌ يقول الحق، ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي. وقال عكرمةُ : رجل يقول : لا إله إلاَّ الله٨.
وقال ابن إسحاق : رجل يأمُرُ بالمعروفِ، وينهى عن المنكر٩.
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٩٤ والبحر المحيط ٥/٢٤٧ والدر المصون ٤/١١٨..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٩٥)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٨٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٦٢٠) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٩٥)..
٥ أخرجه أحمد (١/٤٦٣)..
٦ وقرأ بها أيضا نافع في الوصل ينظر: إعراب القراءات السبع ١/٢٩٧..
٧ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٨/٢٨)..
٨ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٩٥) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٦٢١) عن ابن عباس وعزاه إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في "الأسماء والصفات".
وذكره أيضا عن عكرمة وعزاه إلى أبي الشيخ..
٩ انظر المصادر السابقة..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود