ونجد هذه الآية معطوفة على ما سبقها من صفات أولي الألباب الذين يتذكرون ويعرفون مواطن الحق بعقولهم اهتداءً بالدليل ؛ الذين يوفون بالعهد الإيماني بمجرد إيمانهم بالله في كليات العقيدة الوحدانية، ومقتضيات التشريع الذي تأتي به تلك العقيدة.
ولذلك جعلها سبحانه صفقة أوضحها في قوله تعالى :
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً.. " ١١١ " ( سورة التوبة )
وهي صفقة إيجاب وقبول، والعهد إيجاب وقبول ؛ وهو ميثاق مؤكد بالأدلة الفطرية أولاً، والأدلة العقلية ثانياً.
وهم في هذه الآية من صبروا ابتغاء وجه ربهم، والصبر هو تحمل متاعب تطرأ على النفس الإنسانية لتخريجها عن وقار استقامتها ونعيمها وسعادتها، وكل ما يخرج النفس الإنسانية عن صياغة الانسجام في النفس يحتاج صبراً.
والصبر يحتاج صابراً هو الإنسان المؤمن، ويحتاج مصبوراً عليه ؛ والمصبور عليه في الأحداث قد يكون في ذات النفس ؛ كأن يصبر الإنسان على مشقة التكليف الذي يقول " افعل " و " لا تفعل ".
فالتكليف يأمرك بترك ما تحب، وأن تنفذ بعض ما يصعب عليك، وأن تمتثل بالابتعاد عما ينهاك عنه، وكل هذا يقتضي مجاهدة من النفس، والصبر الذاتي على مشاق التكليف. ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصلاة مثلاً : إنما أنت منذر ولكل قومٍ هادٍ " ٤٥ " ( سورة البقرة ) وهذا صبر الذات على الذات. ولكن هناك صبر آخر ؛ صبر منك على شيء يقع من غيرك ؛ ويخرجك هذا الشيء عن استقامة نفسك وسعادتها. وهو ينقسم إلى قسمين : قسم تجد فيه غريماً لك ؛ وقسم لا تجد فيه غريماً لك. فالمرض الذي يخرج الإنسان عن حيز الاستقامة الصحية ويسبب لك الألم ؛ ليس لك فيه غريم ؛ لكنك تجد الغريم حين يعتدي عليك إنسان بالضرب مثلاً ؛ ويكون هذا الذي يعتدي عليك هو الغريم لك.
وكل صبر له طاقة إيمانية تحتمله ؛ فالذي يقدر على شيء ليس فيه غريم ؛ يكون صبره معقولاً بعض الشيء ؛ لأنه لا يوجد له غريم يهيج مشاعره. أما صبر الإنسان على ألم أوقعه به من يراه أمامه ؛ فهذا يحتاج إلى قوة ضبط كبيرة ؛ كي لا يهيج الإنسان ويفكر في الانتقام. ولذلك تجد الحق يفصل بين الأمرين ؛ يفصل بين شيء أصابك ولا تجد لك غريماً فيه، وشيء أصابك ولك من مثلك غريم فيه. ويقول سبحانه عن الصبر ليس لك غريم فيه. واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " ١٧ " ( سورة لقمان ) ويقول عن الصبر الذي لك فيه غريم، ويحتاج إلى كظم الغيظ، وضبط الغضب : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " ٤٣ " ( سورة الشورى ).
وحينما يريد الحق سبحانه منك أن تصبر ؛ فهو لا يطلب ذلك منك وحدك ؛ ولكن يطلب من المقابلين لك جميعاً أن يصبروا على إيذائك لهم ؛ فكأنه طلب منك أن تصبر على الإيذاء الواقع من الغير عليك ؛ وأنت فرد واحد.
وطلب من الغير أيضاً أن يصبر على إيذائك، وهذا هو قمة التأمين الاجتماعي لحياة النفس الإنسانية، فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تصبر على من آذاك ؛ فقد طلب من الناس جميعاً أن يصبروا على آذاك لهم.
فإذا بدرت منك بادرة من الأغيار ؛ وتخطئ في حق إنسان آخر وتؤلمه ؛ فإن لك رصيداً من صبر الآخرين عليك ؛ لأن الحق سبحانه طلب من المقابل لك أن يصبر عليك وأن يعفو.
وإذا كان لك غريم ؛ فالصبر يحتاج منك إلى ثلاث مراحل : أن تصبر صبراً أولياً بأن تكظم في نفسك ؛ ولكن الغيظ يبقى، وإن منعت الحركة النزوعية من التعبير عن هذا الغيظ ؛ فلم تضرب ولم تصب ؛ ويسمى ذلك :
الكاظمين الغيظ.. " ١٣٤ " ( سورة آل عمران ) والكظم مأخوذ من عملية ربط القربة التي نحمل فيها الماء ؛ فإن لم نحكم ربطها انسكب منها الماء ؛ ويقال " كظم القربة " أي : أحكم ربطها.
ثم يأتي الحق سبحانه بالمرحلة الثانية بعد كظم الغيظ فيقول :
والعافين عن الناس.. " ١٣٤ " ( سورة آل عمران ).
وهنا تظهر المسألة الأرقى، وهي إخراج الغيظ من الصدر ؛ ثم التسامي في مرتبة الصديقين ؛ فلا ينظر إلى من كظم غيظه عنه أولاً ؛ بل يعفو عنه، ولا ينظر له بعداء، بل بنظرة إيمانية. والنظرة الإيمانية هي أن من آذاك إنما يعتدي على حق الله فيك ؛ وبذلك جعل الله في صفك وجانبك ؛ وهكذا تجد أن من ظلمك وأساء إليك قد جعلك في معية الله وحمايته ؛ وعليك أن تحسن له.
والصبر له دوافع ؛ فهناك من يصبر كي يقال عنه : إنه يملك الجلد والصبر ؛ وليبين أنه فوق الأحداث ؛ وهذا صبر ليس ابتغاء لوجه الله ؛ بل صبر كيلا يشمت فيه أعداؤه.
وصبر لأنه قد توصل بعقله أن جزعه لن ينفعه، ولو كان حصيفاً لصبر لوجه الله، لأن الصبر لوجه الله يخفف من قدر الله.
ومن يصبر لوجه الله إنما يعلم أن لله حكمة أعلى من الموضوع الذي صبر عليه ؛ ولو خير بين ما كان يجب أن يقع وبين ما وقع ؛ لاختار الذي وقع.
والذي يصبر لوجه الله إنما ينظر الحكمة في مورد القضاء الذي وقع عليه، ويقول : أحمدك ربي على كل قضائك وجميل قدرتك ؛ حمد الرضى بحكمك لليقين بحكمتك.
فمن يصبر على الفاقة ؛ ويقول لنفسك : " اصبري إلى أن يفرجها الله " ولا يسأل أحداً ؛ سيجد الفرج قد أتى له من الله. انظر إلى الشاعر وهو يقول :
| إذا رمت أن تستخرج المال منفقاً | فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها |
والذي يلفت إلى الحدث وحده يتعب ؛ والذي يلتفت إلى الحدث مقروناً بواقعه من ربه ؛ ويقول : " لابد أن هناك حكمة من الله وراء ذلك "، فهو الذي يصبر ابتغاء وجهه الله. ويريد الله أن يخص من يصبر ابتغاء وجهه بمنزلة عالية ؛ لأنه يعلم أن الله له حكمة فيما يجريه من أقدار. ويتابع سبحانه وصف أولي الألباب : وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية.. " ٢٢ " ( سورة الرعد ).
وسبق أن قلنا في الصلاة أقوالاً كثيرة ؛ وأن من يؤديها على مطلوبها ؛ فهو من يعلم أنها جلوة بين العبد وربه، ويكون العبد في ضيافة ربه.
وحين تعرض الصنعة على صانعها خمس مرات في اليوم فلابد أن تنال الصنعة رعاية وعناية من صممها وخلقها، وكما أن الله غيب عنك ؛ فكذلك أسباب شفائك من الكروب يكون غيباً عنك. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك " فكان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ".
ومن عظمة الإيمان أن الله هو الذي يدعوك إلى الصلاة ؛ وهو سبحانه لا يمنع عنك القرب في أي وقت تشاء ؛ وأنت الذي تحدد متى تقف بين يديه في أي وقت بعد أن تلبي دعوته بالفروض ؛ لتؤدي ما تحب من النوافل ؛ ولا ينهي سبحانه المقابلة معك كما يفعل عظماء الدنيا ؛ بل تنهي أنت اللقاء وقت أن تريد.
ولقد تأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدب ربه ؛ وتخلق بالخلق السامي ؛ فكان إذا وضع أحد يده في يد الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهو لا ينزع يده من يد من يسلم عليه ؛ إلا أن يكون هو النازع. وقول الحق سبحانه : وأنفقوا مما رزقناهم.. " ٢٢ " ( سورة الرعد ) يعني : أنك لا يجب أن تنظر إلى ما يؤخذ منك، ولكن انظر إلى أنك إن وصلت إلى أن تحتاج من الغير سيؤخذ لك، وهذا هو التأمين الفعال، ومن يخاف أن يترك عيالاً دون قدرة، ولو كان هذا الإنسان يحيا في مجتمع إيماني، لوجد قول الحق مطبقاً : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً " ٩ " ( سورة النساء ) وبذلك لا يشعر اليتيم باليتم ؛ ولا يخاف أحد على عياله، ولا يسخط أحد على قدر الله فيه. وسبحانه يضع الميزان الاقتصادي حين يطلب منا الإنفاق، والإنفاق يكون من مال زائد ؛ أو مال بلغ النصاب، ولذلك فعليك أن تتحرك حركة نافعة للحياة، ويستفيد منها الغير، كي يكون لك مال تنفق منه، وعلى حركتك أن تسعك وتسع غيرك.
وهناك من ينفق مما رزقه الله بأن يأخذ لنفسه ما يكفيها، وينفق الباقي لوجه الله ؛ لأنه يضمن أن له إلهاً قادراً على أن يرزقه، والمضمون عند الله أكثر مما في يده. وهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أبا بكر فيما ناله من غنائم ويقول له : ماذا صنعت بها يا أبا بكر ؟ فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه : تصدقت بها كلها. فيقول الرسول : وماذا أبقيت ؟ يقول أبو بكر : أبقيت الله ورسوله.
وسأل رسول الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وماذا فعلت يا عمر ؟ فيقول ابن الخطاب : تصدقت بنصفها ولله عندي نصفها. وكأنه يقول للرسول : " إن كان هناك مصرف تريدني أن أصرف فيه النصف الباقي لله عندي ؛ فلسوف افعل ".
وهكذا رأينا من يصرف مما رزقه الله ؛ بكل ما رزقه سبحانه، وهو أبو بكر الصديق ؛ ونجد من ينفق مما رزقه الله ومستعد لأن ينفق الباقي إن رأى رسول الله مصرفاً يتطلب الإنفاق. ونجد من توجيهات الإسلام أن من يراعى يتيماً ؛ فليستعفف فلا يأخذ شيئاً من مال اليتيم إن كان الولي على اليتيم له مال ؛ وإن كان الولي فقيراً فليأكل بالمعروف.
ولقائل أن يسأل : ولماذا نأتي بالفقير لتكون له ولاية على مال اليتيم ؟
وأقول : كي لا يحرم المجتمع من خبرة قادرة على الرعاية ؛ فيأتي الفقير صاحب الخبرة ؛ وليأكل بالمعروف. ونلحظ أن الحق سبحانه قال : وارزقوهم فيها.. " ٢٢ " ( سورة الرعد )
ولم يقل " ارزقوهم منها " أي : خذوا الرزق من المطمور فيها يملكون بالحركة في هذا المال. وهكذا نفهم كيف ينفق الإنسان المؤمن مما رزقه الله ؛ فهناك من ينفق كل ما عنده ؛ لأنه واثق من رصيده عند ربه، وهناك من ينفق البعض مما رزقه الله ؛ وقد تأخذه الأريحية والكرم فيعطي كل من يسأله، وقد ينفق كل ما عنده ؛ مثل من يجلس في جرن القمح ويريد أن يزكي يوم الحصاد ؛ فيعطي كل من يسأله ؛ إلى أن يفرغ ما عنده.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول : وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " ١٤١ " ( سورة الأنعام ).
وهنا نجد الحق سبحانه يصف هؤلاء المنفقين في سبيله : وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية.. " ٢٢ " ( سورة الرعد ).
والسر هو الصدقة المندوبة، أما الإنفاق في العلانية ؛ فهي الصدقة الواضحة ؛ لأن الناس قد تراك غنياً أو يشاع عنك ذلك، ولا يرونك وأنت تخرج الزكاة، فتنالك ألسنتهم بالسوء ؛ وحين يرونك وأنت تنفق وتتصدق ؛ فهم يعرفون أنك تؤدي حق الله، وتشجعهم أنت بأن ينفقوا مما رزقهم الله.
وصدقة السر وصدقة العلن أمرها متروك لتقدير الإنسان ؛ فهناك من يعطي الصدقة للدولة لتتصرف فيها هي ؛ ويعطي من بعد ذلك للفقراء سراً ؛ وهذا إنفاق في العلن وفي السر ؛ وجاء الحق بالسر والعلانية ؛ لأنه لا يريد أن يحجب الخير عن أي أحد بأي سبب.
وقد يقول قائل : إن فلاناً يخرج الصدقة رياءً.
وأقول لمن يتفوه بمثل هذا القول : ألم يستفد الفقير من الصدقة ؟ إنه يستفيد، ولا أحد يدخل في النوايا. ويتابع سبحانه : ويدرءون بالحسنة السيئة.. " ٢٢ " ( سورة الرعد )
والدرء : هو الدفع بشدة ؛ أي : يدفعون بالحسنة السيئة بشدة. وأول حسنة إيمانية هي أن تؤمن بالله ؛ وبذلك ت
تفسير الشعراوي
الشعراوي