ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ

والذين صَبرُوا على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك
ابتِغَاءَ وَجهِ ربهم ؛ طلباً لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخراً ورياء، وطلباً لحظ نفساني. وأقاموا الصلاة المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، وأنفقوا مما رزقناهم من الأموال فرضاً ونفلاً، سِراً وعلانيةً ؛ إن تحقق الإخلاص، وإلا تعيَّن الإسرار. أو سراً لمن لا يعرف بالمال، وجهراً لمن يعرف به ؛ لئلا يُتهم، أو ليُقتدى به. ويدرءُونَ بالحسنةِ السيئَةِ أي : يدفعون الخصلةَ السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان ؛ امتثالاً لقوله تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [ المؤمنون : ٩٦ ]، أو : يدفعون الشرك بقول :" لا إله إلا الله "، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [ هود : ١١٤ ]. قيل : نزلت في الأنصار. وهي عامة.
ثم ذكر جزاءهم، فقال : أولئك لهم عُقْبَى الدَّارِ أي : عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلُها. وهي : الجنة التي فسَّرها بقوله : جناتُ عَدنٍ .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أفمن تَصَفَّتْ مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأساً ؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب ؛ فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب ـ وهي العكوف في حضرة الغيوب ـ وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان ؛ لأنهم أهل مقام الإحسان. أولئك لهم عقبى الدار ؛ وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهبُ والأسرار، تقول بلسان الحال : سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير