وقول الحق سبحانه : وجاء قومه يهرعون إليه.. ( ٧٨ ) :
أي : يسرعون إليه في تدافق، والإنسان إذا لم يكن قد مرن على الشر وله به دربة، يكون مترددا خائفا، أما من له دربة فهو يقبل على الشر بجرأة ونشاط.
وكلمة " يهرعون " هي من الألفاظ العجيبة في اللغة العربية، وألفاظ اللغة تجد فيها فعلا له فاعل، كقولنا : " يضرب زيد عمرا " أي : أن الضارب هو " زيد " والمضروب هو " عمرو "، ونقول : " يضرب عمرو " أي : أننا بنينا الفعل للمجهول، وسمى عمرو " نائب فاعل ".
أما في الفعل " يهرع " فلا نجد أحدا يقول : " يُهرع " إلا ويكون بعدها فاعل وليس نائب فاعل، مثلها مثل الفعل " جن " فهل هناك من يأتي لنفسه بالجنون، أم أن الجنون هو الذي جاءه ؟ لا أحد يعرف سبب الجنون ؛ ولذلك بنيت الكلمة للمجهول، ولكن ما يأتي بعدها يكون فاعلا. وهذا من إعجاز البيان القرآني.
وكذلك نقول : " زُكم فلان " فمن الذي أصابه بالزكام ؟ لا نعرف سببا ظاهرا للزكام.
إذن : فإذا جهل الفاعل فنحن نبني الفعل للمجهول، ولكن ما يأتي بعده يكون فاعلا.
وقوله تعالى : يهرعون إليه... ( ٧٨ ) [ هود ] : يبين أنهم أقبلوا باندفاع، كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه ؛ لأن كلا منهم له دربة على ذلك الفعل المشين، أو أن كلا منهم ذاهب إلى ما يحب دون تهيب، باندفاع من نفسه ودفع من غيره، مثلما تقول : " سنوزع تموينا بالمجان " ؛ هنا تجد الناس يتدافعون، كل منهم من تلقاء نفسه، وغيره يدفعه ليرتد إلى الوراء.
وقوم لوط كانوا على دربة بتلك الفاحشة.
يقول الحق سبحانه عنهم : ومن قبل كانوا يعملون السيئات.. ( ٧٨ ) [ هود ] : أي : أن هذه المسألة عندهم كانت محبوبة، ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم، ولا حياء يمنعهم عنها.
فالحياء يعني أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها، لكن إذا ما كانوا كلهم يحبون تلك السيئة، فلن يخجل أحد من الآخر١.
وماذا يكون موقف لوط- عليه السلام- في هذا اليوم العصيب ؟ لقد أقبلوا عليه بسرعة، وفي كوكبة واندفاع، وهو يعلم نياتهم ويعلم سوابقهم، وفكر لوط- عليه السلام- في أن يصرفهم انصرافا من جنس اندفاعهم.
يقول الحق سبحانه : قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم.. ( ٧٨ ) [ هود ] : وقد قال ذلك لأن المرأة مخلوقة لذلك، ومن الممكن أن يتزوجوا من بناته.
وكان العرف في أيام لوط عليه السلام لا يمنع أن يزوج المؤمن ابنته لغير المؤمن ؟ وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى بناته لعتبة بن أبي لهب، وأخرى لأبي العاص بن الربيع ؟ قبل تحريم الحق سبحانه تزويج المؤمنة لغير المؤمن.
فهل كان المقصود : بناته من صلبه أم بنات أمته، أم بنات المؤمنين به ؟ وقد قيل : إنه لم يؤمن بالله إلا لوطا وابنتاه، فكيف يكون الزواج لابنتين من كل هذا العدد من الرجال المتدافعين ؟
وقيل : إنه بحث عن السادة الأقوياء الذين بيدهم القرار، وأراد أن يراضيهم بهذا الزواج ؛ لعلهم يرجعون عن الفواحش والسيئات، وفي هذا طهر لهم، وبذلك يحفظون كرامته أمام ضيوفه.
يقول لوط عليه السلام : فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي.. ( ٧٨ ) [ هود ] : وكلمة " ضيف " ٢- كما نعلم- جاءت هنا مفردة، ولكنها تطلق أيضا على الجمع، والمثنى، وتصلح للدلالة على المذكر وعلى المؤنث أيضا، فإن جاء ضيف واحد تقول : " هذا ضيفي "، وإن جاء اثنان تقول : " هذان ضيفي "، وإن كانت امرأة تقول : " هذه ضيفي "، وإن كانتا امرأتين تقول : " هاتان ضيفي "، وإن جاءت جماعة تقول : " هؤلاء ضيفي " ٣.
والحق سبحان يقول : هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ( ٢٤ ) [ الذاريات ].
وهناك ألفاظ أخرى كذلك في اللغة مثل : كلمة " طفل " ٤ فهي مفرد ؛ ولكنها قد تطلق على الجماعة، إلا أن كلمة " طفل " وجد لها جمع هو " أطفال ".
والحق سبحانه يقول : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظاهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن٥ أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة٦ من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء.. ( ٣١ ) [ النور ] :
إذن : فكلمة " طفل " تطلق أيضا، ويراد بها الجماعة.
وهنا يطلب لوط عليه السلام من قومه ألا يخزوه٧ في ضيفه، والخزي فضيحة أمام النفس وأما الناس.
والإنسان قد تهون عليه نفسه ويُقبل على العمل السيء ما لم يره أحد، أما أن يراه الناس، ففي هذا فضح له ؛ فالفضيحة تكون بين جمهرة الناس، والهوان أن يكون العمل السيء بينه وبين نفسه.
ويتساءل لوط عليه السلام : .. أليس منكم رجل رشيد ( ٧٨ ) [ هود ] : أي : ألا يوجد بينكم رجل له عقل ومروءة وكرامة٨، يمنع هذه المسألة.
٢ - ضافه يضيفه ضيفا: نزل عنده فهو ضائف، واسم مفعول: مضيف، والضيف: مصدر يوسف به بلفظه فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وقد يجمع على ضيوف، وضيفان، قال تعالى: قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (٦٨) [الحجر] أي: هؤلاء ضيفي فلا تفضحوني بالتعدي عليهم، و"ضيف" هنا بلفظ المفرد وهو لعدد من الملائكة [القاموس القويم]..
٣ - يقول رب العزة سبحانه وتعالى: قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (٦٨) [الحجر]..
٤ - الطفل (بكسر الطاء) هو الصغير من كل شيء، والطفل من الإنسان. الولد مادام صغيرا، ويستوي فيه المفرد وغيره، وجاء الجمع في قوله تعالى: أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء..(٣١) [النور] أي: الأطفال، وقوله تعالى: ثم نخرجكم طفلا..(٥) [الحج] أي: أطفالا. وجمع الطفل: أطفال، وجاء في القرآن: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا..(٥٩) [النور] [القاموس القويم ١/ ٤٠٣] بتصرف..
٥ - بعلوتهن: أزواجهن..
٦ - الإرب: الحاجة التي تقتضي الاحتيال لها وكذلك الأربة والمأرب، قال تعالى: أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل..(٣١) [النور] أي: غير ذوي الحاجة إلى النساء، أي: الذين ليس لهم شهوة لكبرهم أو عجزهم أو صغرهم، وقوله: .. ولي فيها مآرب أخرى (١٨) [طه] أي: حاجات وأغراض كثيرة أخرى كاتقاء ضرر أو غير ذلك..
٧ - أخزاه فلان: أهانه وفضحه، قال تعالى: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته..(١٩٢) [آل عمران] ومن دعاء القرآن: ولا تخزني يوم يبعثون (٨٧) [الشعراء]، وقال تعالى: فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي..(٧٨) [هود] أي: لا تهينوني ولا تفضحوني بإهانة ضيفي، وحذفت ياء المتكلم من كلمة "تخزوني" رسما ونطقا وتخفيفا. [القاموس القويم ١/١٩٢]..
٨ - ومن معاني الرشد أيضا أن يكون شديدا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكون صالحا مصلحا هاديا مستقيما مرشدا حكيما. انظر تفسير القرطبي [٤/ ٣٣٩٦]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي