وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أي : عن المحارم والمآثم، ففطموا١ نفوسهم عن ذلك لله عز وجل ؛ ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه وَأَقَامُوا الصَّلاةَ بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها٢ وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ أي : على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب، من فقراء ومحاويج ومساكين، سِرًّا وَعَلانِيَةً أي : في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال، في آناء الليل وأطراف النهار، وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي : يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا، كما قال تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ فصلت : ٣٤، ٣٥ ] ؛ ولهذا قال مخبرًا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار، ثم فسر ذلك بقوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ والعدن : الإقامة، أي : جنات إقامة يخلدون٣ فيها.
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال : إن في الجنة قصرا يقال له :" عدن "، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حِبْرة٤ لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وقال الضحاك في قوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد والجنات حولها. رواهما ابن جرير.
وقوله : وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أي : يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين ؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه٥ ترفع٦ درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحسانا، كما قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شِيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [ الطور : ٢١ ]. ٧-٨ وقوله : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ أي : وتدخل عليهم الملائكة من هاهنا وهاهنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند٩ دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام، والإقامة في دار السلام، في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام.
وقال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا١٠ معروف بن سُوَيْد الجذامي عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما١١ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم. قال :" أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون١٢ الذين تُسدُّ بهم الثغور،
وتُتَّقَى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة : نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم ؟ قال : إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا١٣ يشركون بي شيئًا، وتُسَد١٤ بهم الثغور، وتتقى١٥ بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره فلا يستطيع لها قضاء ". قال :" فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ١٦ ورواه أبو القاسم الطبراني، عن أحمد بن رشدين، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، عن عَمْرو بن الحارث، عن أبي عُشَّانة سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين، الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تُقْضَ حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول : أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي ؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون : ربنا نحن نسبحك الليل والنهار، ونُقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب عز وجل : هؤلاء عبادي الذين جاهدوا١٧ في سبيلي، وأوذوا في سبيلي فتدخل عليهم الملائكة من كل باب : سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ١٨ وقال عبد الله بن المبارك، عن بَقِيَّة بن الوليد، حدثنا أرطأة بن المنذر، سمعت رجلا من مشيخة الجند، يقال له " أبو الحجاج " يقول : جلست إلى أبي أمامة فقال : إن المؤمن ليكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول [ أقصى الخدم ]١٩ للذي يليه :" مَلك يستأذن "، ويقول الذي يليه للذي يليه :" ملك يستأذن "، حتى يبلغ المؤمن فيقول : ائذنوا. فيقول أقربهم إلى المؤمن : ائذنوا، ويقول الذي يليه للذي يليه : ائذنوا حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف. رواه ابن جرير. ٢٠ ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطأة بن المنذر، عن أبي الحجاج٢١
يوسف الألهاني قال : سمعت أبا أمامة، فذكر نحوه.
وقد جاء في الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول، فيقول لهم : سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وكذا أبو بكر، وعمر وعثمان. ٢٢
يقول تعالى مخبرًا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة، بأن لهم عُقْبَى الدَّارِ وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.
٢ - في ت :"وسجودها وركوعها"..
٣ - في ت :"تخلدون"..
٤ - في أ :"حرة"..
٥ - في أ :"إنهم"..
٦ - في أ :"ترفع من"..
٧ - في ت :"واتبعتهم"..
٨ - في أ :"ذرياتهم"..
٩ - في ت، أ :"عند"..
١٠ - في ت، أ :"حدثني"..
١١ - في ت :"عنه"..
١٢ - في ت :"المهاجرين"..
١٣ - في ت، أ :"ولا"..
١٤ - في ت، أ :"ويسد"..
١٥ - في ت، أ :"ويتقى"..
١٦ - المسند (٢/١٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٩) :"رجاله ثقات"..
١٧ - في ت :"قاتلوا"..
١٨ - المعجم الكبير للطبراني برقم (١٥٢) "القطعة المفقودة" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٧١) من طريق محمد بن عبد الله عن ابن وهب، به نحوه، وقال :"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي..
١٩ - زيادة من ت، أ، والطبري"..
٢٠ - تفسير الطبري (١٦/٤٢٥)..
٢١ - كذا وقع في تفسير الطبري، ونقله أيضا ابن القيم في حادى الأرواح (٢/٣٨) "أبو الحجاج" وفي ترجمته في الجرح والتعديل (٩/٢٣٥) والتاريخ الكبير (٤/٢/٣٧٦) والثقات لابن حبان (٥/٥٥٢) :"يوسف الألهاني، أبو الضحاك الحمصي، سمع أبا أمامة وابن عمر، وروي عنه أرطاة بن المنذر". وانظر حاشية الأستاذ محمود شاكر على تفسير الطبري (١٦/٤٢٦)..
٢٢ - رواه الطبري في تفسيره (١٦/٤٢٦) عن سهيل عن محمد بن إبراهيم التيمي مرسلا، وهذا معضل..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة