ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

سورة الأنعام في قوله: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام: ١٠٤] (١)، في آخر هذه الآية قال بعض أهل المعاني: إن شعيبًا دعاهم إلى حفظ النعمة بترك المعصية، ثم قال: وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي: لا يحفظ النعمة عليكم إلا الله -عز وجل-، ولست الذي أحفظها عليكم فاتقوه بطاعته يحفظها عليكم.
٨٧ - وقوله تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، وتقرأ (أصلاتك) على واحدة، وتوجيه القراءتين (٢) ذكرناه في سورة براءة (٣)، قال عطاء عن ابن عباس (٤): يريدون دينك يأمرك، وعلى

(١) وخلاصة ما ذكره أنه قد جاءهم الحق الواضح البيّن الذي لا يحتاج معه إلى إكراه لأن مهمته البلاغ.
(٢) قرأ حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، وحجة من وحّد أن (الصلاة) بمعنى الدعاء، والدعاء صنف واحد وهي مصدر والمصدر يقع للقليل والكثير بلفظه، وحجة من جمع أنه قدر أن الدعاء مختلف أجناسه وأنواعه فجمع المصدر لذلك، انظر: "الكشف" ١/ ٥٠٧، "السبعة" ص ٣١٧، "إتحاف" ص ٢٥٩.
(٣) عند قوله تعالى: إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [براءة: ١٠٣]. ونقل في توجيه القراءة ما ذكره أبو علي حيث قال: "الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد، كقوله سبحانه: لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: ١٩]، فإذا اختلفت جاز أن يجمع، لاختلاف ضروبه، كما قال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ. ومن المفرد الذي يراد به الجمع قوله تعالى: وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: ٣٥]، وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣]، والمصدر إذا سمي به صار بالتسمية وكثرة الاستعمال كالخارج عن حكم المصادر، وإذا جمعت المصادر إذا اختلفت نحو قوله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ فأنْ يُجْمَع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر.
(٤) "زاد المسير" ٤/ ١٤٩ عن عطاء.

صفحة رقم 523

هذا كنى عن الدين بالصلوات؛ لأنها من الدين مما كانوا يرونه يفعلها تدينًا، والمعنى: أفي دينك الأمر بذا؟ وهو معنى قول الحسن (١)، ورُوي عن ابن عباس (٢) أيضًا أنه قال: كان شعيب كثير الصلاة (٣) لذلك قالوا هذا.
وقوله تعالى: أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا. قال الزجاج (٤): وهذا دليل (٥) على أنهم كانوا يعبدون غير الله -عز وجل-. قال صاحب النظم: قوله: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ وليس للصلاة أمر ولا نهي، وهذا يحمل على أن تكون الصلاة (٦) سببًا للفعل المتصل بها، كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] من أجل صلاته؛ لأن الصلاة من الإيمان والإيمان مانع منهما، فقد صارت الصلاة سببًا للامتناع منهما، فيصح على هذا الترتيب أن يقال: الصلاة مانعة من ذلك وآمرة به، وكذلك قوله: أَصَلَاتُكَ أي: من أجل أنك تصلي تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، أي: صلاتك تحملك على ذلك؟ فلذلك جاز أن يضاف الأمر إليها، فأما قوله: تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ أوقع الأمر على شعيب وهو في المعنى واقع على قومه، والتأويل: أصلاتك تأمرك أن تأمرنا أن نترك، فلما ذكر معنى الأمر أولًا اقتصر عليه ولم يُعد ذكره.

(١) القرطبي ٩/ ٨٧.
(٢) الثعلبي ٧/ ٥٤ أ، البغوي ٤/ ١٩٥، "زاد المسير" ٤/ ١٤٩، القرطبي ٩/ ٨٧.
(٣) في (ي): (الصلوات).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٧٢.
(٥) ساقط من (ب).
(٦) ساقط من (ب).

صفحة رقم 524

وقوله تعالى: مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وقد خلوا وماتوا وجاءت الحكاية عن فعلهم على وزن الاستقبال، والتأويل: إن شاء الله أن نترك ما كان يعبد آباؤنا، ومثله قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [البقرة: ١٠٢] أي كانت تتلوا.
وقوله تعالى: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ، قال ابن الأنباري (١): (أن) منسوقة على (ما) في قوله مَا يَعْبُدُ على تقدير أو نترك أن نفعل وهذا قول الفراء (٢) والزجاج (٣)، وزاد الفراء قولًا آخر شرحه أبو بكر، وهو: أن تكون (أن) منصوبة بفعل مضمر يراد به تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتنهانا أن نفعل، فدل الأمر على النهي، فحذف كما حذف البرد لما دل عليه الحر في قوله سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ (٤)، ومعنى قوله أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ قال الكلبي (٥): أي من البخس والظلم ونقص المكيال والميزان، وهو اختيار الزجاج (٦)؛ قال: المعنى: إنا قد تراضينا بالبخس فيما بيننا.
وقال ابن عباس (٧) في رواية عطاء: يريد قطع الدنانير والدراهم، وهو

(١) في (ي): (ابن عباس)، وانظر: "زاد المسير" ٤/ ١٥٠.
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٥٢.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٧٣.
(٤) النحل: ٨١.
(٥) نقله ابن الجوزي عن ابن عباس، "زاد المسير" ٤/ ١٥٠، وانظر: "تنوير المقباس" ١٤٤.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٧٣.
(٧) "البحر المحيط" ٥/ ٢٥٣ عن ابن المسيب.

صفحة رقم 525

قول القرظي (١) وزيد بن أسلم (٢)؛ قالوا: كان ينهاهم عن ذلك.
وقوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، قال ابن عباس (٣). يريدون: السفيه الجاهل، وعلى هذا كنوا بالحليم الرشيد عن السفيه الجاهل.
قال أبو بكر: وهذا التفسير مشاكل للغة (٤)؛ لأن العربي يقول لمخاطبه إذا استحمقه: يا عاقل من يقول هذا غيرك؟ يريد يا أحمق، ويقول لمن يستجهله: يا حليم فكر (٥) فيما تسمع، يعني يا جاهل.
قال الشاعر (٦):

فقلت لسيدنا يا حليم إنك لم تأس أسواء (٧) رفيقًا
فآخر البيت يدل على أنه استجهله وخاطبه بالحلم كانيا عن غيره، وهذا قول مقاتل بن سليمان (٨) قال: معناه: إنك لأنت السفيه الضال، وقال الحسن وابن جريج (٩) والكلبي وابن زيد وأكثر أهل التأويل: هذا
(١) الطبري ١٢/ ١٠٢، "زاد المسير" ٤/ ١٥٠، وابن المنذر كما في "الدر" ٣/ ٦٢٧، "البحر المحيط" ٥/ ٢٥٣.
(٢) الطبري ١٢/ ١٠٢، "زاد المسير" ٤/ ١٥٠، القرطبي ٩/ ٨٨، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٣/ ٦٢٧.
(٣) الثعلبي ٧/ ٥٤ ب، البغوي ٤/ ١٩٥، "زاد المسير" ٤/ ١٥٠.
(٤) في (ب): (اللغة).
(٥) ساقط من (ب).
(٦) البيت لشييم بن خويلد كما في "اللسان" (خفق) ٢/ ١٢١٤.
(٧) في (ب): (تأسوا سواء).
(٨) "تفسير مقاتل" ١٤٨ ب.
(٩) الطبري ١٢/ ١٠٣.

صفحة رقم 526

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية