ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨ ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

فضل الله على يوسف عليه السّلام، فإن ما سيعطيه الله له في الآخرة خير وأفضل مما أعطاه إيّاه في الدّنيا من الملك والسّلطان والمكانة والسّمو.
ودلّت هذه الآية بخصوصها على أن يوسف عليه السّلام من الذين آمنوا وكانوا يتّقون، وهذا تنصيص من الله عزّ وجلّ.
والخلاصة:
تضمّنت الآيات شهادتين من الله تعالى ليوسف عليه السّلام الأولى أنه كان من المحسنين، والثانية أنه كان من المؤمنين المتّقين. ودلّت آية أخرى وهي:
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ على أنه من المخلصين، فصارت الشّهادات من الله تعالى ليوسف ثلاثة: كونه من المتّقين، ومن المحسنين، ومن المخلصين. وسبب هذه الشّهادات الصّبر على مراد الله فيه، والطّاعة والتّقوى وإخلاص العمل وصفاء النّفس من الأحقاد والضّغائن.
الفصل العاشر من قصة يوسف أولاد يعقوب يشترون القمح من أخيهم يوسف ومطالبته إياهم بإحضار أخيهم
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٨ الى ٦٢]
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)

صفحة رقم 13

البلاغة:
فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ بين عرف وأنكر: طباق.
المفردات اللغوية:
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ وهم أحد عشر إلا بنيامين ليمتاروا لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الطعام بثمنه. فَعَرَفَهُمْ أنهم إخوته، والمعرفة وعرفان الشيء: التّفكّر في أثره. وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ الإنكار: ضدّ المعرفة، أي أنهم لم يعرفوه لبعد عهدهم به وظنّهم هلاكه. جَهَّزَهُمْ أو في لهم كيلهم من القمح الذي جاؤوا لطلبه من عنده، أي جعله تاما وافيا. وجهاز السّفر: أهبته وحوائجه، وجهاز العروس: حوائج الزّفاف. بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أي بنيامين لأعلم صدقكم فيما قلتم. أُوفِي الْكَيْلَ أتمّه من غير بخس. الْمُنْزِلِينَ المضيفين الضيوف، وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم.
فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي ميرة. وَلا تَقْرَبُونِ نهي أو عطف على محل: فَلا كَيْلَ أي تحرموا ولا تقربوا، أي فلا تقربوني ولا تدخلوا دياري. سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ سنجتهد في طلبه من أبيه، ونستميله لتحقيق هذه الرّغبة برفق. وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ذلك لا نتوانى فيه. لِفِتْيانِهِ لغلمانه الكيالين، جمع فتى. بِضاعَتَهُمْ ثمن ما أتوا به من الطعام، وكانت دراهم فضة، وإنما فعل ذلك توسيعا وتفضّلا عليهم وترفّعا من أن يأخذ ثمن الطّعام منهم. فِي رِحالِهِمْ أوعيتهم.
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها لعلهم يعرفون حقّ ردّها، أو لكي يعرفوها. إِذَا انْقَلَبُوا انصرفوا ورجعوا إلى أهلهم، وفتحوا أوعيتهم. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرّجوع.
أضواء من التّاريخ:
قال ابن عباس وغيره «١» : لما أصاب النّاس القحط والشدّة، ونزل ذلك بأرض كنعان، بعث يعقوب عليه السّلام ولده للميرة، وذاع أمر يوسف عليه السّلام في الآفاق، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته، وكان يوسف عليه السّلام حين نزلت الشّدّة بالنّاس يجلس عند البيع بنفسه، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكلّ رأس وسقا «٢».

(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٢٠
(٢) الوسق: ستون صاعا، والصّاع (٢٧٥١ غم)، وعند الحنفيّة (٣٩٠٠ غم).

صفحة رقم 14

وذكر السّدّي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين: أن السّبب الذي من أجله أقدم إخوة يوسف بلاد مصر: أن يوسف عليه السّلام، لما باشر الوزارة بمصر، ومضت السّبع السّنين المخصبة، ثم تلتها السّبع السّنين المجدبة، وعمّ القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان: وهي التي فيها يعقوب عليه السّلام وأولاده، وحينئذ احتاط يوسف عليه السّلام للنّاس في غلّاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم، وهدايا متعددة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرّجل أكثر من حمل بعير في السّنة، وكان عليه السّلام لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النّهار، حتى يتكفأ الناس بما في أيديهم مدّة السّبع السنين، وكان رحمة من الله تعالى على أهل مصر «١».
وغير هذه الرّوايات هي من الإسرائيليات.
التفسير والبيان:
وجاء إخوة يوسف عليه السّلام من أرض كنعان (فلسطين) إلى مصر، يطلبون شراء القمح، لأن القحط عمّ بلاد الشّام ومصر، لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه.
فلما دخلوا على يوسف، وهو في منصبه الرّفيع، عرفهم حين نظر إليهم، لأن ملامح الكبار لا تتغيّر كثيرا، وهم له منكرون، أي لا يعرفونه، لأنهم فارقوه، وهو صغير حدث، وباعوه للسّيّارة، والملامح في حال الصّغر تتغيّر كثيرا في حال الكبر، ولأنهم قدروا هلاكه، وما دار في خلدهم أنه سيصير إلى ما صار إليه، ولنسيانهم له بطول العهد.
وزاد في الأمر أنه- كما ذكر السّدّي- شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر

(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٣

صفحة رقم 15

عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيّها العزيز، إنّا قدمنا للميرة، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبيّ الله، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنّا اثني عشر، فذهب أصغرنا هلك في البريّة، وكان أحبّنا إلى أبيه وبقي شقيقه، فاحتبسه أبوه ليتسلّى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم.
لكن يبعد من يوسف عليه السّلام أن يتّهم إخوته وينسبهم إلى أنهم جواسيس وعيون، لأنه يعرف براءتهم عن هذه التّهمة. وعلى كل حال إنه سؤال لا يقتضي صحته.
ولما جهّزهم بجهازهم، أي لما أوفى لهم كيلهم، وحمل أحمالهم من القمح، وهي عشرة أحمال وزادهم حملين آخرين لأبيهم وأخيهم، قال: ائتوني في المرة القادمة بأخ لكم من أبيكم؟ وهو بنيامين، ألا ترون أني أتمّ لكم الكيل الذي تريدون دون بخس، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم، وأنا خير المنزلين، المضيفين للضيوف، وكان أحسن ضيافتهم؟ وقصده من ذلك ترغيبهم في الرّجوع إليه، وكان السّبب في سؤال يوسف عن حال أخيهم أنهم ذكروا أن لهم أبا شيخا كبيرا وأخا بقي في خدمة أبيه، ولا بدّ لهما أيضا من شيء من الطعام، فجهّز لهما أيضا بعيرين آخرين من الطعام، فقال يوسف: فهذا يدلّ على أن حبّ أبيكم له أزيد من حبّه لكم، فجيئوني به حتى أراه.
ثم أنذرهم بقوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ، فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي إن لم تقدموا به في المرة الثّانية فليس لكم عندي ميرة، وَلا تَقْرَبُونِ أي ولا تدخلون بلادي.
قالُوا: سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ سنجتهد في طلبه من أبيه، ونحاول إقناعه بذلك برفق، وإنّا لفاعلون ذلك لا محالة، أي سنحرص على مجيئه إليك بكلّ إمكاناتنا ولا نبقي مجهودا نبذله، لتعلم صدقنا فيما قلناه.

صفحة رقم 16

وقال لفتيانه أي لغلمانه، اجعلوا بضاعتهم في رحالهم أي اجعلوا البضاعة التي اشتروا بها الطعام، وقدموا بها للميرة معاوضة، في أمتعتهم التي لهم من حيث لا يشعرون.
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها.. لعلهم يعرفون حقّ ردّها وحقّ إكرامنا لهم بإعادتها إليهم، لعلهم يرجعون إلينا، بعد عودتهم إلى أهلهم، وفتح متاعهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١- قد لا يعرف الأخ أخاه بسبب طول العهد والمدّة، لا سيما إذا تبدل حال الأخ من أدنى درجات الحال إلى أعلاها، مما يبعد عن التّصور في الذّهن احتمال معرفته.
٢- تحقيق الغايات قد يستعمل من أجله التّرغيب والتّرهيب معا، كما فعل يوسف من أجل إحضار أخيه بنيامين، فالتّرغيب هو قوله: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ، وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ، والتّرهيب هو قوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ، فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، فإذا منعهم من الحضور عنده، كان ذلك نهاية التّرهيب والتّخويف.
٣- اتّفق أكثر المفسّرين على أن إخوة يوسف ما كانوا عالمين بجعل البضاعة في رحالهم.
٤- السّبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم: هو ترغيبهم في العود إليه، والحرص على معاملته، حينما يعلمون أن بضاعتهم ردت إليهم، كرما من يوسف، وسخاء محضا.

صفحة رقم 17

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية