و " قل " هي أمر للرسول أن يقول للكافرين، وهناك في آيات أخرى يقول سبحانه :
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون " ٨٧ " ( سورة الزخرف )ولقائل أن يسأل : لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالإجابة ؛ ولم يتركها لتأتي منهم ؟
ونقول : إن مجيء الإجابة من الحق هنا عن الذي خلق السماوات والأرض أقوى مما لو جاءت الإجابة منهم.
والمثل من حياتنا ؛ ولله المثل الأعلى ؛ قد تقول لابنك الصغير المتشاحن مع أخيه الكبير ؛ من الذي جاء لك بالحلة الجديدة ؟ فيرتبك خجلاً ؛ لأنه يعلم أن من جاء بالحلة الجديدة هو أخوة الأكبر الذي تشاحن معه ؛ فتقول أنت : جاء لك بها أخوك الأكبر الذي تشاحنت معه.
وهنا لحظة أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ما أمره الله أن يقول :
قل من رب السماوات والأرض.. " ١٦ " ( سورة الرعد )فسوف يرتكبون ؛ فيؤكد لهم بعد ذلك ما أمره الله أن يقول : قل الله.. " ١٦ " ( سورة الرعد ).
ويتتابع أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول له الحق سبحانه : قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.. " ١٦ " ( سورة الرعد )، وهكذا يكشف لهم الرسول ببلاغ الحق سبحانه مدى جهلهم ؛ وهم من سبق لهم الاعتراف بأن الله هو خالق السماوات والأرض ؛ ولم يجرؤ واحد منهم على أن ينسب خلق السماوات والأرض للأصنام.
وهنا يوضح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمر الحق سبحانه بإيضاحه : لقد خلق الله السماوات والأرض أفبعد ذلك تتخذون من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ؛ ولا ضراً ؟ بدليل أن الصنم من هؤلاء لا يقدر لهم على شيء. ويتابع الحق سبحانه :
قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء " ١٦ " ( سورة الرعد )
وبطبيعة الحال لا يمكن أن يستوي الأعمى بالمبصر. وساعة ترى " أم " اعلم أنها ضرب انتقالي، وهكذا يستنكر الحق ما فعلوه بالاستفهام عنه ؛ لأنه شيء منكر فعلاً :
أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم.. " ١٦ " ( سورة الرعد )أي : لو كان هؤلاء الشركاء قد خلقوا شيئاً مثل خلق الله ؛ لكان لهم أن يعقدوا مقارنة بين خلق الله وخلق هؤلاء الشركاء ؛ ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوا مشاركين لله في الألوهية لا يقدرون على خلق شيء ؛ فكيف يختارونهم شركاء لله ؟ ويأتي الأمر من الحق سبحانه :
قل الله خالق كل شيءٍ وهو الواحد القهار " ١٦ " ( سورة الرعد )
وفي آية أخرى يقدم الحق سبحانه تفسيراً لتلك الآية :
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له.. " ٧٣ " ( سورة الحج )
فهؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئاً، ولن يستطيع أحد الإدعاء بأن هؤلاء الشركاء عندهم نية الخلق، ولكن مجيء " لن " هنا يؤكد أنهم حتى بتنبيههم لتلك المسألة ؛ فلسوف يعجزون عنها ؛ لأن نفي المستقبل يستدعي التحدي ؛ رغم أنهم آلهة متعددة ؛ ولو اجتمعوا فلن يخلقوا شيئاً. يستمر التحدي في قوله سبحانه : وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ٧٣ " ( سورة الحج )أي : لو أخذ الذباب بساقه الرفيعة شيئاً مما يملكون لما استطاعوا أن يستخلصوه منه. وهكذا يتضح أن الحق سبحانه وحده هو الخالق لكل شيء ؛ وتلزم عبادته وحده لا شريك له ؛ وهو جل وعلا المتفرد بالربوبية والألوهية ؛ وهو القهار المتكبر ؛ والغالب على أمره أبداً، فكيف يكون من دونه مساوياً له ؟ لذلك لا شريك له أبداً.
تفسير الشعراوي
الشعراوي