ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

ثم نبه الحق تعالى أن الإخبار بقصة يوسف عليه السلام من أعلام النبوة لنبينا صلى الله عليه وسلم، فقال :
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ * أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
قلت :( ذلك ) : مبتدأ، و( من أنباء الغيب ) : خبر. و( نوحيه ) : حال.
يقول الحق جل جلاله : ذلك أي : خبر يوسف وقصته، هو من أنباء أخبار الغيب التي لم يكن لك بها علم، وإنما عَلِمْتَه بالوحي الذي نُوحيه إليك فأخبرتهم به. وما كنت لديهم أي : وما حضرت عندهم، إذ أجمعوا أمرَهم : حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غَيَِابَةِ الجب، وهم يمكرون به، وبأبيه ؛ ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قوله تعالى : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين : مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية ؛ لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان ؛ قال تعالى : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : ١٣ ]. وتقدم في سورة هود١ ما يتعلق بقوله : وما تسألهم عليه من أجر .
وقوله تعالى : وكأيِّن من آية... الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار ؛ فإن الحق ـ جل جلاله ـ ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن : فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها ؛ فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها ؛ تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها. قال : ولنا في هذا المعنى :

لَكَ ما أثبتَ المعالم إلا لِتَراهَا بعَيْنِ مَن لا يَرَاهَا
فَارْقَ عَنهَا رُقِيَّ منْ لَيْس يَرضَى حَالةً دُون أن يرى مَولاهَا. هـ.
وقوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون : لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملةً بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلةً، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبداً. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير