ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

وهكذا نرى التخفيف في الشر حين يرفض واحد منهم مبدأ القتل، واستبدله بالإخفاء بإلقائه في الجب.
ولم يحدد الحق سبحانه لنا اسم القائل حتى يعصمهم جميعا من سوء الظن بهم.
والجب هو البئر غير المطوي(١) ؛ ونحن نعلم أن الناس حين تحفر بئرا، فمياه البئر تتدفق طوال الوقت ؛ وقد يأتي الردم فيسد البئر ؛ ولذلك يبنون حول فوهة البئر بعضا من الطوب لحمايته من الردم ؛ ويسمون مثل هذا البئر " بئر مطوي "، وهكذا تظل المياه في البئر في حالة استطراق.
وكلمة : غيابة الجب ( ١٠ ) [ يوسف ]
أي : المنطقة المخفية في البئر ؛ وعادة ما تكون فوق الماء ؛ وما فيها يكون غائبا من العيون.
ولسائل أن يقول : وكيف يتأتى إلقاؤه في مكان مخفي مع قول أحد الإخوة : يلتقطه بعض السيارة ( ١٠ ) [ يوسف ]
ونقول : إن في مثل هذا القول تنزيلا لدرجة الشر التي كانت متوقدة في اقتراح بعضهم بقتل يوسف ؛ وفي هذا الاقتراح تخفيض لمسألة القتل أو الطرح أرضا.
وبعد ذلك عاد القائل(٢) لحالته العادية، وصحت فيه عاطفة الأخوة ؛ وقال :
إن كنتم فاعلين ( ١٠ ) [ يوسف ]
أي : أنه توقع عدم رفضهم لاقتراحه.
وهكذا يشرح لنا الحق سبحانه كيف تمت تصفية هذه المسألة ؛ فلم يقف صاحب هذا الرأي بالعنف ضد اقتراح إخوته بقتل يوسف أو طرحه في الأرض ؛ بل أخذ يستدرجهم ليستلّ منهم ثورة الغضب ؛ فلم يقل لهم " لا تقتلوه "، ولكنه قال : " لا تقتلوا يوسف ".
وفي نطقه للاسم تحنين لهم.
ويضيف :
وألقوه في غيابة الجب يلتقطه(٣) بعض السيارة إن كنتم فاعلين ( ١٠ ) [ يوسف ]
وكأنه يأمل في أن يتراجعوا عن مخططهم.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ( ١١ )

١ - الطوى: البئر المطوية بالحجارة، يقال: طوى الركية طيا: عرشها بالحجارة والآجر، [لسان العرب- مادة: طوى]..
٢ - قال القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٥٢]: "القائل هو يهوذا، وهو أكبر ولد يعقوب، قاله ابن عباس، وقيل: روبيل، وهو ابن خالته، وقيل: شمعون"..
٣ - التقط الشيء ولقطه: أخذه ليصونه أو لغرض آخر، ولا يلتقط الإنسان إلا ما يراه نافعا، قال تعالى: فالتقطه آل فرعون...(٨) [القصص] فأخذوه ظنا منهم أنه مفيد نافع لهم. وكذلك قوله يلتقطه بعض السيارة..(١٠) [يوسف] يأخذه بعض المسافرين لينتفعوا به وليصونوه، [القاموس القويم ٢/ ١٩٨]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير