والذين صبروا قال ابن عباس على ما أمروا به، وقال عطاء على المصائب والنوائب، وقيل : عن الشهوات، وقيل عن المعاصي، والأولى أن يقدر على مخالفة الهوى فيعم جميع الأقوال ابتغاء وجه ربهم أي طلبا لمرضاته لا لغرض من أغراض الدنيا أو رياء أو سمعة وأقاموا الصلاة المفروضة وما شاءوا من السنن والنوافل
وأنفقوا مما رزقناهم أي بعضه في الزكاة المفروضة والنفقات الواجبة والصدقات النافلة سرا وعلانية السر أفضل في النافلة، والعلانية في المفروضة نفيا للتهمة، وقدم السر على العلانية لأن الغالب من حال المسلم الصدقة النافلة، وقل ما يجب على المسلم الزكاة ويدرءون الحسنة بالسيئة قال ابن عباس أي يدفعون بالصالح من العمل السيئ نظيره قوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ٢٦ عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إذا عملت سيئة فاتبعها حسنة تمحها )٢٧ رواه أحمد بسند صحيح، وروى ابن عساكر عن عمر ابن الأسود مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا عملت عشر سيئات فاعمل حسنة تحدرهن بها ) وعن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنا ت كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة فانفكت أخرى حتى طرح إلى الأرض ) رواه الطبراني، وقال ابن كيسان معنى الآية يدفعون الذنب بالتوبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية ) رواه أحمد في الزهد عن عطاء مرسلا، وقيل : معناه لا يكافؤ الشر بالشر ولكن يدفعون الشر بالخير، وقال السدي معناه إذا سفه عليهم حلموا، فالسفه السيئة والحلم الحسنة، وقال : قتادة ردوا عليه معروفا، نظيره قوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ٢٨ قال : الحسن إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا، عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي ؟ قال :( لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال منك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك )٢٩ رواه مسلم، قال عبد الله بن المبارك هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة أولئك لهم عقبى الدار العقبى جزاء الأمر وأعقبه جازاه كذا في القاموس، سمي جزاء الفعل عقبى لأنه يعقبه لكن العقبة والعقبى والعاقبة مختصة بالثواب وخير الجزاء على الحسنة، كما أن العقوبة والمعاقبة والعقاب مختصة بالعذاب وسوء الجزاء على السيئة، قال الله تعالى في الثواب : خير ثوابا وخير عقبا ٣٠ وقال : أولئك لهم عقبى الدار ٣١ و فنعم عقبى الدار ٣٢ وقال : والعاقبة للمتقين ٣٣ وقال في العذاب : فحق عقاب ٣٤ شديد العقاب ٣٥ وقال : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ٣٦ وقال : ومن عاقب بمثل ما عوقب به ٣٧ لكن بالإضافة يستعمل العاقبة في العقوبة أيضا قال الله تعالى : ثم كان عاقبة الذين أساءوا ٣٨ فكان عاقبتهما أنهما في النار ٣٩ فهو ما مستعمل بالاشتراك أو يكون استعارة من ضده كقوله تعالى : فبشرهم بعذاب أليم ٤٠ والمراد بالدار النشأة الآخرة فإنها المستقر بخلاف الدنيا فإنها معبر، وإضافة العقبى إلى الدار بمعنى في كمصارع مصر، والمعنى أولئك لهم جزاء حسن في الدار الآخرة، والجملة خبر للموصولات إن رفعت بالابتداء وإن جعلت صفات لأولي الألباب فاستيناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات.
التفسير المظهري
المظهري