الربع الأخير من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم
في الآية الأخيرة من الربع الماضي تحدث كتاب الله عن فريقين لا ثالث لهما ينقسم إليهما الناس بالنسبة لموقفهم من الدعوة والرسالة، الفريق الأول فريق الذين استجابوا لله، والفريق الثاني فريق الذين لم يستجيبوا له، وبين كتاب الله عاقبة الفريق الأول وهي حسن الجزاء، وعاقبة الفريق الثاني وهي سوء الحساب، فقال تعالى : للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به، أولئك لهم سوء الحساب، ومأواهم جهنم، وبيس المهاد .
وفي الآية الأولى من حصة اليوم بين كتاب الله أن الفريق الذي استجاب لربه، والفريق الذي لم يستجب إليه، لا يستويان في شيء، بل هما على طرفي نقيض، فالذي آمن بأن ما أنزل إلى الرسول حق وصدق سليم البصر والبصيرة، ولذلك عرف الحق وصدقه واهتدى به، والذي كذب بما أنزل إلى الرسول أعمى البصر والبصيرة لأنه قد عطل جميع ملكاته عن النظر والبحث والمقارنة، وهل يستوي الأعمى والبصير أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى .
ثم تولى كتاب الله وصف النوع المتبصر الذي يوجد عنده استعداد خاص للتأمل والتدبر في آيات الله الكونية والدينية، وحلل الصفات التي تميز بها هذا النوع من الناس، فقال تعالى : إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية، ويدرءون بالحسنة السيئة .
ورابع صفة وصف الله بها أولي الألباب أن تكون لهم قدرة على ضبط النفس والصبر الجميل، فهم بالمرصاد دائما لأنفسهم وشهواتهم، لا يطلقون لها العنان، ويلتزمون إزاءها حدود الاعتدال والمشروعية دون كبت ولا طغيان، وهم في حالة الرخاء صابرون، بحيث لا يطغون ولا يتعدون الحدود، وفي حالة الشدة صابرون، بحيث لا يسخطون على الموجود طمعا في المفقود. وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا : والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم فهم صابرون عن رضا لا عن سخط، وعن اختيار لا عن مجرد اضطرار، وهم قاصدون بصبرهم وجه الله ورضاه، أولا وأخيرا.
وخامس صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يقيموا الصلاة، أي يقوموا بها على وجهها الكامل، بحيث لا يتركونها ولا يهملونها، ولا يقومون إليها كسالى، فهم على صلة بالله دون انقطاع، يناجونه ويشكرونه، ويؤدون حقه، ويطلبون عونه على الدوام والاستمرار، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا : وأقاموا الصلاة .
وسادس صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يحسنوا التصرف فيما آتاهم الله من رزق، وائتمنهم عليه من مال، بحيث يكونون أسخياء النفوس، ذوي فتوة وشهامة وكرم، يعتبرون المال وسيلة لا غاية، وغايته نفعهم ونفع الناس أجمعين، ولذلك فهم لا يبخلون بإنفاقه في وجوه الخير، وسبل النفع، وهم ينفقونه سرا كما ينفقونه علانية، حسب الظروف الطارئة والحاجات الملحة، والوضع الذي يكون فيه المنفق والمنفق عليه، لا يتقيدون بوجه دون وجه، ولا باب دون باب، فلأزواجهم وأولادهم وأقربائهم من أموالهم حظ معلوم، كما أن فيها حقا ثابتا للسائل والمحروم، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا : وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية .
وسابع صفة وصف الله بها أولي الألباب، أن يكونوا على درجة كافية من الانتباه الشديد، والمحافظة على رصيدهم الخاص من الحسنات، حتى يظل رصيدا لا عجز فيه ولا تطغى عليه السيئات، بحيث يكونون ذوي وعي عميق وانتباه تام، وولوع بمحاسبة أنفسهم ونقدها الذاتي على الدوام، وهكذا كلما عملوا سوءا بجهالة أو تحت تأثير نزوة من النزوات، اهتموا بأن يعملوا في أعقابه مباشرة ما يمحو أثره، ويزيل مفعوله، من صالح الحسنات. وإذا أساء إليهم مسيء لم يقابلوا إساءته بالمثل، بل قابلوا إساءته بالإحسان، مساهمة منهم في وضع حد لروح الشر والعدوان، وإشاعة لروح التسامح والغفران، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا : ويدرءون بالحسنة السيئة أي يدفعون السيئة بالحسنة، مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية إن الحسنات يذهبن السيئات |هود : ١١٤|، وقوله تعالى في آية ثالثة : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم |فصلت : ٣٤|، وقوله تعالى في آية رابعة : وإذا خاطبكم الجاهلون قالوا سلاما |الفرقان : ٦٣|.
فهذه هي الصفات الرئيسية التي يعتبر من اتصف بها في نظر الإسلام – طبقا لمعيار الذكر الحكيم- من " أولي الألباب " أي من أصحاب العقول الناضجة والأفكار السليمة، وبقدر ما ينقص منها عند الشخص يكون ناقص العقل، فاقد اللب، غير معدود في عداد العقلاء الراشدين، فمن أراد أن يعرف نفسه أهو في عداد العقلاء الراشدين، أم في عداد السفهاء والحمقى والمجانين، فليعيرها بمعيار القرآن، فإنه خير معيار يعير به النقصان والرجحان في ميزان الإيمان. قال القاضي عبد الجبار : " حكى بعض الأئمة أنه سئل عن وصف المؤمن فتلا هذه الآية إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله إلى آخرها.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري