٢٨٣- قال الشافعي : واعلموا أن الله خالق أكساب الخلق ومحدثها من العدم إلى الوجود، وجاعلها كسبا لهم بأن خلق لهم قدرة معها. والعبد مكتسب غير خالق، والباري تعالى خالق غير مكتسب.
ومعنى الخلق هو الإحداث من العدم إلى الوجود. ومعنى الكسب ما تعلقت به قدرة حادثة، والدليل عليه قوله تعالى : أَمْ جَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ الآية، فبين أن كل مخلوق فالله تعالى خالقه ولا خالق غيره. وقال تعالى : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ١ فأخبر الله سبحانه بأنه خالق أعمالهم، كما أنه خالق أنفسهم وأعيانهم. ولأن من شرط الخالق أن يكون عالما بما خلق، فلو كان العبد خالقا لكسبه وفعله لكان يعلم عدد حركاته وسكناته وسائر أوصاف كسبه الراجعة إلى ذاته، وإذا رجع إلى نفسه علم بالضرورة أنه لا يعلم ذلك، فثبت أن الخالق هو الله تعالى.
وفي هذا المعنى قوله تعالى : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمُ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اِلصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ ٢ فبان أن الخالق لا بد أن يكون عالما بما خلق، لأنه لو صح وجود الخلق ممن لا يعلم خلقه لصح وجود الأفعال ممن ليس بعالم أصلا، فيؤدي إلى إبطال الإلاهية وذلك محال.
فإذا ثبت بأن أكساب العبد كلها مخلوقة لله تعالى، ويدل عليه إطلاق السلف بأن : لا خالق إلا الله، كإطلاقهم لا إله إلا الله. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ١٨. )
٢ - الملك: ١٣-١٤..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي