قال سعدى المفتى أخذ جبريل عمودا من الأرض يابسا فدلكه بين إصبعيه فاذا هى شجرة تهتز فعرفت انه من الله تعالى وفى التأويلات النجمية مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اى من قدرة الله تعالى فان لله تعالى سنة وقدرة فيجرى امر العوام بسنته وامر الخواص إظهارا للآية والاعجاز بقدرته فاجرى أمركم بقدرته ومثلها امرأة عمران وهى حنة كانت عاقرا لم تلد الى ان عجزت اى صارت عجوزا ثم حملت بمريم وقد سبق فى آل عمران فاذا كان هذا الحمل بقدرة الله تعالى خارقا للعادة لم يحتج الى الحيض ولا يبعد الحيض ايضا فى كبر السن كما فسر بعض العلماء قوله تعالى فَضَحِكَتْ بحاضت قيل لما صلب الحجاج عبد الله بن الزبير جاءته امه اسماء بنت ابى بكر الصديق فلما رأته حاضت مع كبر سنها وقد بلغت مائة سنة وخرج اللبن من ثدييها وقالت حنت اليه مراتعه ودرت عليه مراضعه رَحْمَةِ اللَّهِ التي وسعت كل شىء واستبقت كل خير وَبَرَكاتُهُ خيراته النامية المتكاثرة فى كل باب التي من جملتها هبة الأولاد حالتان عَلَيْكُمْ لازمتان لكم لاتفارقاكم يا أَهْلَ الْبَيْتِ أرادوا ان هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالانعام به يا اهل بيت النبوة فليست بمكان عجب. والجملة مستأنفة فقيل خبر وهو الأظهر وقيل دعاء وقيل الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بنى إسرائيل لان الأنبياء منهم وكلهم من ولد ابراهيم عليه السلام ومثله فى قصة نوح عليه السلام قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وقد سبق إِنَّهُ اى الله تعالى حَمِيدٌ فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده لا سيما فى حقها مَجِيدٌ كثير الخير والإحسان الى عباده خصوصا فى ان جعل بيتها مهبط البركات وفى التأويلات النجمية حَمِيدٌ على ما يجرى من السنة والقدرة مَجِيدٌ فيما ينعم به على العوام والخواص واصل المجد فى كلامهم السعة قال ابن الشيخ المجد الكرم والمجيد صيغة مبالغة منه وقال الامام الغزالي رحمه الله المجيد الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله فكان شريف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمى مجيدا فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ اى زال الخوف والفزع الذي أصابه لما لم يأكلوا من العجل واطمأن قلبه بعرفانهم بحقيقتهم الملكية وعرفان سبب مجيئهم وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بنجاة قومه كما قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ او بالولد إسحاق كما قال فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وابراهيم اصل فى التبشير كما قال فى سورة اخرى فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ يُجادِلُنا اى جادل وخاصم رسلنا لانه صرح فى سورة العنكبوت بكون المجادلة مع الرسل وجيئ بجواب لما مضارعا مع انه ينبغى ان يكون ماضيا لكونها موضوعة للدلالة على وقوع امر فى الماضي لوقوع غيره فيه على سبيل الحكاية الماضية فِي قَوْمِ لُوطٍ فى شأنهم وحقهم لرفع العذاب جدال الضعيف مع القوى لا جدال القوى مع الضعيف بل جدال المحتاج الفقير مع الكريم الغنى وجدال الرحمة والمعاطفة وطلب النجاة للضعفاء والمساكين الهالكين وكان لوط ابن أخيه وهو لوط بن آزور ابن آزر وابراهيم بن آزر ويقال ابن عمه وسارة كانت اخت لوط فلما سمعا بهلاك قوم لوط اغتما لاجل لوط فطفق ابراهيم يجادل الرسل حين قالوا انا مهلكوا اهل هذه القرية فقال أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا قال فاربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا لا قال أرأيتم ان كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها
صفحة رقم 164
كذا ونريد كذا فاخبرتهم عن حال اهل المدينة وخبثهم فاظهروا الغم من أنفسهم فقالوا هل أحد يضفنا فى هذه القرية قالت ليس فيها أحد يضيفكم الا ذاك الشيخ فاشارت الى أبيها لوط وهو قائم على بابه فاتوا اليه وقال الكاشفى [چون نزديك شهر سدوم رسيدند كه لوط در آنجا مى بود نكاه كردند ديدند كه وى در زمين كار ميكرد پيش وى رفتند وسلام كردند] فلما رآهم وهيئتهم ساءه ذلك وهو قوله تعالى وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ [اندوهگين شد بديشان] وهو فعل مبنى للمفعول والقائم مقام الفاعل ضمير لوط من قولك ساءنى كذا اى حصل لى منه سوء وحزن وغم وبهم متعلق به اى بسببهم. والمعنى ساءه مجيئهم لا لانهم جاؤا مسافرين وهو لا يود الضيف وقراه فحاشى بيت النبوة عن ذلك بل لانهم جاؤا فى صورة غلمان حسان الوجوه فحسب انهم أناس فخاف عليهم ان يقصدهم قومه فيعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم وفيه اشارة الى عروض الهمّ والحزن له لهلاك قومه بالعذاب فانظر الى التفاوت بين ابراهيم ولوط وبين قومهما حيث كان مجيئهم لابراهيم للمسرة وللوط للمساءة مع تقديم المسرة لان رحمة الله سابقة على غضبه- وروى- ان الله تعالى قال لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط اربع شهادات فلما أتوا اليه قال لهم أما بلغكم امر هذه القرية قالوا وما أمرها قال اشهد بالله انها لشرّ قرية فى الأرض عملا يقول ذلك اربع مرات فدخلوا منزله ولم يعلم بذلك أحد فاذاع خبرهم امرأته الكافرة كما ستقف عليه وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً [وتنك دل شد بجهت ايشان] وذرعا نصب على التمييز اى ضاق بمكانهم صدره او قلبه او وسعه وطاقته وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه يقال ضاق ذرع فلان بكذا إذا وقع فى مكروه ولا يطيق الخروج منه. وفى الاخترى ضاق به ذرعا اى طاقة وضاق بالأمر اى لم يطقه ولم يقو عليه وكان مد اليه يده فلم تنله. قال الأزهري الذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه البعير يذرع بيديه فى سيره ذرعا على قدر سعة خطوته فاذا حمل عليه اكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه وجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة فيقال مالى به ذرع ولا ذراع اى مالى به طاقة وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ اى شديد علىّ وهو لغة جرهم كما فى ربيع الأبرار ثم قال لوط لامرأته ويحك قومى اخبزى ولا تعلمى أحدا وكانت امرأته كافرة منافقة فانطلقت لطلب بعض حاجتها فجعلت لا تدخل على أحد الا أخبرته وقالت ان فى بيت لوط رجالا ما رأيت احسن وجوها منهم ولا أنظف ثيابا ولا أطيب رائحة فلما علموا بذلك جاؤا الى باب لوط مسرعين فذلك قوله تعالى وَجاءَهُ اى لوطا وهو فى بيته مع أضيافه قَوْمُهُ والحال انهم يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يسرعون اليه كأنما يدفعون دفعا طلبا للفاحشة من أضيافه غافلين عن حالهم جاهلين بمآلهم والاهراع الاسراع قال فى التهذيب الهرع [براندن سخت وشتابانيدن] يقال اهرع القوم وهرعوا وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الجملة حال ايضا من قومه اى جاؤا مسرعين والحال انهم كانوا من قبل هذا الوقت وهو وقت مجيئهم الى لوط منهمكين فى عمل الفواحش [عملهاى بد از لواطه وكبوتر بازي وصفير زدن در مجالس وبراى استهزا نشستن
صفحة رقم 166
بر سر راهها] فتمرنوا بها اى تعودوا واستمروا حتى لم تعب عندهم قباحتها ولذلك لم يستحيوا مما فعلوا من مجيئهم مهرعين مجاهرين وفى التأويلات النجمية كانوا يعملون السيئات الموجبة للهلاك والعذاب فجاوا مسرعين مستقبلى العذاب وطلبوا من بيت النبوة من اهل الطهارة معاملة ساءتهم بخباثة نفوسهم ليستحقوا بذلك كمال الشقاوة وسرعة العذاب انتهى ودل ما ذكر على ان جهار الفسق فوق اخفائه ولذا رد شهادة الفاسق المعلن وفى الحديث (كل أمتي معافى الا المجاهرون) اى لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون بل يؤخذون فى الدنيا ان كانت مما يتعلق بالحدود واما فى الآخرة فمطلقا: قال السعدي قدس سره
| نه هركز شنيدم درين عمر خويش | كه بد مرد را نيكى آمد بپيش |
| نه إبليس بد كرد ونيكى نديد | بر پاك نايد ز تخم پليد |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء