ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

ثم شرع في ذكر القصة، فقال :
إذ قال يوسف لأبيه يا أبي إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين( ٤ ) قال يا بني لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين( ٥ ) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم( ٦ ) .
قلت :( إذ قال ) : معمول لا ذكرّ، أو بدل من ( أحسن القصص ) ؛ إن جعل مفعولا، بدل اشتمال، و( يا أبت ) : أصله : يا أبي، عوض من الياء تاء التأنيث ؛ لتناسبهما في الزيادة، ولذلك قلبت في الوقف هاء، في قراءة ابن كثير وأبي عمر ويعقوب. وإنما أعاد العامل في " رأيتهم " ؛ لطول الكلام، وجمع الشمس والقمر والكواكب جمع العقلاء ؛ لوصفهم بصفاتهم.
يقول الحق جل جلاله : إذ قال يوسف لأبيه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم : يا أبت إني رأيت في النوم أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين . وقد ذكر البيضاوي حديثا في تفسير هذه الكواكب فانظره. قيل : إن يوسف عليه السلام كان نائما في حجر أبيه، فنظر فيه، وقال في نفسه : أترى هذا الوجه أحسن أم الشمس أم القمر ؟ فإذا بيوسف قد انتبه من نومه، وقال : يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا. . . إلخ، فلما قص الرؤيا على أبيه بكى، فقال يوسف : لم تبكي يا أبتي ؟ قال : يا بني لم يسجد مخلوق لمخلوق إلى عند المحنة، والبلاء، ألا ترى الملائكة لما أسجدهم الله لآدم، كيف ابتلي بالخروج من الجنة ؟ ثم قال له : يا بني، الشمس والقمر أنا وخالتك-وكانت أمه قد ماتت- والإحدى عشر كوكبا إخوتك. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : البداية مجلاة النهاية، يوسف عليه السلام نزلت له أعلام النهاية في أول البداية. وكذلك كل من سبق له شيء من العناية، لا بد تظهر أعلامه في أول البداية ؛ " من أشرقت بدايته أشرقت نهايته ". من كانت بالله بدايته كانت إليه نهايته.
وأوصاف النهاية تأتي على ضد أوصاف البداية ؛ فكمال العز في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الذل في البداية. وتأمل قول الشاعر :

تَذَلَّلَ لِمَنْ تَهوَى لِتَكسِبَ عِزَّةً فَكَم عِزَّةٍ قَدْ نَالَها المرْء بِالذُّلِّ
وتأمل قضية سيدنا يوسف عليه السلام ؛ ما نال العز والملك حتى تحقق بالذل، والملك وكمال الغنى في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الفقر في البداية، وكمال العلم لا يأتي إلا بعد إظهار كمال الجهل، وكمال القوة لا يأتي إلا بعد كمال الضعف.. وهكذا جعل الله تعالى بحكمته الأشياء كامنة في أضدادها ؛ " تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه ". فالاجتباء يكون بعد الابتلاء، وإتمام النعم يكون بعد تقديم النقم، وذلك لتكون أحلى وأشهى، فيعرف قدرها ويتحقق منه شكرها، وهذا السر في تقديم أهوال يوم القيامة على دخول الجنة ؛ ليقع نعيمها في النفس كل موقع. ولا فرق بين جنة الزخارف، وجنة المعارف. ( حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات ). والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير