الإيضاح : قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه أي قال ما أعظم ما فعلتم بيوسف من قبل وبأخيه بنيامين من بعد على قرب العهد، ما أقبح ما أقدمتم عليه، كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت، وهل تعرف من خالفت.
إذ أنتم جاهلون قبح ما فعلتموه في حكم شرعكم، وحقوق بر الوالدين وما يجب من رحمة القرابة والرحم.
وخلاصة ذلك : إنكم كنتم في حال يغلب عليكم فيها الجهل بهذه الحقوق، وبعاقبة البغي والعقوق.
وقد يكون المراد من الجهل الطيش والنزق وإتباع الهوى وطاعة الحسد والأثرة.
وقد قال لهم هذه المقالة تمهيدا لتعريفهم بنفسه، إذ آن أن يصارحهم به بعد أن بلغ الكتاب أجله، وبلغت به وبهم الأقدار غايتها، ولم يبق بعد هذا إلا التصريح، وتأويل رؤياه التي كانت السبب في كل ما حدث من تلك الأفاعيل.
وقد ذكّر يوسف إخوته بذنوبهم تذكيرا مجملا قبل أن يتعرف إليهم بذكر العذر وهو الجهل بقبح الذنب في ذاته وبسوء عاقبته لتمكن نزغ الشيطان من أنفسهم الأمارة بالسوء، وقد ذكرهم بطريق سؤال العارف المتجاهل على طريق التقرير لا التقريع والتوبيخ كما يدل عليه نفي التثريب والدعاء بالمغفرة.
قال صاحب الكشاف في تفسير الآية : أتاهم من جهة الدين وكان حليما موفقا، فكلمهم مستفهما عن معرفة وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب قال هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون لا تعلمون قبحه، فلذلك أقدمتم عليه يعني هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه ؟ لأن علم القبح يدعو إلى الاستقباح، والاستقباح يجر إلى التوبة، فكان كلامه شفقة عليهم وتنصحا لهم في الدين لا معاتبة وتثريبا، إيثارا لحق الله على حقّ نفسه في ذلك المقال الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث المصدور، ويتشفى المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، فلله أخلاق الأنبياء ما أوطأها وأسجحها، والله حصا عقولهم ما أوزنها وأرجحها اه.
وكان سؤاله إياهم عما فعلوا بيوسف وأخيه وهو سؤال العارف بأمرهم فيه من البداءة إلى النهاية مصداقا لما أوحاه الله إليه حين ألقوه في غيابة الجب من قوله : وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون [ يوسف : ١٥ ] إذ يبعد أن يعرف هذا سواه، فأرادوا أن يتثبتوا من ذلك ويستيقنوا به، فوجهوا إليه سؤالا هو سؤال المتعجب المستغرب لما يسمع.
تفسير المراغي
المراغي