ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

وأصل ( ادكر ) اذتكر، فقلبت التاء دالاً مهملة، وأدغمت المعجمة فيها فبقيت دالاً. وإليه أشار ابن مالك بقوله :
في ادَّانَ وازْدَادْ وادَّكِرْ دالاً بَقِي ***. . .
وقال الذي نجا منهما من صاحبي السجن، وهو الساقي، وكان حاضراً، وادَّكرَ بعد أُمة أي : وتذكر بعد جماعة من السنين، وهي سبع سنين، أنا أُنبئكم بتأويله فأرسلون إلى من عنده علمها، أو إلى السجن. رُوي أنه لما سمع مقالة الملك بكى، فقال الملك : ما لك تبكي ؟ قال : أيها الملك ؛ إن رؤياك هذه لا يعبرها إلا الغلام العبراني الذي في السجن، فتغير وجه الملك، وقال : إني نسيته، وما ذكرته منذ سبع سنين، ما خطر لي ببال. فقال الساقي : وأنا مثلك، فقال لهم الملك : وما يدريك أنه يعبر الرؤيا ؟ فحدثه بأمره، وأمر الساقي فقال له : امض إليه وسله، فقال : إني والله أستحي منه ؛ لأنه أوصاني ونسيت، فقال له : لا تستح منه ؛ لأنه يرى الخير والشر من مولاه فلا يلومك. فأتاه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الروح في أصل نشأتها علامة داركَةٌ، تكاشف بالأمور قبل وقوعها، إذا غابت عن إحساسها الذي حجبها عن ذلك العلم، ولو كانت من كافر إذا غاب عن حسها بنوم، أو اصطلام، عقل. فمن طهرها من دنس الشرك بالتوحيد، وغيبها عن شواغل الحس بالتفرغ والتجريد، رجعت إلى أصلها، وفاضت عليها العلوم التي كانت لها قبل التركيب في القالب الحسي، علماً وكشفاً. ولا شيء أنفع لها في الرجوع من السهر والجوع. وفي الجوع أسرار كثيرة حسية، ومعنوية، وبسببه جمع الله شمل يوسف بأبيه وإخوته. وبه أيضاً ملَّك اللَّهُ يوسف ونصره ومكنه في الأرض حتى ملك مصر وأهلها. ولذلك قال نبينا ـ عليه الصلاة والسلام - :" اللهم إعِنِّي عَلَيهم ـ أي على قريش ـ بِسبعٍ كَسَبع يُوسفَ " ١.
وذكر الغزالي في الإحياء، في أسرار الجوع، أربعين خصلة. وفي بعض الأثر :( أن الله تعالى عذب النفس بأنواع من العذاب، ومع كل عذاب يقول لها : من أنا ؟ فتقول هي : ومن أنا ؟ حتى عذبها بالجوع، فقالت : أنت ربي سبحانك الواحد القهار ). والممدوح منه ؛ هو المتوسط دون إفراط ولا تفريط، كما قال البوصيري.

وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوع ومِنْ شِبعٍ فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ
وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير