للفاسدة عندنا، وذهب آخرون إلى أنهم قالوا: هذه منامات مختلطة لا نعلمها نحن؛ إذ لم نكن من أهل العبارة، إنما يعلمها من خص بالنفاذ في البصر، وحسن استخراج ما يغمض من تأويلها، ذهب إلى هذا المعنى مقاتل بن سليمان (١) ونفر معه.
وقالوا معنى قوله وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ لها تأويل يعلمه غيرنا، فالأضغاث على هذا المذهب [الجماعات من الرؤيا التي يجوز أن تصح وأن تبطل، واحتجوا على هذا المذهب] (٢) بقول الساقي: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ قالوا: ففي هذا دليل على أن الملأ اعترفوا بالعجز عن الجواب، لأنهم لو كانوا بغير هذا الوصف لم يقل الساقي ما قاله، وعلى هذا؛ الملأ قالوا للملك: ما رأيته جماعات أحلام كثيرة لا علم لنا بتأويلها، واعترفوا بالعجز عنها (٣).
٤٥ - قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا الآية، قال الكلبي (٤): لما سأل الملك عن رؤياه، جثا الساقي بين يديه بعد انقضاء جواب الملأ، فقال للملك: إني قصصت أنا والخباز على رجل في السجن منامين فخبّرنا
(٢) ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ) و (ج).
(٣) قلت: القول الأول أرجح لعدة اعتبارات، الأول: أنه قول عامة المفسرين من السلف ومن بعدهم، الثاني: أنهم وصفوا رؤيا الملك بكونها أضغاث أحلام أي لا تأويل لها، الثالث: أنه لا يتصور في هؤلاء الملأ الذين هم أهل مشورته أنهم لا يعرفونها، وأيضًا أنهم سيعترفون بعجزهم عن تأويلها، والذي يظهر أنهم علموا من تأويلها ما يسوء الملك فأرادوا أن يصرفوه عن تطلب تأويلها فقالوا "أضغاث أحلام.. ".
(٤) "تنوير المقباس" ص ١٥٠.
بتأويلها فصدق في جميع ما وصف، ولم يسقط من تأويله شيء، إن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا، فإنه رجل صالح فاضل عالم ظاهر المحاسن، فأذن له الملك في قصده، فذلك قوله: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا قال ابن عباس (١): يريد أحد العبدين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا.
وقوله تعالى: وَادَّكَرَ ذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ في سورة القمر (٢).
وقوله تعالى: بَعْدَ أُمَّةٍ قال ابن عباس (٣) والحسن (٤) ومجاهد (٥) وعامة أهل التفسير والمعاني (٦): بعد حين. قال بعض أهل المعاني: هي الجملة من الحين، والجماعة من الحين؛ لأن الجماعة الكثيرة من الناس
(٢) الآيات: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١، قال هنالك في أول موضع: "قال مقاتل: فهل من مدتكر، وقال أبو إسحاق: وأصله مدتكر، ولكن التاء أبدل منها الذال، والذال في موضع التاء هي أشبه بالدال من التاء، وأدغمت الذال في الدال".
(٣) الطبري ١٢/ ٢٢٧، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٤، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥١، وأبو الشيخ من طرق كما في الدر ٤/ ٣٩، القرطبي ٩/ ٢٠١.
(٤) الطبري ١٢/ ٢٢٨.
(٥) الطبري ١٢/ ٢٢٨.
(٦) الطبري ١٢/ ٢٢٧، الثعلبي ٧/ ٨٥ ب، البغوي ٤/ ٢٤٦، "زاد المسير" ٤/ ٢٣١، ابن عطية ٧/ ٥٢٢، "معاني الفراء" ٢/ ٤٧، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ٣١٣، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص ٢٢٥، "معاني النحاس" ٣/ ٤٣٢، و"معاني الزجاج" ٣/ ١١٣.
أمة يدل على صحة هذا ما روى عطاء عن ابن عباس (١) "بعد أمة" بعد سنين. فإن قيل أكثر المفسرين على أن معنى قوله: "وادكر" دليل على أن الناسي هو الساقي.
قال ابن الأنباري (٢): يقال إذ ادكر بمعنى: ذكر وأخبر الملك، وصلح أن يكون ادكر بمعنى ذكر، كما تقول احتلب بمعنى حَلبَ، واعتدى بمعنى عدى في قوله تعالى: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة: ١٩٤]. وذكر لا يدل على نسيان سبقه.
وقد قال الكلبي فيما روى عن ابن عباس (٣): إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تعبير رؤياه، خوفًا من أن يكون ذلك إذكارًا لذنبه الذي من أجله حبسه الملك مع الخباز، فكتم أمره ولم يبده للملك لهذه العلة، فهذا يدل على أن الساقي قد نسي ذلك لقضاء الله تعالى في كون يوسف مدة في السجن، أنساه ذلك من غير أن ينسب النسيان إلى الساقي [في قوله فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ويكون نسيان الساقي غير مذكور، ويستدل عليه بقوله وَادَّكَرَ. ومن نسب النسيان إلى الساقي] (٤) فَسّر الادّكار على ظاهره ولم ينقله إلى معنى الذكر.
وقوله تعالى أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ وقرأ الحسن (٥) (أنا آتيكم بتأويله) وقال: أراد العلج ينبئهم بتأويله حتى لا يأتي به من عند يوسف عليه السلام.
(٢) "زاد المسير" ٤/ ٢٣١.
(٣) "تنوير المقباس" ص ١٥٠، "زاد المسير" ٢٣١/ ٤، القرطبي ٩/ ٢٠٢.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) ابن عطية ٧/ ٥٢٣ قال: "وكذلك في مصحف أبي"، و"البحر المحيط" ٥/ ٣١٤، و"معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٤٣٢، وقال الحسن: (كيف ينبئهم العلج؟).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي