ولما قالت اليهود –لعنهم الله- لو كان محمد رسولا لما أولع بالنساء، رد الله عليهم بقوله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ
يقول الحق جل جلاله : ولقد أرسلنا رُسُلاً من قَبلكَ يا محمد، وجعلنا لهم أزواجاً كثيرة : كداود عليه السلام ؛ كان له مائة امرأة، وابنه كان له ألف، على ما قيل، وغيرهما من الأنبياء والرسل. و جعلنا لهم منهن ذُريةً ، وأنت يا محمد منهم ؛ فليس ببدع أن يكون الرسول بشراً، يتزوج النساء، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، إلا أنه لا يشغله ذلك عن أداء الرسالة، ونصيحة الأمة، وإظهار شريعة الدين، والقيام بحقوق رب العالمين. ولما أجابهم بشبهتهم قالوا : أظهر لنا معجزة كما كانت لهم، كالعصا وفلق البحر، وإحياء الموتى ؟ فأنزل الله وما كان لرسول ؛ ما صح له ولم يكن في وسعه أن يأتي بآيةٍ تُقترح عليه، ويظهرها إلا بإذن الله وإرادته ؛ فإنه القادر على ذلك. لكل أجلٍ من آجال بني آدم وغيرهم، كتابٌ يُكتب فيه وقت موته، وانتقاله من الدنيا.
قال الورتجبي في هذه الآية : أعْلَمَ تَعالى، بهذه الآية، الجُهَّال أنه إذا شَرَّف وليّاً أو صدِّيقاً بولايته ومعرفته لم يَضُرّ بِه مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد، ولم يكن بسْط الدنيا له قدحاً في ولايته. هـ.
وقال الغزالي في الإحياء، في الترغيب في النكاح : قال تعالى في وصف الرسل ومَدْحِهِم : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذُرية ، فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل، ومَدَح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء، فقال تعالى :
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [ الفرقان : ٧٤ ] الآية، ويقال : إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين. وقالوا : إن يحيى عليه السلام قد تزوج فلم يجامع. قيل : إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السُّنة، وقيل : لغض البصر. وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض، ويولدُ له.
وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم :" النَّكَاحُ سُنَّتي، فَمَنْ أَحَبَّ فِطْرَتي فَليسْتَنَّ بِسُنَّتِي " ٢ وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم :" تَنَاكَحُوا تَكَاثَروا ؛ فإنِّي أُبَاهِي بِكُم الأُممَ يَوْمَ القِيَامة، حَتَّى السَّقْط " ٣. وقال أيضاً :" مَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتي فَلَيْسَ مِنِّي، وإِنَّ مِنْ سُنَّتي النِّكاحَ، فَمَنْ أحَبَّنِي فَليَسْتَنَّ بِسُنَّتِي " ٤ وقال صلى الله عليه وسلم :" مَنْ تَرَكَ التَّزَوُّج مَخَافَةَ العَيْلة فَلَيس مِنَّا " ٥. وقال صلى الله عليه وسلم :" مَنْ نَكَحَ لله وأَنكَحَ لله استَحَقَّ ولايَة الله " ٦.
ثم قال٧ : وقال ابن عباس لابنه : لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج. وكان ابن مسعود يقول : لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج، لا ألقى الله عَزَبَاً. وكان معاذ رضي الله عنه مطعوناً وهو يقول : زوجوني، لا ألقي الله عزباً. وكان ماتت له زوجتان بالطاعون. وكان عُمَرُ يكثر النكاح، ويقول : لا أتزوج إلا للولد، وكان لعليّ رضي الله عنه أربع نسوة، وسبع عشرة سرية، وهو أزهد الصحابة. فدل أن تزوج النساء لا يدل على الرغبة في الدنيا.
قال سفيان : كثرة النساء ليس من الدنيا. واستدل بقضية عليّ رضي الله عنه قال : وكان أزهد الصحابة. ورُوي أن بشر الحافي رُئيَ في المنام، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : رفعت إلى منازلي في الجنة فأشرفت على مقامات الأنبياء، ولم أبلغ منازل المتأهلين. وفي رواية : قال لي : ما كنت أحب أن تَلقاني عَزَباً، قال الرائي : فقلت له : ما فعل أبو نصر التمار ؟ قال : رُفع فوقي بسبعين درجة ؛ بصبره على بُنياته وعياله. وقد قيل : فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد، وركعةٌ مِنْ متأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب. هـ. كلام الغزالي باختصار.
وقوله تعالى : يمحو الله ما يشاء ويُثبت ، من جملة ما يقع فيه المحو والإثبات الواردات الإلهية التي ترد على القلوب من تجليات الغيوب ؛ فإن القلب إذا تطهر من الأكدار، وصفا من الأغيار، كان كل ما يتجلى فيه من الغيوب فهو حق، إلا أنه ينسخ بعضها بعضاً ؛ فقد يخبر الولي بأمر، يكون أوْ لا يكون على حساب ما تجلى في قلبه، ثم يمحو الله ذلك، ويثبت في قلبه خلافه. أو يظهر في الوجود خلاف ما أخبر، وليس بكذب في حقه، ولكن الحق تعالى يُظهر لخلقه أموراً من مقدوراته، متوقفاً وجودُها على أسبابٍ وشروطٍ أخفاها الحق تعالى عن خلقه، ليظهر عجزهم عن إحاطة علمه، فالنسخ إنما يقع في فعله لا في أصل علمه.
قال الأستاذ القشيري : المشيئة لا تتعلق إلا بالحدوث، والمحو والإثبات لا يكون إلا من أوصاف الحدوث، فصفات ذات الحق ـ سبحانه ـ ؛ من كلامه وعلمه، لا يدخل تحت المحو والإثبات، إنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله. هـ. وقال سهل رضي الله عنه : يمحو الله ما يشاء ويثبت الأسباب، وعنده أمُّ الكتاب ؛ القضاء المبرم. هـ.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان الفاسي : وعنده أم الكتاب : العلم الأول الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل، ولا يقبل النسخ والتحريف. ومطالعته : بالفناء عن الحقيقة الخَلْقِية، والبقاء بالأنوار الصمدانية، والأنفاس الرحمانية. قال في القوت : والمحبة من أشرف المقامات، ليس فوقها إلا مقام الخُلَّة، وهو مقام في المعرفة الخاصة، وهي : تخلّل أسرار الغيب، فيطلع على مشاهدة المحبوب، بأن يعطى إحاطة بشيء من علمه بمشيئته، على مشيئته التي لا تتقلب، وعلمه القديم الذي لا يتغير. وفي هذا المقام : الإشراف على بحار الغيوب، وسرائر ما كان في القديم وعواقب ما يدب. ومنه : مكاشفة العبد بحاله، وإشهاده من المحبة مقامه، والإشراف على مقامات العباد في المآل، والاطلاع عليهم في تقلبهم في الأبد ؛ حالاً ومآلاً. هـ.
قلت : هذا الاطلاع إنما هو إجمالي لا تفصيلي، وقد يقع فيه المحو والإثبات ؛ لأنه من جملة المعلومات التي دخلت عالم التكوين، التي يقع فيها التبديل والتغيير.
ثم قال صاحب القوت : وقد قال أحسن القائلين : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ [ البقرة : ٢٥٥ ]، والاستثناء واقع على إعطاء الإحاطة بشيء من شهادة علمه، بنورٍ ثاقبٍ من وصفه، وشعاع لائحٍ من سبحاته، إذا شاء، وذلك إذا أخرجت النفس من الروح، فكان روحانياً، خُروجَ الليلِ من النهار. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي